البيئة والهواء..تأثيرات متبادلة

د. محمد يونس: عميد كلية التجارة بنين- جامعة الأزهر.

غالباً ما يحدث تلوث الهواء بسبب الغازات الناتجة من الصناعات مثل صناعة الاسمنت والاسبست والبتروكيماوية وغيرها، ويمكن تصنيف أهم الآثار الناجمة عن هذا التلوث إلى:

1 –   التأثير على الإنسان: أثبتت التجارب والدراسات في بداية القرن الحالى أن هناك مواد سامة وفعالة ومسببة للسرطان في مختلف مواد الهيدروكربونات حيث تؤدى إلى الإصابة بأمراض السرطان مثل سرطان الرئة(1)، وهناك عناصر أخرى ذات خصائص سرطانية مثل مسحوق الفحم الذى يستعمل في صناعة إطارات السيارات. وكذلك الإمينات المستعملة في صنع تيل فرامل السيارات والذى تسبب في عدد كبير من الأورام الخبيثة، والجدول رقم (1) يوضح أهم الغازات أو الملوثات والمخاطر الصحية الناجمة عنها. وهناك ظاهرة الانقلاب الحرارى(*) التي تحدث في المناطق الصناعية التي يكثر فيها الدخان.

2 –   التأثير على النباتات: ملوثات الهواء الرئيسية تضر بالبناتات ضرراً شديداً وتشد إليها اهتمام المزارعين حيث تسبب التأكل، النخر، التشويهات، التلف للكثير من المحاصيل. والجدير بالذكر أن حساسية النبات للملوثات الهوائية أكثر من تلك الموجودة عند الحيوان، مما يجعلها معياراً للتكهن ومعرفة مدى التلوث وشدته، وتتفاوت حساسية النبات للتلوث طبقاً لنوع النبات.

3 –  التأثير على الحيوانات: الحيوانات تصاب بالتلوث عقب أكلها لنباتات تحتوى على منتجات ملوثة، والكثير من الأمراض التي تصاب بها الحيوانات سببها هو التلوث الصناعي للبيئة.

4 – تأثيرات أخرى: تتفاعل الملوثات مع الكثير من المواد فتعمل على تأكلها وتلفها، وأخطر أنواع هذه الملوثات هي الأدخنة والأتربة والغازات الحمضية والقلوية وتزداد آثارها بزيادة نسبة الرطوبة في الهواء، حيث تسبب بعض الغازات بتفاعلها مع الماء حوامض تسبب التآكل للكثير من المعادن الموجودة في المدينة(1). إضافة إلى المضايقات والمشاكل الفردية الناجمة، مثلاً عن عدم وضوح الرؤيا والروائح الكريهة.

4 –  التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية لتلوث الهواء: هنالك خسارة اقتصادية فادحة تتحملها الدول والمجتمعات، وخاصة الدول النامية، ذات الموارد الاقتصادية المحدودة نتيجة لمشاكل التلوث والتي تمثل عبئاً ثقيلاً على اقتصاديات الدول وعلى الأفراد وعائقاً لبرامج التنمية.

5 – طرق السيطرة على ملوثات الهواء:

        يمكن السيطرة على ملوثات الهواء من خلال ثلاث مراحل:

        المرحلة الأولى: تحديد المحددات النوعية للهواء، أي تحديد درجة نقاوة الهواء وتثبيت التراكيز الأمنية للشوائب المختلفة وبالأخص الجسيمات وأكاسيد النتروجين والكبريت وأول أوكسيد الكربون والهيدروكربونات… الخ. هذه التحديدات التي تعطى تراكيز الشوائب في الهواء دون الأضرار عند استخدامه، وأن وضع مثل هذه التحديدات يأتى بعد معرفة علمية بخصائص الشوائب وخصائص الإنسان والحيوان والنبات ومدى تأثرها بهذه الشوائب. وتتغير هذه التحديدات بازدياد المعرفة العلمية عن الشوائب وعن تأثيراتها البيولوجية والفيزيائية والكيمياوية.

جدول رقم (1)

الآثار الصحية لبعض الملوثات والغازات

الغاز أو الملوث المخاطر الصحية
ثانى أوكسيد الكبريت دار الربو والنزلات الشعبية، التهابات الرئة، تهيج الجهاز التنفسى، يولد الأمراض.
أكاسيد الهيدروجين قاتل عند التعرض لدرجات تركيز عالية، مهيج حساس، سام جداً.
الأتربة والحبيبات الصغيرة الحجم داء الربو والنزلات الشعبية، يزيد من مخاطر التهابات الرئة، مهيج للعيون وللجهاز التنفسى، يحد من الرؤية في درجات تركيز (50ر2) ملجم/ لتر، وتؤثر درجات تركيز 200 ملجم/ لتر على صحة الإنسان.
الأوزون يسبب تلف الرئة عند مرضى الرئة، ويتلف النباتات.
أول أكسيد الكاربون سام، يأتى بمخاطره لمرضى القلب عند درجات تركيز 30 ملجم/ لتر، ربما أتلف الجهاز العصبى الحسى، قلل من مقدرة الدم لحمل الأوكسجين.
ثنانى أكسيد النتروجين ربما أتلف الرئة، سام وتعادل سميته، أربعة أضعاف سمية حامض النتريك، وتبدأ السمية على درجة تركيز 05ر0 ملجم/ لتر. ويمكن أيضا أن يكون سام للأعصاب مع اضطرابات نفسية وفقدان للوعى.
الرصاص يتراكم في الجسم، ربما أتلف مهمة هيموغلوبين الدم.

 

الهيدروكربونات تولد الضباب الدخانى وتؤثر على الرؤية عند درجات تركيز 15ر0 إلى 25ر0 ملجم/لتر.
الاسبتس يسبب مرض الاسبتس، وربما أتى ببعض الأمراض السرطانية.
البيرباتيوم يتلف الرئة، يسبب مرض البرليوسس عند درجات تركيز تربو على 01ر0 ملجم/لتر.
الايثير مخدر سام، ربما أتى ببعض الأمراض السرطانية.
الفلور ينزع تكلس العظام، مهيج للجزء العلوى من الجهاز التنفسى، مهيج لقرنية العين، صداع.
فلوريد الهدروجين تسمم لماشية بالفلور ومركباته، مهيج قوى، مضر لكل خلايا الجسم، يضر الحمضيات والنباتات، يؤثر على عظام الحيوانات
الكلور مهيج للعيون والجهاز التنفسى.
سيانيد الهيدروجين يؤثر على الخلايا العصبية.

المصدر: مجلة الريم، ع5، حزيران 1994، الشبكة الدولية للمعلومات.

        المرحلة الثانية: ترجمة محددات الهواء إلى معايير لنوعية الهواء، تصف أو تعرف الحدود المسموح بها لهذه الشوائب في الهواء المتاخم. ولغرض تحقيق هذه الحدود المرغوبة أو المعايير النوعية للهواء، يجب تحديد الملوثات من مصادر انبعاثها أي يجب وضع معاير للشوائب عند مناطق انبعاث الملوثات (سواء كانت مدخنة مصنع أم كاتم سيارة أو غير ذلك)* وتعرف هذه المعايير بمعايير الانبعاث. وتبدو معايير الانبعاث وكأنها التحديدات التي تفرضها سلامة الهواء على كافة مستخدميه.

        المرحلة الثالثة: تطبيق وسائل السيطرة لتحقيق الانبعاث المختلفة، وهذه هي المستويات التي بها يتم التصدى لمشكلة التلوث الهوائى في أي منطقة. وهذه المستويات أو المراحل لا يتسنى البدء بها ما لم بسبق ذلك مرحلة جمع وتحليل المعلومات اللازمة لتحقيق تلك المراحل. وهنا يأتى دور مسح ومراقبة الملوثات الهوائية سواء كان ذلك على مستوى موقع صناعة أو مستوى مدينة أو دولة، وذلك لتعريف حالة التلوث الراهنة التي تعد نقطة البداية لإجراءات الحد من المشكلة.

3-1-2 التلوث الصناعي للمياه: المخلفات السائلة:

        يعتبر الماء أهم الموارد الطبيعية على الإطلاق، فهو سر وديمومة الحياة للإنسان والكائنات الحية الأخرى، وجعلنا من الماء كل شيء حى. إذ ترتكز عليه حياة الإنسان وكافة أنشطته الاجتماعية والاقتصادية. ويتميز الماء عن غيره من الموارد الطبيعية بثبات كميته في الكرة الأرضية وتجدد خواصه باستمرار خلال فترة محددة من الزمن بفضل الدورة المائية. ويعد النشاط الصناعي من المصادر الأساسية في تكوين هذه الملوثات نظراً لدخوله في صناعات مختلفة بشكل مباشر أو غير مباشر، إذ تستعمل المياه في الصناعة كمادة خادم أو مادة مساعدة في الإنتاج أو لأغراض التبريد(1). وتتجهز المصانع بالمياه أما من شبكة المياه العامة أو من المياه الجوفية أو السطحية وينجم عن هذا الاستعمال مياه عادمة بما يعرف بالنفايات أو المخلفات السائلة، وهى متفاوتة في حجمها ونوعيتها من صناعة إلى أخرى اعتماداً على كمية المياه المستخدمة وتدويرها في هذه الصناعة أو تلك.

        ومع تزايد النمو السكانى وتطور استهلاك المياه بدأت تظهر أزمات مائية في مناطق متعددة من العالم، وخاصة بدءاً من النصف الثاني للقرن العشرين. وقد ترافق ذلك مع بروز ظاهرة التلوث في الكثير من المصادر المائية بفعل تعدد وتنوع الفعاليات البشرية وخاصة في المناطق الصناعية كثيفة السكان عن طريق الملوثات أو المخلفات الصناعية التي تربط مباشرة بالنهر دون إجراء أي عمليات تنقية، فضلا عن صرف مخلفات المصانع السائلة بما فيها التلوث الحرارى والفضلات الإشعاعية وصرف مياه الأرض الزراعية بما فيها الأسمدة الكيماوية والمبيدات وكذلك جرف مخلفات المدن التي تشمل مجارى المنازل والمبانى العامة والمستشفيات وغيرها.

        هذه المياه العادمة تكون أما ملوثة بمواد غير عضوية أو مواد عضوية أو ملوثة حرارياً أي ذات درجة حرارة عالية وذلك حسب نوع الصناعة. وتختلف نوعية وحدة هذا التلوث طبقاً للتركيب الكيميائى والبيولوجى للمخلفات وكذلك للمساحة ونوعية المسطح المائى الذى تصرف فيه(1)، وتحتوى المخلفات في معظمها على المواد الآتية:

1 –  مواد طافية (كالزيوت والدهون والرغوة) وهذه المواد تشوه منظر المياه وتتلف المزروعات وتسمم الحيوانات المائية وتمنع تهوية الهواء وقد تسبب الحريق.

2 –  مواد معلقة حيث تعلق بالمياه ولا تترسب إلا ببطء بعد تشويه النهر وقتل الكائنات الدقيقة المؤثرة في تنقية مياه النهر.

3 –  مواد مذابة كالأحماض والقلويات والمعادن والمبيدات الشحرية والسينيد والفينول وغيرها من المواد التي تشل الحياة المائية وتغير الطعم والرائحة وتستهلك الأوكسجين وتساعد على نمو الطحالب.

1 – معالجة المياه العادمة:

        أن طرح المياه العادمة إلى مجارى الأنهار مباشرة ودون معالجة سيترتب عليه وبالتأكيد درجة من التلوث. ولقد كانت المسطحات المائية قادرة على التعامل مع هذه الملوثات، بفعل ظاهرة التنقية الذاتية، لقلة المخلفات المطروحة فيها، في التخلص من المواد الضارة والسامة وبالتالي المحافظة على توازنها البيئى. إلا أنها أصبحت مع مرور الزمن، ومع تزايد استهلاك المياه، غير قادرة على استيعاب الكمية الهائلة من المخلفات التي تطرح فيها باستمرار والتي تتضمن المخلفات الصناعية ومياه الصرف التي تصب مباشرة في الأنهار أو من خلال قنوات الرى الزراعي حيث تحمل المبيدات الحشرية من الأراضي الزراعية، مهددة بذلك الحياة المائية والصحة العامة. وتزداد حدة التلوث أيضاً باستخدام تقنيات غير نظيفة مع قدم الوحدات الصناعية في زيادة نسبة التسرب والفاقد وتداخل الوحدات الصناعية مع المناطق السكنية. ويقصد بمعالجة المياه العادمة جميع العمليات التي تهدف إلى التخلص من الملوثات المائية والحصول على مياه جديدة.

        وتوجد عدة طرق لمعالجة المياه العادمة ويتطلب اختيار الطريقة المناسبة لمشكلة معينة تقييماً جيداً للجوانب البيئية والاقتصادية للمشكلة. وتمر عملية معالجة المياه العادمة بمرحلتين: المرحلة الأولى والميكانيكية والمرحلة الثانية الحيوية (البايولوجية)، وفى حالات خاصة تستعمل المرحلة الثالثة لإزالة بعض الملوثات مثل الفوسفات والنترات وغيرها، كما تستعمل أحياناً بعض المواد الكيماوية قبل البدء في المعالجة وذلك لرفع كفاءة هذه العملية(1).

ب – تأثير تلوث المياه:

        أن تلوث المياه يؤدى إلى تغيير تركيب مواصفاته بشكل مباشر أو غير مباشر وبالتالي تقليل صلاحيته للاستعمالات المختلفة. أن وجود أو ارتفاع المواد السامة بالنهر تؤثر على نوعية مياه الشرب ومن ثم  إلى أضرار صحية مباشرة أو غير مباشرة وتفشى الأمراض والأوبئة.

        أما من الناحية الزراعية فإن المياه الملوثة تؤدى على زيادة ملوحة التربة وبالتالي تؤثر على الإنتاج الزراعي، وكذلك في نقل الأمراض والأوبئة في الوسط الريفى. كما أن وجود هذه الملوثات وخصوصاً العضوية منها تؤدى إلى انخفاض نسبة الأوكسجين في المسطحات المائية وما يترتب على ذلك من آثار خطيرة على الثروة السمكية وعلى تلوث الأنهار، مما يجعل مياهها غير صالحة حتى للزراعة، ومن الناحية الاقتصادية فأن تلوث المياه يؤدى على زيادة تكاليف تصفية المياه ذاتها.

        أصبح تلوث المياه في العالم مشكلة خطيرة وكبيرة في آن واحد، لما يسببه من أضرار بالغة على الإنسان والحيوان والنبات، وقد تفاقمت هذه المشكلة بعد اتساع النشاط الصناعي واعتماده الكبير على المياه في عملياته المختلفة دون أن يرافق ذلك معالجات جدية للمخلفات السائلة تتناسب والكميات المستهلكة من الصناعة للمياه. مما يثير مشكلة خطيرة في ضرورة التعامل العقلانى مع المتوفر من المياه من جهة واتخاذ الإجراءات الحدية والصارمة في كيفية التعامل مع المياه العادمة من جهة أخرى. ويمكن تصور حدة هذه المشكلة في الدول التي تقع في المناطق الجافة أو شبه الجافة من العالم، وهى في معظمها من الدول النامية، التي تعانى أساساً من ندرة في وفرة المياه لكونها تفتقر إلى شبكات رى مائية كبيرة أو مستديمة الجريان باستثناء نهرب النيل ونهرى دجلة والفرات، إضافة إلى قلة مياه الأمطار وصعوبة الحصول على المياه الجوفية.

3-1-3 التلوث الصناعي للتربة: المخلفات الصلبة

        تعد التربة من عناصر البيئة الطبيعية التي يعيش الإنسان على سطحها ويستخدمها في الزراعة، وتوجد بين طبقاتها المواد الخام والمعادن المختلفة. لذلك تعتبر التربة المصدر الرئيسي للمواد الأولية في الصناعات المختلفة من جهة، في حين أنها من جهة أخرى تعان من مخلفات هذه الصناعات وما تسببه من تلوث عن طريق المخلفات التي تطرح إلى سطح التربة ويتم دفنها في باطن التربة وهى مركبات كيمياوية تسبب إتلاف للتربة.

        أن المخلفات الصناعية تؤدى إلى حدوث تغير في التركيب الطبيعي للتربة بسبب تأثير واحد أو أكثر من العومل الفيزيائية أو الكيماوية أو البايولوجية. إذ ينتج عن الصناعة مخلفات صلبة متنوعة تختلف في كمياتها وتركيبها طبقا لنوع الصناعة وحجمها. وتتميز الصناعات الاستخراجية (خاصة الصناعات التعدينية) بضخامة كميات مخلفاتها الصلبة بالمقارنة مع الصناعات التحويلية، إذ يعد التعدين من النشاطات التي تسبب تدهور التربة والغطاء النباتى والحيوانات البرية في منطقة التعدين. لذا تطالب العديد من الدول شركات التعدين أن تعيد إلى منطقة التعدين بعد انتهاء عمليات التعدين الكائنات الحية النباتية والحيوانية قدر الإمكان وعدم ترك المنطقة في حالة سيئة كما هو الحال مع كثير من دول العالم النامى. كما أن صناعة الطوب تساهم هي الأخرى في تدهور التربة بسبب تجريف مساحات واسعة من الأراضي نتيجة استخدام تربتها في صناعة الطوب. وأن أغلب الملوثات التي تؤثر على التربة هو في تسرب الإشعاعات النووية التي تؤثر على النباتات والمحاصيل المنتجة وبالتالي تؤثر على صحة الإنسان.

        وتلجأ معظم الصناعات إلى دفن أو حرق المخلفات الصلبة، ولكن غالباً ما تنتج الآثار السلبية للمخلفات الصلبة من سوء إدارتها (تخزينها أو دفنها أو حرقها في أماكن مفتوحة) وذوبان بعض مكوناتها أو تفتتها بفعل الأمطار وعوامل التعرية ووصولها إلى مصادر المياه السطحية أو الجوفية.

        ومن المعروف أن هناك عشرات الآلاف من مدافن النفايات الصلبة التي ثبت عدم صلاحيتها وخطورتها على البيئة بعد أن تركت أعواماً طويلة دون مراقبة ومعالجة. وفى معظم الحالات هناك صعوبة في تقدير حجم النفايات الخطرة الناجمة عن الصناعات في كثير من الدول، لعدم توافر البيانات الكافية عنها، إلا أنه على المستوى العالمي يقدر حجم النفايات الخطرة بنحو 10% تقريباً من الحجم الكلى من النفايات الصلبة الصناعية(1). وأعطت الكثير من الدول أهمية كبيرة لهذه المشكلة في السنوات الأخيرة، في تدوير بعض هذه النفايات أو استخدامها في أغراض أخرى. ففي إيطاليا مثلاً يتم تدوير 40% من النفايات الصناعية الصلبة، وفى بعض بلدان أوروبا الشرقية يستخدم رماد الفحم من محطات القوى الكهربائية في عمل الطوب وأعمال التشييد(2).

أ – تلوث التربة: تأثير متبادل لتلوث الهواء والماء:

        أن تفاقم مشكلة تلوث التربة إنما ينتج من تأثير تلوث الماء والهواء، إذ يشترك عنصر أو عنصرين في تلويث العنصر الثالث وذلك من خلال وجود الغازات والتي تنتشر قسم منها على مساحات كبيرة من التربة والمياه وبما يسبب تلوثها، ويمكن توضيح هذه العلاقة من خلال:

1 – الصناعات التي تنفث غازات وأبخرة وعوالق.

2 –  المياه الملوثة قد تتسبب في تلوث التربة نتيجة السقى للمزروعات بما تحويه من مواد ذائبة تتركز في التربة.

3 –  تلوث التربة نتيجة العمليات الصناعية ورمى الأنقاض قد يتسبب في تلوث الهواء والمياه أيضاً. لأن مجرد تآكل التربة نتيجة الملوحة أو التعرية الهوائية يعنى تلوث الهواء بهذا الغبار الملوث، أو نتيجة عوامل التعرية المائية بسبب الأمطار، فقد يتلوث الماء الساقط على التربة، وربما يؤدى إلى تلوث المياه الجوفية أيضاً، كذلك فإن دفن النفايات في بعض المواقع قد تكمن خطورتها عند إخراج النفايات من الأرض من الأرض بفعل عوامل الطبيعة وخاصة المواد الكيماوية والإشعاعية الخطرة على الحياة. كما أن تلوث التربة قد يكون أيضاً نتيجة هدم وترك البنايات والمعدات الموجودة عليها أو أنها استعملت مرة واحدة لأغراض التعدين أو كمقالع مثلاً، وتركت لانتهاء الأعمال فيها، أو في حرق النفايات وتركها بعد الحرق.

ب – تأثير تلوث التربة:

        يؤدى تلوث التربة إلى تقليل إنتاجية التربة نتيجة عدم ملاءمتها لنمو النباتات، وإلحاق الضرر بصحة الإنسان والحيوان والنبات بالإضافة إلى الأضرار الاقتصادية بفعل زيادة التكاليف وتلوث المياه الجوفية والسطحية. وإجمالاً يمكن القول أن تلوث التربة ينتج عنه:

1 –  ضعف إنتاجية التربة ورداءة ناتجها المتمثل بالنمو النباتى.

2 –  تلويث المياه السطحية والجوفية.

3 –  الأضرار بصحة الإنسان والحيوان والنبات والكائنات الحية الدقيقة التي تعيش في التربة.

4 –  الأضرار الاقتصادية المتمثلة بتكاليف الاستصلاح وإعادة تأهيل التربة التي تستخدم لدفن نفايات الصناعات وتخزين مواد السكراب والمطاط والفلزات الأولية غير المرغوب فيها والصفائح والرماد الناتج عن حرق الفضلات الصناعية.

        أن استغلال النفايات الصلبة بمختلف أنواعها الخطرة وغير الخطرة يعتبر الأسلوب الأفضل لمعالجة هذه المشاكل وكذلك استخلاص المواد الخام المستوردة بالإضافة إلى حماية البيئة، إلا أن العديد من الدول لا يزال العديد من الدول تعانى من مشاكل النفايات والتحكم في إنتاجها والتخلص منها.

3-2 تأثير الصناعة على البيئة الاجتماعية:

        لا تقتصر الآثار السلبية للصناعة على تلوث الماء والهواء والتربة ضمن النظام الطبيعي للكون، وإنما تتعدى ذلك في التأثير على الإنسان سواء فيما يتعلق بتأثيرها على نفسية الإنسان وبالتالي سلوكه الاجتماعي أو ما يتعلق بالنظام الاجتماعي ذاته.

3-2-1 التأثيرات البيئية للصناعة على فسيولوجية الإنسان ونفسيته:

أ – التلوث الضجيجى: Noise pollution

        يعتبر الضجيج أو الضوضاء نوع من أنواع التلوث البيئى لما له من مضار على فسيولوجية وصحة الإنسان النفسية، في توليده لأمراض تتعلق بالجهاز العصبى والقلب والشرايين، ومنها أيضاً الإرهاق السمعى وكذلك الصم المرضى.

        ويقاس الضجيج أو الضوضاء بشدة الصوت عن طريق أجهزة خاصة، ووحدة القياس هي “الديسيبل” وتعتبر درجات الصوت من (100) إلى 0140) ديسيبل منطقة تلوث صوتى خطير، ومجرد وصول مستوى الضوضاء إلى (75) ديسيبل فإنه يسبب ضيق في الأوعية الدموية، مما يؤدى إلى ارتفاع ضغط الدم وازدياد معدل ضربات القلب، كما أن الضوضاء تؤثر على زيادة إفرازات بعض الغدد في الجسم وربما يتسبب في ارتفاع الضغط وزيادة في نسبة السكر في الدم، وبالتالي فإنه يمكن تعريف الضجيج بأنه مزيج من الأصوات غير المتجانسة ذات التأثيرات السلبية على وظائف الجهاز العصبى المركزي.

        أن المصانع تحدث الكثير من الضوضاء من جراء عمليات تصادم أجزاء الآلات أو اهتزاز واحتكاك دوامات هوائية وتيارات غازية، ومن أمثلة الصناعات التي تحدث الضوضاء، الصناعات المعدنية وصناعة الغزل والنسيج وعمليات الحدادة والسمكرة وكذلك عمليات التخريم والحفر الآلى، واختيار الآلات المحركة في صناعة السيارات ومكائن الديزل وصناعة التعدين والطباعة وكبس الصفائح وعمليات الطحن والغربلة لتنقية المعادن والأحجار. كما أن الجرارات والحفارات وكسارات الخرسانة المسلحة وخلاطات الخرسانة كلها مصادر ازعاج للسكان.

        ويمكن عزل الضوضاء المنبعثة عن النشاطات الصناعية، إلى حد ما، من خلال فصل العمليات المنتجة للضوضاء عن المناطق السكنية والمناطق المتأثرة بالضوضاء. ويتحدد عرض النطاق الفاصل بين المناطق الصناعية والسكنية على أساس مستوى الضوضاء المنبعثة والمعايير المعتمدة في هذا المجال وموقع المساكن بالنسبة إلى اتجاه الرياح، ومن المفضل تشجير المناطق العازلة.

ب- الرائحـــة:

        تعد الرائحة من أعقد مشكلات تلوث الهواء، وتصنف كملوثات لا معايير لها (non-criteria pollution). ويعد أنف الإنسان أحسن وسيلة لقياس الرائحة، لذا يتم عادة قياس الرائحة بواسطة فريق مدرب من الخبراء يتراوح عددهم 2-15 شخصاً.

        ومن أهم خصائص المواد التي تسبب الرائحة خاصية التطاير (volalility) ومن الجدير بالذكر أن التعرض لمدة طويلة لرائحة ثابتة التركيز، مع ارتفاع ضغط البخار قد يفقد الإنسان الإحساس الصحيح بها. وقد حاول البعض تصنيف الروائح مثل تصنيفها إلى الروائح الست الآتية مع إمكانية اختلاطها مع بعضها وهى: (Burnt, Spicy, Flowery, Fruity Resinous, Foul).

        ويمكن المعالجة من خلال التهوية وإزالة المواد التي تسببها بواسطة الامتصاص أو الأكسدة، أو تحويل المواد ذات الرائحة القوية إلى مواد قليلة أو عديمة الرائحة كيماوياً، ويتبع أحياناً أسلوب إدخال رائحة قوية ومرغوبة لإزالة الإحساس بالرائحة المزعجة.

        وهناك العديد من الصناعات التي تسبب روائح مزعجة تبعاً لمدى قربها من المناطق السكنية وأهمها مصانع الدباغة ومصافى البترول ومصانع الخميرة والسكائر والتبوع ومجازر اللحوم، إضافة إلى عوادم الآليات ونواتج الاحتراق خاصة في المناطق المحصورة جغرافيا والتي تشهد حركة مرور كثيفة. وتزداد الحالة سوء إذا ما اقترن ذلك بتجمع المياه العادمة التي تطلقها هذه المصانع.

3-2-2 التأثيرات البيئية للصناعة على النظام الاجتماعي:

        من سلبيات تأثير الصناعة على البيئة الاجتماعية التجمعات السكانية الناتجة عن التصنيع، حيث تتطلب التنمية الصناعية بالضرورة تدفق الأيدي العاملة على أماكن الصناعات عن طريق الهجرة الخارجية والهجرة الداخلية التي تتحول بها أعداد وفيرة من البشر من حياة الريف إلى حياة المدن. وما ينجم عن هذا التحول من تغير في السلوك الاجتماعي والاقتصادى للسكان في التكيف مع الحياة التي تتطلبها التجمعات السكانية الجديدة، ليس على مستوى الفرد ذاته، وإنما أيضاً في نمط العلاقات الاجتماعية مع الآخرين ومتطلبات حياته الاقتصادية الجديدة(1).

        كل ذلك ينتج عنه مشاكل صحية واقتصادية واجتماعية كثيرة تعكس آثارها على الإنتاج الصناعي نفسه وتتلخص في:

1 –  زيادة مطردة في تعداد السكان للمدن الرئيسية والمناطق الصناعية التي تتطلب سلعاً وخدمات لم تكن ضرورية وخاصة في الريف، الذى يعيش عن كثب من مصادر المواد الغذائية، ناهيك عن الضغط الحاصل على البنى التحتية الموجودة أصلاً.

2 –  هبوط في نصيب الزراعة من الموارد الإجمالية (الأيدي العاملة ورأس المال والخدمات الريفية) مما ينعكس على وتأثر الإنتاج الزراعي وتذبذبه.

3 –  تفكك في أنماط المعيشة الجماعية وظهور عادات وتقاليد جديدة بين الأجيال قد تؤدى إلى الانفصام وقلة التماسك الاجتماعي التقليدى وتفككه في علاقات ونظرة اجتماعية لا تتوافق مع الكثير مما كان سائداً في الريف.

4 –  فشل المهاجرين في تكييف أنفسهم لطرق المعيشة في المدن والمجتمعات الحضرية والذى يؤدى بالضرورة إلى تجمعهم في تجمعات عشوائية على مشارف المدن الرئيسية أو في بعض أحيائها الداخلية تبعد كل البعد عن المبادئ الأساسية للحياة الكريمة للإنسان.

        أن قيام الفعاليات الصناعية في مواقع معينة يتطلب أيدى عاملة مما يترتب عليه حركة للسكان (الهجرة الداخلية والخارجية) من الريف بعاداتهم وتقاليدهم التي تصطدم بالوسط الاجتماعي الجديد في تلك المواقع، وما يتطلبه النشاط الصناعي من حياة اجتماعية لا تتوافق كثيراً مع تلك العادات والتقاليد من جهة، ومن جهة أخرى فإن استمرارية هذه الحركة يترتب عليها أيضاً زيادة في الكافة السكانية والحاجة إلى الخدمات التي غالباً ما تكون غير قادرة على تلبية هذه الاحتياجات الجديدة مما تؤدى إلى مشاكل صحية واجتماعية واقتصادية، قد يكون من أهمها ظهور تجمعات سكانية في أطراف المدن لا تتوفر فيها مستلزمات الحياة الضرورية، وما تفرزه من آثار بيئية على صحة السكان المهاجرين والأصليين في آن واحد. كما يظهر تأثيرها أيضاً في النشاط الزراعي سواء في المساحات المزروعة أو في الإنتاجية إذا ما استمر الجذب الموقع للأيدى العاملة باتجاه الفعاليات الصناعية وما يترتب عليها من ترك الأراضي الزراعية وتحويلها إلى أراضى قاحلة بمرور الزمن وما تعانيه أغلب الدول النامية من ظاهرة الزحف الصحراوى لخير دليل على الاختلال في التوازن البيئى والتي قد يكون هجرة السكان لمواقعهم الريفية الأثر الواضح في ذلك.

        وعلى مستوى البيئة الحضرية (البيئة المشيدة) فإن تأثير النشاط الصناعي يبدو واضحاً أيضاً إذا ما زحف هذا النشاط وما يترتب عليه من زحف عمرانى على حساب المناطق الخضراء مثلاً، أن قطع أشجار الغابات وإقامة المجمعات السكنية للمشاريع الصناعية عليها يؤدى إلى تقليل المناطق الخضراء وبالتالي نقص الأوكسجين في الهواء.

        وفى حالة عدم وجود وسائل فاعلة في التخلص من نفايات المشاريع الصناعية أو في معالجة المياه المستخدمة، فإن ذلك سوف ينعكس حتماً على جودة الحياة الحضرية وتأثيراتها البيئية.

        هذه التأثيرات البيئية المتشعبة للنشاط الصناعي تتطلب الدراسة والتمحيص في درجة تأثيرها وسلوك انتشارها وبالتالي تقدير خطورة الصناعة المعنية، والتي تعتبر من أهم المشاكل التي تجابهها الدول في اختيار مواقع الفعاليات الصناعية فيها. هذه التأثيرات البيئية انعكست في أهميتها لتحديد موقع الصناعة ليس على المستوى المحلى فحسب وإنما أيضاً على مستوى العلاقات الدولية بفعل التقدم العلمي والتقنى الذى أبرز أهمية هذه الاعتبارات في اختيار مواقع الصناعة.

(1)   عزيز، أركان إبراهيم، البيئة البشرية بين التقدم التقنى والتوازن الطبيعى، مجلة البناء الحضارى، ع10، 1981، ص 68.

(*)   الانقلاب الحرارى: إحلال طبقة من الهواء الساخن فوق طبقة من الهواء البارد مما يترتب عليه احتجاز الدخان والضباب، تؤدى هذه الظاهرة، مثلا بالنسبة للدخان الخارج من المصانع، على أن يبرد وبما فيه من ملوثات، وهذا يعنى تجميع الملوثات في الطبقة التحتية وتكوين نوع من الضباب الدخانى.

(1)   رشيد، عبد الصاحب ناجى، الأسس التخطيطية لتوقيع الصناعات الملوثة وغير الملوثة في المدن العراقية، رسالة ماجستير، مركز التخطيط الحضرى والإقليمى للدراسات العليا، جامعة بغداد، 1982، ص 148.

[i](1)  الكنانى، كامل كاظم بشير، أثر الأنهار في توقيع الصناعات واستقطابها، المؤتمر العلمى الثالث للشركة العامة للنقل المائى، بغداد، الطبعة الأولى، 2002.

(1)  لبيب، سعد، التوعية البيئية والمشاركة في مواجهة المشاكل التنمية البيئية، مجلة النيل، ع48، ك2، 1996، ص 82- 83.

(1)   غفران ذياب، استخدام المياه العادمة في التخطيط المستقبلى للموارد المائية، رسالة ماجستير في المعهد العالى للتخطيط الحضرى والإقليمى، جامعة بغداد، 2000.

(1)   الحناوى، عصام، الإعلام والتوعية والقضايا البيئية، الإعلام العربى، معهد البحوث والدراسات العربية، 1991، ص 72.

(2)   الحناوى، عصام، المصدر السابق، ص 9.

(1)   الكنانى، كامل، الآثار الاجتماعية للتوقيع المكانى للنشاط الصناعى، مصدر سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى