هل تتأثر الشراكة الدفاعية بين “الرياض” و”واشنطن” بعد “طالبان”؟

شغلت منطقة الخليج العربي مساحة هامة من المشهد الأفغاني بمشاركة بعض دولها في تسهيل جهود الإجلاء للمواطنين الأمريكيين والأفغان ومرورهم عبر أراضيها والمساعدة في تشغيل مطار كابل وإرسال المساعدات الإنسانية، إلا أن قضية الانسحاب الأمريكي وتبعاته على العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين باتت أكثر إلحاحا في ضوء الجولة الخليجية غير المكتملة لوزير الدفاع لويد أوستن خلال الأسبوع الماضي مع الإعلان عن تأجيل زيارة الأخير للرياض وسحب بعض المنظومات الدفاعية من أراضي المملكة على الرغم من تصاعد الهجمات الحوثية.

وبناء على ماسبق؛ يسعى التحليل التالي لاستكشاف مدى تأثر العلاقات الدفاعية بين الولايات المتحدة من جهة، ودول الخليج عامة والسعودية بوجه خاص من جهة أخرى.

جولة في ظروف مزدحمة:

حملت جولة وزير الدفاع الأمريكي في منطقة الخليج مناقشة ملفات عدة وتنسيق الجهود السياسية والأمنية بين الجانبين، ففيما تضمنت الزيارة بعث الولايات المتحدة برسالة طمأنة إلى دول الخليج العربي للتأكيد على التزام واشنطن بأمن المنطقة ومعالجة ملف الوجود العسكري تجنبا لتداعيات سلبية أعقبت الانسحاب من أفغانستان، تشابكت أبعاد الزيارة وأهدافها كالتالي:

(*)الشأن الأفغاني: مع استضافتها المكتب السياسي لحركة طالبان، باتت الدوحة قناة رئيسية للتواصل مع الحركة ومقرا بديلا لممارسة أعمال البعثات الدبلوماسية في أفغانستان وعلى رأسها بعثة واشنطن، في ظل عدم اعتراف غالبية دول العالم بشرعية الحكومة المؤقتة التي أعلنت عنها الحركة.

وتزامنت الزيارة مع تواجد وزير الخارجية أنتوني بلينكن في قطر من أجل توجيه الشكر للدوحة على فتح أراضيها كممر لعشرات الآلاف ممن جرى إجلائهم من مطار كابل، في جهود ساهمت فيها كذلك الكويت والبحرين والإمارات، فضلا عن استئناف تلك الدول إرسال مساعدات إنسانية للمطارات الأفغانية.

(*) الترتيبات الأمنية: جاءت الزيارة إلى كل من قطر والبحرين والكويت نظرا لأهمية الوجود العسكري الأمريكي فيهم، حيث يقع مقر القيادة الوسطى للجيش الأمريكي في قاعدة العديد الجوية القطرية التي تستضيف قرابة 8000 جندي، والقيادة المركزية للبحرية الأمريكية والأسطول الخامس في مملكة البحرين بقوة يبلغ قوامها 4200 جندى، فيما تستضيف الكويت أكبر عدد للقوات الأمريكية في المنطقة يبلغ 13500 جندى.

وبالتزامن مع جولة أوستن أطلقت قيادة الأسطول الخامس في البحرين قوة جديدة تعتمد الأنظمة غير المأهول تتكامل مع جهود تلك القوة البحرية لردع الأنشطة الإيرانية في مياه الخليج على خلفية استهداف السفن وناقلات النفط بالمنطقة، وهو ما يشير إلى تطلع واشنطن لإعادة النظر في عديد قواتها بما يتناسب مع طبيعة التهديدات وفي نفس الوقت يخدم خطتها لإعادة الانتشار، وتحتفظ كذلك القوة الأمريكية في منطقة الخليج بدور هام في مكافحة الإرهاب وتنفيذ هجمات على مواقع تنظيم داعش خاصة بعد الانسحاب من أفغانستان.

حال العلاقات السعودية الأمريكية:

كشفت الساعات الأخيرة من الجولة عن اتساع الهوة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة على مدار الأشهر الماضية، بالإعلان عن إرجاء زيارة وزير الدفاع المجدولة للمملكة لأسباب تتعلق بالجدول الزمني للجانب السعودي على حد تعبير أوستن، وفيما يلي بيان أبعاد التوتر بين الجانبين:

(*) العلاقات الثنائية: مثل اللغط بشأن هجمات 11 سبتمبر الإرهابية واتهام المملكة على مدار الأعوام الماضية بالتورط فيها، أبرز فصول التوتر وآخرها مع رفع السرية عن وثائق لمكتب التحقيقات الفيدرالي حول الهجمات، أثبتت مؤخرا عدم تورط مسئولين رسميين بالمملكة في دعم المهاجمين. كما يتوالى التلويح بملف حقوق الإنسان وقضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي منذ مجيء إدارة الرئيس جو بايدن للسلطة في يناير الماضي للتدخل في سياسة المملكة وشئونها الداخلية.

(*) الملف النووي: تتشكك الرياض من جدوى جهود التهدئة التي تبذلها واشنطن مع الحكومة الإيرانية ووكلائها في المنطقة لصالح تمرير الصفقة النووية، في غياب التنسيق مع السعودية ودول الخليج ودون تأكيد واضح على تضمين الدور الإقليمي المزعزع للاستقرار والبرنامج الصاروخي، الأمر الذي رافقه تململ رسمي من قبل المملكة عبر تصريحات وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان أشار خلالها بعدم التزام طهران بنصوص الاتفاق النووي المعيب.

(*) الأزمة اليمنية: ويبدو تطبيع المسار الأفغاني واستنساخه في اليمن مثار قلق بالنسبة للمملكة في ضوء المقاربة الأمريكية الداعية لإنهاء الدور العسكري للرياض وتحالف دعم الشرعية في الأزمة اليمنية، الأمر الذي من شأنه تقويض الحل السياسي وفق المرجعية الدولية والسماح بتمدد ميليشيا “أنصار الله” ما لم يتم الالتزام بوقف التصعيد، في حين لم تقابل مساعي المملكة الجدية لإنهاء الحرب عبر مبادرتها لوقف إطلاق النار في مارس الماضي بالدعم الدولي وربما الأممي المطلوب من خلال تضمينها في قرار لمجلس الأمن ضمن مقررات حل الأزمة.

(*) الشراكة الدفاعية: على الرغم من توالي الهجمات الحوثية على أراضي المملكة، اعتزمت واشنطن سحب منظومات الدفاع الجوي “باتريوت وثاد” في إطار خطتها لإعادة الانتشار، مما يقلص من هامش الثقة من الجانب السعودي في التزام واشنطن بأمن المملكة عبر عنه الأمير تركي الفيصل، في إطار سياسي بالمقام الأول، قائلا “إن السعودية تحتاج إلى الاطمئنان بخصوص التزام الأمريكيين تجاهها”.

وفي المقابل يلقي ذلك الفتور النسبي في العلاقات بين واشنطن والرياض، الضوء على التقارب بين الأخيرة وموسكو على صعيد التعاون العسكري، مع توقيع اتفاقية بين الجانبين في 24 أغسطس الماضي على هامش تواجد نائب وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان في العاصمة الروسية للمشاركة في المنتدى العسكري التقني “أرميا 2021”.

مسار العلاقات:

تحظى العلاقات الأمريكية مع دول الخليج وفي القلب منها المملكة العربية السعودية للجانبين بدرجة يصعب معها الاعتقاد بفك الارتباط الكامل على المدى المنظور، بيد أن الخلافات تبدو غير مسبوقة في خضم التعارض الواضح في أسلوب حلحلة الأزمات الإقليمية ومحاولة وضع الرياض تحت ضغط دائم باعتبارها أبرز المعارضين لسياسة واشنطن في المنطقة.

وترمز التحركات الأمريكية في مجملها إلى استكمال أجندة تخفيض الوجود العسكري في منطقة الشرق الأوسط واختزال مهام القوات المتواجدة في مكافحة الإرهاب وردع التحركات التي من شأنها التأثير في إمدادات النفط وحركة الملاحة الدولية عبر مياه الخليج، وهو ما يتناسب مع تصريحات الرئيس بايدن بإعادة النظر في حجم الانتشار العسكري بالخارج بحيث يتلائم مع طبيعة التهديدات.

وكان من ثمار هذا التوجه ألا تنخرط بطاريات الدفاع الجوي الأمريكية في مواجهة الهجمات المتكررة على الأراضي السعودية رغم استدعائها على خلفية هجمات أرامكو منتصف سبتمبر 2019، وإخلاء معسكري السيلية الرئيسي والجنوبي في قطر ونقل المعدات إلى الأردن، كما تستعد مؤخرا لبناء قوة مسيرة وأنظمة دفاعية غير مأهولة في نطاق الأسطول الخامس بما يمهد لخفض عدد القوات، في رسالة ضمنية للجانب الإيراني على غرار صفقة الاتفاق النووي الموقعة عام 2015 والتي أحدثا شرخا في العلاقات بين الجانبين ظهر خلال اجتماع كامب ديفيد بين الولايات المتحدة ودول الخليج في مايو من نفس العام.

ويبقى التفاهم السياسي حول كيفية الحفاظ على أمن دول الخليج العربي نقطة خلافية، إذ لا ينفصل عن مجمل الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط وكيفية التعاطي معها في إطار شامل يتضمن إشراك تلك الدول في الحل وليس عن طريق إبرام صفقات جزئية كما جرى في لبنان لتمرير تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بتفاهم إيراني فرنسي غير بعيد عن الموافقة الأمريكية.

وتأسيسا على ما سبق؛ تضع الإدارة الأمريكية الحالية نصب أعينها عدم الانخراط في أزمات منطقة الشرق الأوسط وتهدئة الأجواء مع إيران بما يسمح بتقرير حجم الوجود العسكري الأمريكي الذي يعد جزءا أساسيا من معادلة التوازن الاستراتيجي، مع الإبقاء على الدعم السياسي لجهود شركاء واشنطن بالمنطقة لملء أي فراغ محتمل ناجم عن التغير في تلك المعادلة الإقليمي، وذلك عبر مسارات متوازية يرتبط جدولها الزمني بالاستحقاقات الاستراتيجية للولايات المتحدة.

 

ضياء نوح

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي ، حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية ، وباحث ماجستير في ذات التخصص ، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية ، متخصص في شئون الخليج وإيران .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى