بعد اختراق ” جلبوع”.. قراءة سوسيولوجية للسجون الإسرائيلية

بهي الدين أيمن- باحث مساعد في وحدة دراسات الأمن الإقليمي.

تطرح عملية هروب ستة سجناء أمنيين فلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي عن طريق حفر مسارهم عبر نظام الصرف الصحي من زنزانتهم إلي خارج أسواره- العديدة من التساؤلات حول واقع السجون الإسرائيلية، وهيبة الدولة الإسرائيلية في عيون الإسرائيليين وغيرهم، بل تكسير سردية “السجون الإسرائيلية محصنة ولا يمكن اختراق نظام الأمني”.

 وعلى ما سبق، وفقاً لما أشار إليه العديد من المراقبين، وهو أن هذه الحادثة تعد في واحدة من أبرز حوادث الهروب من السجون في تاريخ إسرائيل، يحاول هذا التحليل قراءة عملية الهروب وتأثيراتها الراهنة والمستقبلية، بقراءة سوسيولوجية، خاصة وأن خطورتها وتأثيراتها البالغة على الحكومة الإسرائيلية وضحت منذ لحظة الهروب، بدليل مطاردة الهاربين باستخدام أدوات حديثة كالطائرات بدون طيار والطائرات العمودية, وزرع العديد من نقاط التفتيش في المنطقة. كما أن خطورة هذه الحادثة على رمزية سجون إسرائيل، وبالإضافة إلى توقيتها، الذي يستدعي نظرة تحليلية علي العوامل المؤدية للهروب في ظل أهمية السجون كمؤسسة سلطوية قهرية في فلسطين المحتلة, وتأثريها على سردية ” السجون الإسرائيلية شديدة التحصين ولا يمكن اختراق عملية تأمينها”.

يذكر أن، أربعة من الهاربين الستة محكومين عليهم بالسجن مدي الحياة لصلتهم بهجمات مميتة ضد الإسرائيليين, والخامس –زكريا الزبيدي – يعتبر القائد الأكبر (الأسوأ سمعة) بالنسبة لهم وكان محكوم عليه في عشرين جريمة ومشترك في كتائب شهداء الأقصى, احتجز الأخير بسبب عقوبة إدارية, ويعتبروا الستة سجناء (أمنيين )غاية في الخطورة. بالإضافة إلى أنه تم القبض علي 2 من الهاربين، وهما محمود العارضة ويعقوب كداري بعد أن رصد مدنيون حركات مشبوهة منهم وأبلغوا الشرطة بهما.

علاقة السجون بسياسة الدولة:

 بالاستعانة بكتابات ميشيل فوكو, فإن السجون بشكل عام تعتبر كاشفاً لاستراتيجيات الدولة للسلطة وليس مجرد أداة مؤثرة سياسيا تستخدم في القضاء علي معارضة أو عزل محرضين علي الفتنة, لكن السجون هي امتداد طبيعي لاستراتيجيات السلطة الاجتماعية التي تم تأسيسها بشكل أكبر تنظيماَ, لتنظم بالتالي تدفقات السكان وليس مجرد إبعاد أو عزل بعضهم عن المجتمع. وبالتالي فإن السجون تعتبر مؤسسة دولية رسمية من ضمن المؤسسات التي تنظم حياة الأفراد منذ الولادة إلي الموت, مثل الحضانة, المدارس الداخلية, الثكنات والمستشفيات.

 وإذا كانت كل المؤسسات السابق ذكرها تتسم بـ(القسرية), وتعمل بنفس الطريقة من خلال المراقبة المستمرة للأفراد وفرض عقوبات في حالة انحراف عن سلوك معين- فإن هذه العوامل تجعل من السجن مقبولاً وواضحاً , ولكن ما يجعل السجون أكثر تمثيلاً لجودة السلطة عن غيره من المؤسسات، قد يرجع إلي اعتبار المجرم (عدو اجتماعي), لذلك قد تتخذ بعض الدول السجن كأداة تكتيكية لفرض وعرض قوتها في التحكم في المجتمع عن طريق سياسة التعامل مع هؤلاء الأعداء الاجتماعيين والتي قد تميل هذه السياسة إلي العنف المفرط وتعدي على حقوق الإنسان في بعض الدول. وقد يزيد اعتماد الدول علي مؤسسة السجون في فرض القوة خاصة لو كانت دولة ذات تاريخ مضطرب وذات طبيعة استعمارية وتهكمية, مما قد يزيد قلقها في حال مس سلطتها المزعومة أو التشكيك في مكانتها وسط الكبار أو فقدان الثقة في سياستهم, لذلك يتم تعويض النقص عن طريق البطش باستخدام السجون كأداة لإظهار السيطرة، مما يجعل الوضع يبدو كأنه حرب أهلية، وأوضح مثال علي هذا، هو إسرائيل.

السياق  التاريخي للسجون الإسرائيلية:

أسس البريطانيون نظام السجون في عام 1921, وخلال معظم فترات الانتداب كان نظام السجون جزءاَ من إدارة الشرطة الفلسطينية, تحت قيادة المفتش العام للشرطة والسجون. وفي عام 1946, تم فصل جهاز الشرطة إدارياَ عن نظاما السجون، وبعده  في عام 1949 بعد إنشاء دولة إسرائيل, تم إنشاء مصلحة السجون الإسرائيلية كوحدة إدارية منفصلة, وعلي عكس معظم المجتمعات الغربية, فإن نظام العقوبات ظل مرتبطاَ بوزارة الشرطة سياسيا, ووزير الشرطة، هو المسئول عن السجون، لكن ليس له سلطة مباشرة عليها.

 وحتى قبل الحرب العربية الإسرائيلية, كان يتم فرض نظام الحكم العسكري علي السكان العرب داخل حدود الدولة, وخلال هذه الفترة كان نظام الأمن والعدالة بمثابة آلية أساسية لتنظيم العلاقات بين الأقلية العربية والأغلبية اليهودية. وقد أسس الاستخدام السياسي للقانون الجنائي أنواع جديدة من الجرائم الخاصة بالعرب وحدهم, و منذ ذلك حين, تم إدانة آلاف العرب والحكم عليهم أمام محاكم عسكرية نتيجة لقيود مفروضة علي تحركاتهم ونتيجة لتجريم سلوكيات عادية مقبولة مثل حرية الوصول للأرض والذهاب للعمل وتسويق المنتجات وغيرهم.

ومنذ نشأة دواة إسرائيل بشكل عام, فإن الصراع العربي الإسرائيلي المستمر كان له عواقب مهمة علي عمل نظام العدالة والتأثيرات المفرطة علي سياسات العقوبات. فقد تغير عدد السجناء في السجون الإسرائيلية بشكل كبير في وقت قصير دون أي تغييرات كبيرة في معدلات الجريمة أو في التشريعات, مما يعكس جمود وعدم مرونة في قوانين العقوبات. وترجع زيادة معدلات الحبس في إسرائيل إلي دورات المواجهة مع الفلسطينيين بشكل رئيسي, و قد أظهر بعض الخبراء أن زيادة معدلات السجن كانت مؤشر علي سياسات  الحكومة القمعية، وقد لاحظ بعض العلماء، أنه مثلا علي عكس الولايات المتحدة والمملكة المتحدة, فإن الجريمة أو قضايا العدالة مازالت محدودة في مناقشات السياسة الوطنية بالبرلمان، وهذا يعكس استقلالية كبيرة لمصلحة السجون الإسرائيلية في التعامل مع المساجين, بالإضافة إلي انحدار كبير في مستوي الرقابة علي سياسات السجون الإسرائيلية.

وبالنسبة للفلسطينيين, فإنهم ينظرون إلي السجن علي أنه آلية للإقصاء والسيطرة, وبالطبع تزيد النظرة العدائية تجاه مؤسسة السجون بسبب بيئة الاحتلال والقمع الراسخة في تلك البلاد، مما يجعل أي مساس بجودة الأمن داخل السجون، يعد انتصاراً بالنسبة للمناضلين الفلسطينيين بصرف النظر عن فكرة الهروب أو اختراق السجون في حد ذاتها.

بالإضافة إلى ما سبق ذكره، يعد أيضاً ما يزيد من العداء تجاه السجون، هو  أنه حتى حق الإفراج عن السجناء بعد قضاء ثلثي حكمهم لا يمنح للفلسطينيين بشكل عام ولا المحكوم عليهم أمنيا بصفة خاصة. وأيضا السجناء الأمنيين العرب لا يتم إعطاءهم ميزة (حسن السلوك). وجدير بالذكر أمن السجناء الأمنيين تبعا لمصلحة السجون الإسرائيلية، هم مجموعة منظمة تعمل كجماعة إيديولوجية موحدة ووفقًا لتوجيهات آلية تنظيمية يحتفظ بها السجناء في كل سجن، وتتخذ قرارًا بشأن نشاط الأسرى، مع فرض الانضباط الشديد ووسائل العقاب. ويمكن أن تبلغ ذروتها في الإبادة الجسدية لأولئك الذين يرفضون أوامرهم.  وبشكل عام  يختلف أسلوب حياة الأسري الفلسطينيين داخل السجون عن بقية الأسري, وتعد السمة الأساسية لهم، هي نظرتهم الجماعية إلي حقيقة سجنهم والواقع السياسي الذي يعيشونه والذي جعلهم يقضون سنوات عديدة, إن لم يكن حياتهم كلها في السجن.

إن هذه النظرة التعاونية يتم التعبير عنها علي سبيل المثال عن طريق إدارة حساب مصرفي مشترك لجميع السجناء وتخصيص مبلغ موحد لكل سجين, أو عن طريق الحفاظ علي قواعد وقيم علي مستوي دقيق مثل نبذ السجناء المحكوم عليهم بسبب جرائم مخدرات أو جنس أو كحول, وحتى في آليات اتخاذ القرارات, يتم التركيز علي تبادل الأفكار ووجهات النظر واختيار الحوار كحل أول للمشكلات. لذلك، فإن بالرغم من تعدد الفصائل السياسية التي ينتمي إليها الأسري فإنهم مع ذلك متعاونين, وبالتالي فإن عملية التنسيق والتنظيم بينهم داخل السجون عملية سهلة.

انتهاكات إنسانية في السجون:

جدير بالذكر أن تاريخ السجون حافل بتعديات مختلفة علي الحقوق الإنسانية للسجناء, وأبرزها تم السنوات الخمس الماضية, حيث فرضت مصلحة السجون الإسرائيلية ضد بعض السجناء مجموعة من الإجراءات العقابية القاسية واللا إنسانية. ومن بين الإجراءات العقابية التي تم فرضها، هي منع المضربين عن الطعام من الحصول على مياه الشرب الباردة، وإجبارهم على شرب الماء الدافئ من صنبور مياه صدئة في زنازينهم، مع العلم أن الأسرى كانوا في ذلك الوقت وأثناء هذا الفعل دخلوا يومهم الثامن عشر في إضراب مفتوح عن الطعام. كما أغلقت جميع الفتحات في بوابات الزنزانات، مما حد من توفير الهواء النقي في الغرف، وقال أبو شرار أد. سمعان إنه “كان ينام على مرتبة بجوار عتبة الباب حيث تسمح الفتحة الصغيرة الموجودة أسفل البوابة ببعض الهواء بالدخول، وأضاف أن مصلحة السجون صادرت جميع متعلقاتهم، حيث تم وضعهم في الحبس الانفرادي فور بدء إضرابهم عن الطعام، كما منعتهم مصلحة السجون من الحصول على الملابس والكتب والبطانيات والوسائد”.

وقد وصلت الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية ذروتها في 2020, عندما قدم المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية التماس بطلب تنفيذ أوامر التباعد الاجتماعي في سجن جلبوع – السجن الذي هرب منه الست سجناء – بعد تفشي مرض فيروس كورونا. ولكن عارضت المحكمة العليا في إسرائيل وحكمت ضد الالتماس زاعمة أن ( الأسري الفلسطينيين ليس لديهم الحق في الحماية من الوباء عن طريق التباعد الاجتماعي).

ويعتبر سجن جلبوع واحداً من عشرات السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية التي يحتجز فيها آلاف السجناء السياسيين الفلسطينيين, ففي منتصف 2020 كان هناك 4236 أسيراً فلسطينيا محتجزين في هذه المرافق. بالإضافة إلي أن مركز الأقلية العربية يتهم مصلحة السجون الحكومية بتجاهلها حكم سابق للمحكمة العليا، يقضي بأن تضمن السجون مرافق ذات مساحة معيشة بحد أدني 4.5 متر لكل سجين. يذكر هنا أن سجن جلبوع، تبلغ مساحة كل زنزانة حوالي 22 متر مربع وتحتوي علي ما لا يقل عن ستة سجناء يتشاركون في حياتهم الشخصية اليومية.

 وحتى مع تجاهل الإجراءات التباعدية, فإن إسرائيل واصلت عمليات البحث والاعتقال في الأراضي المحتلة, واعتقلت مئات الفلسطينيين علي مدار العام. وعليه، فإن كل هذه الظروف الصعبة في السجون الإسرائيلية, خاصة في ظل عدم الالتزام بإرشادات التباعد الاجتماعي وقت انتشار الفيروس, تدفع بعض السجناء والعقول المدبرة كـ “زكريا الزبيدي” و “محمود العارضة” في التخطيط لعمليات هروب مدروسة بدقة للخروج من هذه الظروف المؤذية.

في النهاية، يمكن القول إن عملية الهروب السابق ذكرها وسرد تفاصيلها كانت مبهرة, ليس فقط لأنها تختبر سلطة السجن والجهاز الأمني والدولة بأكملها في إسرائيل, ولكن أيضاً لأنها تعكس الرغبة في الحرية علي أساس يومي, وقد أشبعت هذه العملية جزء من الرغبة, والإرادة والحلم في تحرير الفلسطينيين من الاحتلال. وبالطبع سيكون هناك تداعيات وخيمة إذا لم يتم الإمساك ببقية الهاربين في أقرب فرصة, وأقل هذه التداعيات، ستكون متمثلة في تغييرات جذرية في أجهزة الدولة والأمن الإسرائيلي, ليس فقط بسبب تعويض فشلها ولكن ربما لإرضاء الرأي العام والشارع الإسرائيلي الغاضب, لذلك قد يتم خلال الفترة المقبلة الإطاحة بعدد كبير من القيادات الأمنية الإسرائيلية إذا استمر التشكيك في القدرات الأمنية للأجهزة الإسرائيلية التي قد تنعكس سياسياَ علي مستوي الحكم في الدولة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى