أين يتموقع الاستثمار الأجنبي في مصر؟

يعتبر الاستثمار الأجنبي المباشر عنصراً مهماً بالنسبة لاقتصادات الدول المضيفة باعتباره عامل مهم من عوامل تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية. فضلاً عن كونه مؤثر بشكل كبير فى جلب التقنيات التكنولوجية الحديثة مما يؤدي إلى رفع مستوى وجودة الإنتاج ، كذلك رفع معدلات التشغيل وتنمية مهارات القوى العاملة. ومن هذا المنطلق ، استعرضت الدكتورة هالة السعيد وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية، وثيقة خطة العام الرابع والأخير (21/2022) من الخطة متوسطة المدى للتنمية المستدامة (18/2019 – 21/2022)، والمستهدفات الرئيسة للخطة في مجال التنمية الاقتصادية.وأكدت من خلالها أن خطة التنمية تتسم بالطموح باستهدافها معدل نمو اقتصادي 5,4% بنهاية العام الجارى 2021. كما تضمنت زيادة معدل الاستثمار إلى 17.6٪ في عام الخطة مقابل 13% في عام 20/2021.كما تستهدف زيادة صافي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 7 مليارات دولار في عام الخطة مقارنة باستثمارات متوقعة في حدود 5,4 مليار دولار عام 2020-2021. ومن هنا نستعرض أهم ملامح الاستثمار الأجنبي المباشر فى مصر، وطبيعة الجهود التى بذلت في هذا الإطار كما يلي:

ملامح الاستثمار الأجنبي المباشر فى مصر:

حصدت مصر نحو 14.5% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إلى الدول العربية في عام2020، لتحتل المركز الثاني كأكثر الدول العربية المستقبلة للاستثمار بعد دولة الإمارات العربية المتحدة ، وذلك بحسب تقرير للمؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات . كما نجحت مصر بمفردها في الاستحواذ على 15% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة للقارة الأفريقية في عام 2020 بقيمة تراكمية تصل إلى 38.9 مليار دولار، وفق تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) عن الاستثمار العالمي لعام2021.كما جاءت مصر في المرتبة الأولى على مستوى شمال إفريقيا في جذب تدفقات الاستثمار الأجنبي في العام قبل الماضي 2019 بواقع 9 مليارات دولار، وفقاً لتقرير الاستثمار العالمي الصادر عن مؤتمر الأمم الـمُتحدة للتجارة والتنمية في عام 2020.

 وقد بلغ مجموع الاستثمارات الأجنبية التي جذبتها مصر خلال عام 2020 حوالى 5.9 مليار دولار، ويعد هذا تراجعًا بنسبة 35.1% مقارنة بعام 2019 الذى بلغ فيه 9 مليار دولار، متأثرة بذلك بتداعيات انتشار فيروس كورونا والإجراءات المصاحبة له، والتى أثرت سلباً علي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر فى العالم كله والتى تراجعت بنحو 50% خلال النصف الأول من عام 2020. ولكن استطاعت مصر أن تحافظ على مركزها كأول دولة متلقية للاستثمار الأجنبي المباشر في القارة السمراء رغم انخفاض الاستثمار الوافد إليها.

 ويتراوح نصيب مصر من إجمالي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة عالميا ما بين 4.0 و 6.0 % خلال الفترة ما ين (2010-2019)، وتعتبر نسبة الـ 6.0% المحققة عام 2019 من أعلى النسب التى وصلت إليها مصر في تاريخها، كما هو موضح فى الشكل رقم (3).

 وبالنسبة إلى التوزيع القطاعي والجغرافي للاستثمارات الأجنبية المتدفقة إلى مصر، فلا يزال الاستثمار الأجنبي المباشر يتركز بشكل أساسي في قطاع البترول بنسب تصل إلى 62%، سواء كان ذلك يشمل أعمال التطوير في حقل ظهر للغاز الطبيعي العملاق أو مشروعات نفط وغاز أخرى، يليه القطاع الخدمي والزراعي والصناعي. أما التوزيع الجغرافي لتلك الاستثمارات، فيأتي الاتحاد الأوروبي فى المرتبة الأولى، تليها الدول العربية، والولايات المتحدة الأمريكية كما هو موضح فى الجدول رقم (1) .

 وفى الإطار ذاته، توقع صندوق النقد الدولى أن تسجل الاستثمارات الأجنبية المباشرة فى مصر نموًا سنويًا متواصلًا خلال الأعوام الأربعة المقبلة، إذ قد يسجل نمو الاستثمارات الأجنبية المباشرة نسبة 60% خلال العام المالى المقبل 2022، مقارنة بالعام 2020، وفق ما ذكره تقرير حديث للصندوق بعد إتمام المراجعة الثانية لبرنامج ترتيب الاستعداد الائتماني الموقع مع مصر. وحسب التقرير، من المتوقع أن تصل الاستثمارات الأجنبية المباشرة فى مصر إلى 8.6 مليارات دولار خلال العام المالى الجارى 2022-2021 مقابل 5.4 مليار دولار العام المالى السابق 2020\2021، قبل أن ترتفع إلى 11.7 مليار دولار فى العام المالى 2023-2022، ثم إلى 16.5 مليار دولار فى العام المالى 2025 – 2024.

أسباب تزايد حجم الاستثمارات الأجنبية فى مصر:

تعددت الأسباب التى جعلت من مصر وجهة استثمارية كبرى، حيث ساهمت الحكومة المصرية فى رسم خارطة جاذبة طريق لجميع المستثمرين الأجانب، تتمثل فيما يلى:

(*) وجود سوق استهلاكية كبيرة تضم أكثر من 100 مليون نسمة ، مما يشكل وجود طلب اقتصادي يدفع نحو مزيد من الاستثمارات ، فضلاً عن وفرة الموارد الطبيعية فى مصروا لاستقرار الأمني والسياسي.

(*) الأثر الواضح لمساهمة الإصلاحات الاقتصادية التى طبقت فى إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي في استقرار الاقتصاد الكلي وتعزيز ثقة المستثمرين في البلاد.كذلك شهادات الثقة التى نالها الأداء الاقتصادي المصرى مؤخراً من المؤسسات الدولية، ومنها الأمم المتحدة والبنك الدولى والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، التى أشادت ببرنامج الإصلاح الاقتصادى ومعدل زيادة الاستثمار الأجنبى.

(*) الإصلاحات التشريعية والمؤسسية واستقرار سوق الصرف لعبت دورا هاما فى تزايد وتيرة تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة حيث تم تنفيذ تعديلات على قانون الاستثمار، وتسهيل تأسيس الشركات ، وكذلك إطلاق بنك الأراضي لتوفير أرض للمستثمرين، وقانون للإفلاس، وقانون للتراخيص الصناعية وميكنة خدمات هيئة الاستثمار وهيئة التنمية الصناعية.

(*) إطلاق خريطة الاستثمار والتوسع فى إنشاء الخرائط الصناعية، وكذلك التوسع فى إقامة المناطق الصناعية المرفقة ،علاوة علي تأسيس العديد من المناطق الحرة العامة والخاصة.وتحفيز الاستثمار الصناعي من خلال طرح 14.757 مليون متر أراضي صناعية في عام  2020 عبر خريطة الاستثمار الصناعي بـ 13منطقة صناعية ( مدن العاشر من رمضان والسادات وبرج العرب – القطامية – بورسعيد – الإسماعيلية – قنا – المنيا – أسيوط – الوادى الجديد – طيبة بالأقصر والمحلة بالإضافة إلى بني سويف).

(*) ما قامت به مصر أيضًا بعرض أكبر أجندة عالمية في مجال الاستثمار المباشر بمختلف القطاعات الاستثمارية التي عززت ثقة جميع المؤسسات الدولية وكبرى الشركات العالمية فى الاقتصاد الواعد، كما نفذت الحكومة مشروعات بنحو 1.5 تريليون جنيه تقريبًا خلال 4 سنوات، نفذت من خلالها مشروعات عدة تهدف في المقام الأول لتهيئة البيئة الاستثمارية.

(*) التسهيلات التي تقدمها الحكومة للمستثمر الأجنبي وهو دخول الحكومة طرف معه في المشروعات الكبرى سواء بالأرض أو الدعم اللوجستي، خاصة أن تكلفة الأرض كانت تقف عائقًا أمام مشروعات عديدة.
(*) توفير البنية التحتية في مصر، حيث حققت البلاد نهضة كبيرة بمجال الطرق البحرى والبرى والجوى ، مع تعدد مشروعات البنية التحتية التى ساهم فيها مستثمرون أجانب. كذلك الاستمرار فى تطوير آليات الترويج للفرص المتاحة للاستثمار فى السوق المصرية، خاصة فى إطار المشروعات القومية الكبرى الجارى تنفيذها فى مختلف أنحاء الجمهورية. والتى تخلق فرصاً تنموية واعدة للاستثمار المحلي والأجنبي، على نحو يسهم في توفير المزيد من فرص العمل والنمو.

(*) العمل على تطوير وتحديث الأنظمة الضريبية والجمركية لتتواكب مع المعايير العالمية  بما يساعد على جذب وتشجيع الاستثمارات. فضلا عن حرص  مصر على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة فى قطاعات جديدة مثل مجال توليد الطاقة المتجددة والصناعة المالية والمصرفية والتكنولوجية، ومشروعات الاقتصاد الأخضر، وذلك في إطار الالتزام بالأهداف العالمية لحماية البيئة ومكافحة الاحتباس الحراري، وكذلك في الصناعات الثقيلة.

وتأسيساً على ما سبق، تعتبر مصر أحد أهم الوجهات الاستثمارية الهامة على مستوى القارة الأفريقية والدول العربية، حيث اتبعت مختلف السبل التى من شأنها جذب الاستثمار الأجنبى وتوظيفه فى قطاعات حيوية تصب فى صالح النمو الاقتصادى. ومازالت مصر تواصل جهودها لضمان تدفق المزيد من الاستثمارات الأجنبية فى مختلف قطاعات البنية الأساسية فى ضوء ما تسهم به فى تعزيز قدرة الاقتصاد الوطنى على تحقيق التنمية المستدامة وتوفير فرص العمل، وذلك من خلال الاستمرار فى تحسين مناخ الأعمال فى مصر وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين وإزالة أية معوقات قد تواجههم ،حتى تستطيع تحقيق معدل النمو الاقتصادى المستهدف بحلول 2022 وهو 6%، وذلك في إطار خطة محكمة تستهدف الوصول لمعدل نمو غير مسبوق في تاريخ مصر. هذا فى ظل استمرار خطة الترويج لصورة مصر وتشريعاتها وسياساتها وفرص الاستثمار الواعدة فيها أمام سوق الاستثمار العالمي، واستهداف المستثمرين في الصناعات عالية القيمة المضافة،ووضع حزم تحفيز خاصة لهم لجذبهم وتوطينهم في مناطق صناعية متخصصة في مصر، ووضع برنامج لخفض تكاليف الاستثمار والإنتاج، ونشر فكر المناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة، والتوسع في برامج المشاركة بين القطاع العام والقطاع الخاص في تنفيذ مشروعات هامة فى مجال البنية الأساسية، والأدوية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

د.جيهان عبد السلام

رئيس وحدة دراسات مصر -أستاذ مساعد الاقتصاد بجامعة القاهرة. -حاصلة على دكتوراه الاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا. -عضو هيئة تحكيم البحوث الاقتصادية لدى المركز الجامعي لترامنست. -عضو هيئة تحكيم لدى كلية الاقتصاد والإدارة وعلوم التيسير. -عضو هيئة تحكيم لدى جامعة الشهيد لخضر. -خبير اقتصادي وكاتبة في العديد من المجلات العلمية ومراكز الدراسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى