ما هي محددات الموقف الإيراني من المشهد الأفغاني؟

سارعت الحكومة الإيرانية الجديدة بالاحتفاء بـ”الهزيمة الأمريكية” وانسحاب قوات واشنطن وحلفائها من أفغانستان، بما يوحي باستعداد طهران للتعامل مع أي بدائل لهذا الوجود تمكنها من لعب دور أكبر في المشهد السياسي وتتقاسم بموجبه العوائد الاقتصادية عبر المساهمة في جهود إعادة الإعمار، انتهاءا بتحييد المخاطر الأمنية الناجمة عن الإخفاق المحتمل في العملية الانتقالية أو القصور في أي من أبعادها.

وتأسيسا على ما سبق، يهدف هذا التحليل للوقوف على محددات الموقف الإيراني من التحولات الجارية في المشهد الأفغاني عقب صعود حركة طالبان بالنظر للأبعاد الأمنية والاقتصادية المصاحبة وآفاق الدور الإيراني في مستقبل أفغانستان.

أي بيئة أمنية تواجهها إيران في جوارها الشرقي؟:

شهدت العلاقة بين إيران وحركة طالبان تطورا لافتا خلال العامين الماضيين، إذ عقدت طهران لقائين مع وفد من حركة طالبان في نوفمبر 2019 وفبراير 2020، كما استضافت مباحثات بين الحركة وممثلين عن الحكومة الأفغانية في يوليو الماضي لدعم التوصل لاتفاق بين الطرفين قبيل الانسحاب الأمريكي، دون أن تسفر عن أي تقدم.

لم تكن العلاقة بين الجانبين جديدة أو غير مألوفة، فقد أظهرت فترة الوجود العسكري الأمريكي وجود درجة من التنسيق والتعاون بين الجانبين أبرزتها حوادث لجوء قادة طالبان إلى إيران واستهداف القوات الأمريكية لزعيم طالبان الملا اختر منصور في مايو 2016 متجها من الأراضي الإيرانية إلى باكستان، فضلا عن استضافة طهران لقادة تنظيم القاعدة الحليف للحركة.

وحرصت السلطات الإيرانية بتواصلها مع طالبان على معالجة مخاوفها الأمنية تحسبا لانهيار الحكومة الأفغانية وسيطرت الحركة على مقاليد السلطة دون اتفاق مع باقي القوى السياسية وما قد يخلفه الفراغ الأمني من تحديات على طول الحدود المشتركة مع أفغانستان مما استدعى استنفار قواتها على النقاط الحدودية. وتتخلص المخاوف الإيرانية في التالي:

(*) الصراع المسلح: ففي ظل الإعلان عن تشكيل جبهة المقاومة الوطنية في ولاية بنجشير والتي تحظى بدعم بعض الدول وعلى رأسها فرنسا وطاجيكستان، كما تمتلك اتصالات بغيرها من القوى مثل روسيا، تتصاعد المخاوف من دخول البلاد أجواء الحرب الأهلية في ضوء غياب أي معطيات واقعية لقياس موازين القوى بين الجبهة وحركة طالبان.

وتغلب الحركة مسار المفاوضات نظرا لطبيعة الأوضاع في البلاد وحاجتها لبسط سيطرتها التامة على أفغانستان وهو ما يمثل تحديا كبيرا في غياب قوة أمنية منظمة تعوض دور الجيش والشرطة الأفغانيين، وعدم تجاوز عناصر الحركة 70 ألف مقاتل منتشرين في مختلف الولايات بمهام أمنية وعسكرية.

وعلى الرغم من الاحتمالية الضئيلة لنشوب صراع واسع بين حركة طالبان من جهة وجبهة بنجشير من جهة أخرى إلا أن البعدين الإقليمي والدولي ومدى قبول المجتمع الدولي بسيطرة حركة طالبان على السلطة يعد محددا هاما في تحويل مسار الصراع إلى شراكة سياسية محتملة تتوافق مع نفوذ وسيطرة الحركة وقدرتها على محاصرة الجبهة ومنع تمددها، خاصة مع تمكنها من استعادة 3 مديريات في ولاية بغلان كانت قد سيطرت عليها الجبهة سابقا.

(*) الهجمات الإرهابية: ألقى الهجوم الانتحاري الأخير على مطار حامد كرزاي الدولي بالعاصمة كابل، الضوء على تصاعد خطر “تنظيم داعش” وفرعه “ولاية خرسان” على الأمن الإقليمي والدولي، انطلاقا من الحدود الأفغانية الباكستانية التي نجح من خلالها في استقطاب عناصر من حركة طالبان باكستان وعناصر أكثر تشددا في حركة طالبان الأفغانية.

وأشارت صحف إيرانية إلى وجود تنسيق مسبق بين المسئولين الأمنيين في طهران من جهة وحركة طالبان من جهة أخرى لمواجهة تمدد تنظيم داعش، وتعهد الحركة بعدم الانضمام إلى التنظيم، وذلك خلال الزيارة الأخيرة للملا أختر منصور عام 2016.

ويتركز وجود التنظيم شرقي البلاد بصورة كبيرة مما مكنه من شن هجماته الأخيرة في مطار العاصمة كابل، إلا أن الهجوم على العاصمة يحمل عدة رسائل سعى التنظيم للترويج لها بإمكانية تنفيذ عمليات انتحارية ضد مواقع حيوية تستنزف من خلالها قوات طالبان وتهدد المصالح الأجنبية مثل السفارات، أو عبر استهداف الأقليات العرقية والدينية في البلاد.

(*) موجات اللاجئين: يمثل الحفاظ على أمن الحدود مع أفغانستان والحد من تدفق اللاجئين إحدى أولويات طهران في المرحلة المقبلة، مع بلوغ عدد الأفغان على أراضيها نحو4 ملايين لاجئ حسب التقديرات الحكومية، وهو تحدٍ متنامٍ بالنظر للتداعيات الاقتصادية للأزمة على أفغانستان وإيران على السواء، إذ قدرت الأمم المتحدة أواخر يوليو الماضي حاجة 18 مليون أفغاني للمساعدة الإنسانية العاجلة للبقاء على قيد الحياة.

(*) المواقف الإقليمية: غلب الترقب الحذر على مواقف القوى الإقليمية من تطورات الوضع الأفغاني في الساعات الأولى، في ظل تخبط المواقف الغربية على وقع رغبة واشنطن المتعجلة في تنفيذ الانسحاب، وهو ما أظهر تدني مستوى التنسيق في المواقف بين دول التحالف.

بينما كانت طالبان تسعى لتطبيع علاقاتها مع القوى المؤثرة في المشهد الجديد بما يمكنها من فرض سيطرتها على أراضي أفغانستان دون اعتراضات تُذكر، حيث زار وفد الحركة بقيادة الملا عبدالغني برادر رئيس مكتبها السياسي، العاصمة الروسية موسكو في الثامن من يوليو الماضي والتقى مبعوث الرئيس الروسي زامير كابولوف للتأكيد على عدم رغبة الحركة في مهاجمة الحدود الطاجيكية أو استهداف أمن أي من الدول المجاورة.

كما التقى وفد الحركة بوزير خارجية الصين في أواخر يوليو الماضي لمعالجة مخاوف بكين عبر التأكيد على عدم السماح باستخدام أفغانستان منطلقا لشن هجمات عليها وعدم دعم الحركة لنشاط العناصر الانفصالية من أقلية الأويغور في إقليم شينجيانج.

وتتمتع الحركة بعلاقات قوية مع باكستان التي عارضت إزاحتها من المشهد السياسي الأفغاني ودعت الولايات المتحدة في 2001 لإعادة دمجها في النظام الجديد حينها. كما تبنت إسلام آباد موقفا مؤيدا للحركة في تحركاتها للاستيلاء على العاصمة، فضلا عن دعوة مستشار الأمن القومي الباكستاني، واشنطن، لدعم الحركة منعا لتكرار سيناريو 11 سبتمبر 2001 بتمدد تنظيم داعش.

آفاق الدور الإيراني في أفغانستان:

في ظل تنافس إقليمي محموم على النفوذ، وبوضع التحديات السابق ذكرها في الاعتبار، تتطلع طهران للعب دور في مستقبل أفغانستان بدوافع أمنية واقتصادية تحفزها للتعاطي مع حركة طالبان ترقبا لمسار بناء نظامها السياسي الجديد، ويمكن النظر لمستقبل الدور الإيراني في ضوء النقاط التالية:

(&) التنسيق المحدود: يظل التنسيق المشترك مع حركة طالبان هو الخيار الأبرز على المدى القريب لضمان أمن الحدود واستئناف  الحركة التجارية بين الجانبين للعودة إلى طبيعتها، والتي كانت تدر على إيران 5 ملايين دولار يوميا، وبما يخدم في تحقيق نوع من الاستقرار الأمني والاقتصادي، في ظل دعم روسيا للإفراج عن الاحتياطي النقدي لأفغانستان في المصارف الأمريكية.

ويدعم ذلك استئناف تصدير الوقود إلى أفغانستان بطلب من حركة طالبان في 23 أغسطس الجاري. وعدد من التصريحات الرسمية، من بينها تأكيد المتحدث باسم الخارجية في 28 يونيو الماضي على أن طالبان لا تمثل كل الأفغان وإنما تعد جزءا من الحل، وإعلان الرئيس الإيراني مؤخرا رفضه أي محاولة لفرض الوصاية الخارجية على أفغانستان ودعى لتشكيل حكومة شاملة لجميع العرقيات.

(&) الانخراط الحذر: ويتمثل في لعب دور في المشهد السياسي الأفغاني قيد التشكل عبر التواصل مع مختلف القوى السياسية والأقليات القومية لموازنة نفوذ طالبان وعرض تقديم المساعدة الأمنية واللوجستية، مع التواصل بشكل خاص مع قادة مجتمع الهزارة ودعمهم في مواجهة التهديدات المحتملة، مع تجنب فتح جبهة تصعيد مع الحركة التي بدأت في طمأنة المجتمع الدولي بضمان حقوق الأقليات، حيث سمحت مؤخرا بإقامة احتفالات عاشوراء وتعهدت بحماية الحسينيات الشيعية في أفغانستان.

(&) المساهمة في إعادة الإعمار: تعد المساهمة الفعالة في التعاون الاقتصادي الإقليمي أحد أبرز مساعي طهران على المدى البعيد على ضوء الإمكانات الكبيرة والموقع الاستراتيجي لأفغانستان على طريق الحرير من جهة ومحور شمال جنوب من جهة أخرى وما يستدعيه كلا المشروعين من بناء وتأهيل بنية تحتية متطورة تعزز من ربط أفغانستان بالاقتصاد العالمي.

 وربما تعرقل الشراكة المحتملة مع الصين والروابط القوية مع باكستان، تنفيذ محور شمال جنوب الرابط بين منتجات الهند وأسواق آسيا الوسطى عبر ميناء تشابهار الإيراني، إلا أن أي ترتيبات مستقبلية في أفغانستان ستتطلب دورا إيرانيا تضمن من خلاله الأخيرة تخفيف الضغوط الاقتصادية الداخلية ومنع المزيد من موجات اللجوء فضلا عن إعادة المتواجدين على أراضيها إلى بلادهم.

وإجمالا لما سبق، يمكن القول إن ضمان الاستقرار الداخلي في أفغانستان وتحييد الخطر الإرهابي يمثل القاسم المشترك بين مختلف اللاعبين الإقليميين والدوليين ونقطة التقاطع مع مصالح إيران وغيرها من دول الجوار، وهو ما ينعكس بدوره على التعاطي بحذر مع حركة طالبان للتأكد من التزامها بتعهداتها أمام المجتمع الدولي منعا لتفاقم الأوضاع الأمنية والاقتصادية المتردية بالأساس.

ضياء نوح

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي ، حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية ، وباحث ماجستير في ذات التخصص ، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية ، متخصص في شئون الخليج وإيران .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى