كيف استعدت مصر لموجة حرائق وأمطار المنطقة؟

في ظل ما باتت تشكله التغيرات المناخية من تحديًا كبيرًا تواجهه جميع دول العالم وما تسببه من ارتفاعات فى درجات الحرارة وفيضانات وسيول غير مسبوقة وحرائق ضخمة، اتخذت الحكومة المصرية خطوات جادة وسريعة لمواجهة هذه التغيرات فى السنوات الأخيرة واعتبارها تحديًا تنمويًا، وذلك من خلال إصدار معايير الاستدامة البيئية بتنفيذ عددا من المشروعات الخضراء وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة والإدارة السليمة للمخلفات، ودمج البعد البيئي في كافة قطاعات الدولة وتبنى استراتيجية وطنية لمكافحة التغيرات المناخية، فضلا عن التعاون الدولى والإقليمي فى مواجهة التغيرات المناخية بالمشاركة فى المؤتمرات والمبادرات التى تصب فى هذا الاتجاه.

تداعيات التغيرات المناخية فى مصر:

في الوقت الذى أطلقت لجنة المناخ التابعة للأمم المتحدة تقريرًا فى 9 أغسطس 2021 أكدت فيه أن مستويات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي مرتفعة بما يكفي لضمان اضطراب المناخ لعقود إن لم يكن لقرون، مازالت مصر بمنئ عن غيرها من بعض الدول  التى تشهد تداعيات شديدة للتغيرات المناخية ومنها دول تقع فى محيطها الإقليمى سواء التى شهدت حرائق ضخمة للغابات كالجزائر مؤخرا أو فيضانات كالسودان العام الماضى  2020 ودول أخرى شهدت جفافًا وسيولا، ويمكن إيجاز أبرز تداعيات التغيرات المناخية التى تشهدها مصر فى النقاط التالية:

(*) موجات من ارتفاع درجات الحرارة غير مسبوقة: باتت مصر تشهد موجات حارة بين الحين والأخر خلال فصل الصيف نتيجة الاحتباس الحرارى، وهو ما ينذر بضرورة التوجه نحو اتخاذ إجراءات عاجلة وسريعة للتصدى لمثل هذه الظاهرة، حيث أوضح تقرير لجنة المناخ التابعة للأمم المتحدة أن كل 0.5 درجة مئوية إضافية من الاحترار ستزيد من شدة وتواتر درجات الحرارة الشديدة والأمطار الغزيرة، فضلا عن الجفاف في بعض المناطق، نظرا لأن درجات الحرارة تتقلب من سنة إلى أخرى. ويرجع كل هذا إلى الارتفاع فى انبعاثات ثانى أكسيد الكربون التى تنتج عن زيادة احتراق الوقود الكربونى، والتى ارتفعت فى العالم أجمع بشكل طردى فى السنوات السابقة حتى قُدرت بـ 34041046 كيلو طن عام 2018 مقارنة بـ 9463839 كيلو طن عام 1960، وفى مصر وحدها قُدرت بـ 246260 كليو طن عام 2018 مقارنة بـ 16054 كليو طن.

المصدر: إعداد الباحثة بالاعتماد على إحصائيات البنك الدولي.

(*) تقلص إنتاج بعض المحاصيل: كنتيجة مباشرة لارتفاع درجات الحرارة، حيث شهدت مصر العام الحالى 2021، ارتفاعًا طفيفًا فى أسعار بعض الخضروات والفاكهة نتيجة الارتفاع فى درجات الحرارة، والذى أدى إلى انتشار الآفات والأمراض وساهم في تقلص إنتاجية معظم المحاصيل، كما تسبب هذا الارتفاع فى درجات الحرارة سقوط أزهار بعض المحاصيل قبل نضجها.

(*) ارتفاع منسوب مياه النيل: حيث أعلنت اللجنة الدائمة لتنظيم إيراد نهر النيل بوزارة الرى والموارد المائية  فى 4 أغسطس 2021، عن رصد ارتفاع منسوب مياه نهر النيل وزيادة المياه الواردة إلى بحيرة السد العالي نتيجة تزايد الأمطار على دول المصب، وهو ما يستدعى إدارة سليمة للموقف ومتابعة مستمرة لتفادى حدوث فيضانات مدمرة، وبالتالي فإن إدارة المياه هي أحد أهم إجراءات التكيف مع المناخ.

(*) تهديد الأمن المائى والغذائى والمدن الساحلية على البحر المتوسط: حيث يؤدي الاحتباس الحراري إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بسبب ذوبان الأنهار الجليدية والجليد في القطب الشمالي، ونتيجة لذلك تنخفض موارد المياه العذبة في العالم  فى حين تتسلل المياه المالحة إلى الخزانات الجوفية، وتعتبر مصر معرضة بشكل خاص لهذا بسبب ارتفاع دلتا النيل المنخفض.

وإذا نظرنا إلى ترتيب مصر العالمى وفقا لمؤشر ND-GAIN ، والذى يصنف الدول باستخدام درجات تحسب مدى تأثر الدولة بتغير المناخ والتحديات العالمية الأخرى بالإضافة إلى مدى المرونة إليها للاستجابة، نجد أن مصر تم تصنيفها على أنها شديدة التأثر بتأثيرات تغير المناخ  واحتلت المرتبة 109 من أصل 181 دولة لعام 2019، وعلى الرغم من أنها ليس متأخرة كثيرا فى هذا الترتيب وهو الأعلى أيضًا منذ عام 2015، ولكنه يدلل على مدى التأثر الذى تشهده مصر من التغيرات المناخية.

إجراءات حكومية وتحركات عاجلة:

اتجهت الحكومة المصرية منذ السنوات الأخيرة لاتخاذ إجراءات وتحركات عاجلة لمواجهة التغيرات المناخية، التى باتت تداعياتها السلبية تتزايد يومًا بعد يوم على مستوى العالم كله، ومن أبزر الجهود الحكومية التى تمت فى هذا الاتجاه ما يلى:

(&) إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التغيرات المناخية: وهى الاستراتيجية التى جاء إعدادها بتوجيه من رئيس الوزاراء “مصطفى مدبولى” فى 8 ديسمبر 2020، وتتمثل أهدافها فى تحسين حوكمة وإدارة العمل في مجال تغير المناخ، وتحسين مكانة مصر في الترتيب الدولي الخاص بإجراءات تغير المناخ، وتحسين البنية التحتية لدعم الأنشطة المناخية، وتعزيز شراكة القطاع الخاص في تمويل الأنشطة الخضراء، وتعزيز البحث العلمي ونقل التكنولوجيا وإدارة المعرفة ورفع الوعي لمكافحة تغير المناخ.

(&) الحد من تلوث الهواء بتمويل من البنك الدولى: ففي نهاية عام 2020، وافق البنك الدولي على قرض بقيمة 200 مليون دولار لدعم جهود مصر للحد من تلوث الهواء في القاهرة، وذلك من خلال مشروع يركز على  الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من المركبات وتحسين إدارة النفايات الصلبة وتعزيز نظام صنع القرار لجودة الهواء والمناخ.

(&) التوسع فى محطات رصد نوعية الهواء: والتى زاد عدد منذ عام 2014 بنسبة 25%، ليبلغ عددها 110 محطة بـ 23 محافظة، بالإضافة إلى زيادة عدد الكيانات المرتبطة بشبكة رصد الانبعاقات الصناعية لتبلغ 83 منشأة صناعية ومحطة كهرباء بعدد 379 نقاط رصد بنسبة زيادة بلغت 137%.

(&) الإدارة الجيدة للمخلقات: من خلال العديد من المشروعات والقوانين التى تنظم هذه العملية، حيث اشتمل ذلك على إعداد المخططات الرئيسية لإدارة منظومة المخلفات البلدية لجميع المحافظات، وإصدار القانون رقم 202 لسنة 2020 بشان تنظيم إدارة المخلفات وقرار مجلس الوزراء رقم 41 لسنة 2019 بشأن تحديد قيمة التعريفة للكهرباء المتولدة من المخلفات، وإنشاء مصنع نموذجى لتدوير المخلفات بمحافظة المنيا ورفع كفاءة 5 مصانع لتدوير المخلفات بمحافظات كفر الشيخ والغربية وقنا، هذا بالإضافة إلى إطلاق منهجية للحد من حرق المخلفات الزراعية لاسيما قش الأرز.

(&) تعزيز استخدام الطاقة النظيفة والمتجددة: اتجهت الجهود والخطوات الحكومية بقوة نحو تعزيز استخدام الطاقة المتجددة ومنها الطاقة الشمسية بصفة خاصة منذ عام 2014 لتهيئة بيئة تشريعية مناسبة وتنفيذ مشروعات وخطط كان تم وضعها سابقاً، وتمثلت تلك الجهود فى مشروع “بنبان” للطاقة الشمسية بأسوان ومحطات الطاقة الشمسية ومحطة رياح جبل الزيت ومزرعة رياح رأس غارب ومحطة توليد الطاقة الكهرومائية بأسيوط.

(&) الاهتمام بالبعد البيئى فى مشاريع الطاقة الكهربائية: لم تغفل الحكومة المصرية الاهتمام بالبعد البيئى ضمن مشاريع تطوير الطاقة فى مصر، وذلك فى مواكبة للأهداف العالمية لمواجهة تغير المناخ وأهداف التنمية المستدامة العالمية ورؤية مصر 2030، بالاعتماد على مصادر الطاقة الأقل ضرارا على البيئة والحد من غازات الاحتباس الحرارى والحفاظ على حق الأجيال القادمة في الحصول على الطاقة، وتم هذا من خلال تطبيق سلسلة من الإجراءات بهدف الحفاظ على البيئة من بينها؛ إحلال الغاز الطبيعي محل الوقود السائل (المازوت-السولار) بمحطات توليد الكهرباء، والتوسع فى توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة (رياح- شمسى)، وتحسين كفاءة الإمداد بالطاقة الكهربائية من خلال رفع كفاءة منظومة التوليد وتخفيض الفقد في الشبكات الكهربائية حيث وصل الفقد إلى 11.02%، بالإضافة إلى ترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية فى القطاعات المختلفة.

(&) تضمين البعد البيئى فى رؤية مصر 2030: حيث تهدف رؤية مصر 2030 الحد من تلوث الهواء من الجسيمات الدقيقة العالقة بنسبة 50 في المائة بحلول عام 2030.

(&) إنشاء المجلس الوطنى للتغيرات المناخية: تم إنشاء المجلس بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1912 لسنة 2015، ويعتبر المجلس هو الجهة الوطنية المعنية بملف التغيرات المناخية، ويعمل على رسم السياسات العامة للدولة فيما يخص التعامل مع التغيرات المناخية، والعمل على وضع وتحديث الاستراتيجيات والخطط القطاعية لتغير المناخ، فى ضوء الاتفاقيات الدولية والمصالح الوطنية، والعمل على صياغة وتحديث استراتيجية وطنية شاملة لتغير المناخ.

 (&) إطلاق حملات إعلامية لنشر الوعى البيئى  ورفعه لدى جميع فئات المجتمع المختلفة ودعم السياحة البيئية والمحميات الطبيعية ومنهم حملة “أتحضر للأخضر” وحملة “Eco Egypt” وحملة “جميلة يا مصر”.

 (*) زيادة المساحات الخضراء: من خلال زراعة ما يزيد عن 300 ألف شجرة وما يزيد عن 30 ألف متر مربع مساحات خضراء بكافة أنحاء الجمهورية.

تعاون إقليمى ودولى:

 وتمثلت أبرز مشاهد هذا التعاون فى ترشيح مصر من قبل الأمين العام للأمم المتحدة لرئاسة تحالف المرونة والتكيف، كما ترأست مصر برئاسة الرئيس “عبد الفتاح السيسى” مؤتمر الدول الأطراف للاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة للتنوع البيولوجي الرابع عشر خلال الفترة 13-29 نوفمبر 2018 بمدينة شرم الشيخ، وترأست مصر أيضًا مع ألمانيا المفاوضات الوزارية حول تمويل المناخ أثناء مؤتمر الأطراف الـ 24 لاتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ فى بولندا 2018، كذلك تولت مصر رئاسة مؤتمر وزراء البيئة الأفارقة 2015-2017، كما تولت رئاسة لجنة رؤساء حكومات إفريقيا المعنية بتغير المناخ (CAHOSCC) برئاسة الرئيس ” السيسى” لتقوم بتمثيل القارة السمراء فى الاجتماعات الدولية، هذا إلى جانب إعداد وإطلاق مبادرة الطاقة المتجددة فى إفريقيا ومبادرة تعبئة الدعم الدولى لأنشطة التكيف.

وختاما، يمكن القول أن الجهود التى قامت بها الحكومة المصرية لمكافحة التغيرات المناخية فى السنوات السبعة الأخيرة اتسمت بالتحرك السريع والمتعدد الاتجاهات، والتى ساعدت مصر على الحد من التداعيات السلبية الشديدة للتغيرات المناخية التى لحقت بالعديد من دول العالم حتى الآن، ولكن هذا لا يعنى أن معركة الدولة المصرية لمواجهة التغيرات المناخية قد انتهت، فمازالت المعركة التى تخوضها مصر وجميع دول العالم مستمرة فى ظل تصاعد تهديدات التغيرات المناخية، ومن الممكن تعزيز هذه الجهود الحكومية من خلال ما يلى:

  • مواصلة تدابير تحسين تقنيات حصاد الأمطار وزيادة استخراج المياه الجوفية وإعادة تدوير المياه وتحلية مياه البحر.
  • إنشاء لجنة لإدارة المخاطر البيئية بالمجلس الوطنى للتغيرات المناخية، تعمل على الرصد المستمر للمخاطر البيئية المحلية والعالمية وتحديدها وتقيميها، ووضع السيناريوهات والحلول ومبادرات علاجية لها واتخاذ ما يلزم من تدابير وإجراءات لتحقيق أعلى درجات الاستعداد وإدارتها سواء في الوقت الحالي أو المستقبلي.
  • تعزيز مفهوم الشركات الخضراء، وهو مصطلح قائم على أن تكون الشركة ملتزمة بيئيًا فى كل ما تقوم به من ممارسات تسويقية وكل ما تصنعه من سلع ومنتجات فهى تلتزم بكل اللوائح والممارسات البيئية، التي تضمن حماية الموارد البيئية، والحد من التلوث الذي قد يتعرض له المجتمع المحيط بها، بالإضافة إلى تقديم الحوافز الضريبية وتسهيل إجراءات التأسيس أو تغيير السجلات بما يتوافق مع مراحل التحول لهذه الشركات.
  • تشجيع طلاب الجامعات المصرية المختلفة مقابل مكافآت مادية على إعداد بحوث واختراعات سنوية قابلة للتطبيق لمواجهة التغيرات المناخية والحد من التلوث البيئى.
  • يعد الاستخدام غير المستدام لموارد الطاقة أحد الأسباب الرئيسية للتدهور البيئي وتغير المناخ، وبالتالي فلابد من تعزيز التوجه نحو زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة من خلال ما يلى:
  • إنشاء صندوق للطاقة المتجددة ليكون بمثابة الذراع الاستثماري لوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، وسيكون من ضمن مهامها التوقيع على اتفاقيات مع عدد من البنوك المحلية والشركات لضمان القروض لدعم تمويل مشاريع الطاقة المتجددة لمختلف البرامج التي ينفذها الصندوق.
  • إصدار نظام لإعفاء جميع أنظمة ومعدات الطاقة المتجددة من الجمارك والضرائب حتى لا ترتفع أسعارها والتشجيع على التوجه إلى هذا النوع من الطاقة.
  • توفير المناخ الاستثماري الملائم وإصدار تشريعات محلية تجذب المستثمرين المحليين والأجانب للتوجه لمجال الطاقة المتجددة.
  • تقديم تسهيلات ضريبية للمستثمرين الأجانب فى مجال تكنولوجيا الطاقات المتجددة لتشجيع دخول الصناعات التى تقوم عليها الطاقة المتجددة إلى مصر.
  • تخصيص دعم وحوافز حكومية لمشاريع البحث والتطوير لتكنولوجيا الطاقات المتجددة.

 

 

قمر ابو العلا

باحثة بوحدة الدراسات الاقتصادية باحثة اقتصادية، وحاصلة على ماجستير في الاقتصاد، جامعة القاهرة، شاركت في العديد من التقارير الاقتصادية والاجتماعية في الشئون المصرية والخارجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى