هل تصمد التسويات المؤقتة في درعا السورية؟

إعداد: محمد صابر- باحث مساعد بالمركز.

تدقيق وتحرير: د.أكرم حسام-نائب مدير المركز.

بين هدنة وتصعيد، يظل الموقف السياسي والعسكري في درعا معلقاً حتى الآن، فبعد أن تفاءل البعض بأن المشهد السياسي والعسكري في درعا يتجه نحو التهدئة، بعد الإعلان عن اتفاق هدنة جديد بين لجنة التفاوض الممثلة لدرعا واللجنة الأمنية التابعة للحكومة السورية وروسيا في 31 أغسطس الماضي، خرجت تصريحات  على الجانب المقابل، نفى فيها المسلحون في مدينة درعا جنوبي سوريا موافقتهم على مصالحة مع الحكومة، حسب تصريحات من رئيس لجنة المصالحة المحلية حسين الرفاعي لوكالة “نوفوستي”. الروسية.

تأسيساً على ما سبق، سيظل الموقف في الجنوب السوري معلقاً حتى حين، إلى أن تتضح الصورة بشكل كامل، وحتى تتضح الصورة نوضح في هذا التحليل أبعاد الموقف الراهن في درعا وسيناريوهاته.

سيناريو التهدئة وشروط اتفاق الهدنة الجديد:

بعد أسابيع من التصعيد، كان أعنفها الأسبوع الماضي، عقب رفض المسلحين شروط الهدنة الروسية. فوفق للأخبار الواردة من سوريا، وبناء عليه بدأت عملية تسليم أسلحة وتسوية أوضاع عدد من مسلحي درعا جنوبي البلاد غداة التوصل إلى اتفاق ينهي التصعيد العسكري في المنطقة. حيث ذكرت وكالة “سانا” الحكومية السورية أن العملية تتم في مركز التسوية بحي الأربعين في منطقة، وأضافت أنه سيتم فتح عدة مراكز تسوية أخرى لتسوية أوضاع المسلحين وتسليم السلاح للجيش السوري.

ينص الاتفاق على “دخول قوات تابعة للشرطة العسكرية الروسية بمرافقة من اللواء الثامن، وإنشاء نقطة عسكرية مؤقتة جنوب درعا البلد، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار”. كما نص الاتفاق على “رفع علمي روسيا والنظام السوري وتمركز قوة عسكرية تابعة للجيش السوري في 4 مواقع عسكرية، على أن يجري تحديدها لاحقا”. وكان من ضمن بنود الاتفاق تسوية أمنية لنحو 34 شخص وتسليم أسلحتهم، على أن يتم تسيير جولة لقوة عسكرية في أحياء درعا البلد والمخيم وطريق السد. وبعد تنفيذ كافة بنود الاتفاق، يفترض أن يسحب الجيش السوري التعزيزات العسكرية من محيط الأحياء المحاصرة، ثم يفك الحصار عنها.

هذا السيناريو هو الأوفر حظاً بسبب تمسك روسيا بالتهدئة ورفضها للتصعيد، لكنه يتطلب استجابة من مسلحي درعا وقبولهم بالاتفاق وشروطه الجديدة ” القاسية” حسب وجهة نظر المسلحين.

سيناريو العودة إلى التصعيد:

سيناريو العودة للتصعيد وارد في أي لحظة، حتى الآن هناك مؤشرات محتملة للعودة للتصعيد، مع نفى المسلحون في مدينة درعا جنوبي سوريا موافقتهم على مصالحة مع الحكومة، حسبما أو ما ذكره، رئيس لجنة المصالحة المحلية حسين الرفاعي لوكالة “نوفوستي”. في 4 سبتمبر الجاري، حيث أشار الرفاعي إلى أن المسلحين طلبوا تقديم حافلات تمكنهم من مغادرة درعا البلد باتجاه الأردن وشمال سوريا. وتابع أن الحافلات المجهزة كانت موجودة قرب أحد الحواجز منذ صباح السبت لكن أحدا لم يأت ليركبها. وأوضح رئيس اللجنة أن المسلحين نفوا أن يكونوا قد طلبوا الحافلات وأصروا على رفضهم مغادرة المدينة إلى الأردن أو تركيا. وأضاف الرفاعي أن اجتماعا يجري بمشاركة عسكريين روس وممثلي قيادات المسلحين، إلا أن ممثلي الاستخبارات والقوات المسلحة السورية لا يحضرونه. فيما أفادت وكالة “سانا” السورية الرسمية بأن الجهات المختصة في درعا استكملت جميع التجهيزات لخروج دفعة من المسلحين الرافضين لاتفاق التسوية من أحياء درعا البلد باتجاه الشمال السوري. وذكرت الوكالة أنه تم تجهيز عدد من الحافلات الكبيرة وإزالة عدد من السواتر والحواجز الترابية والأسمنتية في منطقة الجمرك القديم لنقل مسلحين. وذكرت “سانا” أيضا أن المجموعات المسلحة قامت يوم الخميس (3 سبتمبر الجاري) بتعطيل اتفاق التسوية السلمية الذي طرحته الحكومة السورية في حي درعا البلد بعد تراجع هذه المجموعات عن تنفيذ شروط قبلت بها سابقاً وفي مقدمتها تسليم الأسلحة الخفيفة والمتوسطة للقوات الحكومية.

الدور الروسي وترجيح الخيارات:

عملت روسيا منذ تصعيد الأزمة في يوليو الماضي، على التوصل إلى اتفاق مُهد له بتسليم الأسرى من الجيش السوري برعاية روسية، وتم التفاوض بين روسيا واللجنة المركزية واللجنة السورية المُكلفة بالتفاوض لحلحلة الإشكالية وإعادة الأمن مرة أخرى. وعبر عدة جولات تفاوض وضح أنه كان من الصعب أن يتم التوصل لحل يرضي جميع الأطراف، إلا أنه عُقد اتفاق في البداية، نص على التهجير لعدد من المطلوبين أمنيًا إلى الشمال السوري يبلغ عددهم 130 مطلوبًا، إضافة لدخول قوات “فيلق الثامن” الموالية لروسيا إلى مواقع عسكرية في درعا وتسلمها لها، مع وضع آلية مشتركة بين القوات الروسية والسورية لتنفيذ الاتفاق، وبالرغم من هذه الاتفاقات التى جرت، إلا أن ذلك القصف استمر من جانب القوات السورية على مناطق عدة بدرعا، ونتج عن ذلك نزوح العديد من الأهالي إلى المناطق الأكثر أمنًا من هذا القصف العنيف. وتؤكد روسيا على سعيها إلى الحل بالتسوية السياسية لا العسكرية، حين قام مبعوث الرئيس الروسي إلى سوريا “ألكسندر زورين” في زيارته إلى درعا، بتوضيح ذلك والتأكيد على أن الطائرات الروسية لا تقوم بدعم القوات السورية في ذلك، وأن موسكو تدعم الحل السياسي السلمي ويجب العودة للتفاوض، وقد تضمنت هذه التسوية إبعاد مقاتلين ونشر حواجز أمنية وفتح طريق عمان– دمشق. ورغمًا عن الاتفاقات التي تم الإعلان عنها من جانب اللجنة المركزية لحوران برعاية روسية، ظل الموقف السوري متشددا، مع قصف متتالي ويومي على أحياء درعا

مخاوف أردنية:

تبقى الأردن هي الطرف الأكثر حذرًا من الأحداث في درعا، ومن حدوث حركة نزوح جماعى للسكان في اتجاه الحدود، بما يضاعف الأعباء التي ثقلت عليها منذ عام 2011، واستضافتها لأكثر من مليون لاجئ سوري على أراضيها. كما يزداد القلق الأردني أكثر بعد التقارير التي تشير إلى تواجد مكثف لقوات وميليشيات إيرانية بالقرب من الحدود، داخل مدينة درعا، ولطالما تحدثت بعض المصادر السورية قبل 2018 عن أن “درعا مشكلة أردنية” كلما اشتد الأمر مع عمان، بسبب مخاوفها الأمنية، وبناءًا على ذلك كانت الأردن تسعى للتوصل إلى هذا الاتفاق الذي يتم بموجبه نشر قوات من “اللواء الثامن” السوري المدعوم من روسيا في درعا؛ لإنهاء الوجود الإيراني في المنطقة، ولطالما حذر “الملك عبدالله الثاني” من ذلك، فدرعا في الأساس تشكل خاصرة رخوة بالنسبة للحدود الأردنية.

ختاماً، يبدو أن مستقبل الاستقرار في الجنوب السوري سيظل مرهوناً بمدى قدرة روسيا على ضبط إيقاع التوازنات المحلية والإقليمية في هذه المنطقة، حيث تواجه روسيا تقاطعات من كل الأطراف، بما فيها الحليف السوري نفسه، الذي بدأ خلال الفترة الأخيرة في إبداء قدراً نسبياً من الصلابة والاستقلالية في مواقفه التفاوضية بمعزل عن الموقف الروسي، حيث أدرك بشار الأسد أن روسيا وصلت لتفاهمات مع الولايات المتحدة، قد تؤسس لبقاء التوازنات الحالية للأطراف الدولية والإقليمية على الساحة السورية كما هي والاعتراف بها كمناطق نفوذ لها، وهو ما ترفضه سوريا بالقطع، وتعمل على تغييره انطلاقاً من الجنوب السوري، ولا شك أن إيران تشجع النظام السوري على هذا التوجه، لإدراكها أنها ستكون أول الضحايا من أي تفاهمات بين اللاعبين الكبار ومن خلفهم إسرائيل، لذلك تقدم إيران دعم غير مباشر للموقف السوري في درعا، بينما يقف خلف الحدود من الجهة الجنوبية كلاً من الأردن وإسرائيل يراقبون الموقف، ويعولون على أن تحفظ لهم روسيا مصالحهم وأن تكون قادرة على تقديم ضمانات بعدم السماح لإيران بالتمركز في الجنوب السوري . لذلك نقول أن هناك لعبة جديدة في درعا هدفها إعادة رسم توازنات القوة بين اللاعبين الدوليين على الساحة السورية، خاصة روسيا والولايات المتحدة، وكذلك على مستوى اللاعبين الإقليمين ( الأردن، إسرائيل، إيران).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى