إلى أين يصل مستوى تفاقم الأوضاع في إثيوبيا؟

باتت وتيرة الأحداث في إثيوبيا أسرع من أي وقت مضى، فلم يعد يوم واحد يمر دون أن يشهد تطورات جديدة تفرض المزيد من التعقيد على المشهد العام في أديس أبابا، مما جعل الكثير من التقارير الدولية تركز على سيناريو انهيار الدولة الإثيوبية باعتباره أحد أبرز المسارات الأكثر ترجيحاً في ظل المعطيات الراهنة، خاصةً بعدما أتسع نطاق الصراع القائم في إقليم التيجراي وأمتد إلى مزيد من الأقاليم في البلاد، مع إعادة تشكيل تحالفات عسكرية ضد حكومة “آبي أحمد” في أديس أبابا، وتزداد خطورة الوضع الراهن في إثيوبيا في ظل الأزمات المتفاقمة التي تشهدها منطقة القرن الإفريقي بشكل عام، حيث أضحت المنطقة تقف على نقطة فاصلة ربما تدفع بالمنطقة نحو حروب أهلية واسعة، وفي هذا السياق يسعى هذا التحليل لقراءة في ملامح الصراعات الراهنة في منطقة القرن الإفريقي، ورصد مسارات الأوضاع المتفاقمة في أديس أبابا باعتبارها بمثابة الشرارة التي ربما تؤجج فتيل الحرب في المنطقة.

“آبي أحمد” يدعو الشعب لحمل السلاح:

دعا رئيس الحكومة الإثيوبية “آبي أحمد” في الـ 10 من أغسطس الجاري جميع الإثيوبيين المؤهلين والبالغين لحمل السلاح والانضمام إلى قوات الجيش الإثيوبي والمليشيات التابعة له في حربهم الراهنة ضد “جبهة تحرير التيجراي” والحركات التي باتت رافضة لسياسات الحكومة الفيدرالية، وذلك بعد أسابيع قليلة من إعلان أديس أبابا وقف إطلاق النار في حربها التي شنتها ضد إقليم التيجراي في نوفمبر 2020.

لكن، في الواقع لم يكن القرار السابق من قبل حكومة “آبي أحمد” يعبر عن قرار اختياري بوقف إطلاق النار لأسباب إنسانية كما زعمت أديس أبابا، بل أن الأخير كانت قد اضطرت إلى هذا الإعلان لحفظ ماء وجهها بعد الهزيمة المذلة التي تعرضت لها القوات الحكومية الإثيوبية على يد جبهة التيجراي، والتي قتلت الآلاف من عناصر قوات أديس أبابا وأسرت آلاف آخرين منهم، مما دحض أي مزاعم لـ”آبي أحمد” بتحقيق أي انتصار في حربه ضد الإقليم، بل على العكس اضطرت العناصر المتبقية من قواته إلى الفرار من الإقليم، بينما عمدت الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي لمواصلة تقدمها بعدما نجحت في استعادة عاصمة الإقليمي ميكيلي، وفي هذا السياق أشار مستشار مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية “هاني رسلان” إلى أنه في الوقت الذي تتقدم فيه قوات التيجراي والأورمو نحو العاصمة أديس أبابا، تشهد قوات الدفاع الوطني الإثيوبية انهيارا كبيراً، مما جعل حكومة “آبي أحمد” تلجأ إلى الاعتماد على قوات الأقاليم غير المدربة.

اتساع رقعة الصراعات:

بعد ستة أسابيع من هزيمة القوات الحكومية في إقليم التيجراي، لم تتوقف الصراعات الداخلية التي تشهدها إثيوبيا خلال الأشهر الماضية، بل على العكس اتسعت رقعة انتشارها بعدما وضعت قوات التيجراي بعض الشروط لقبول وقف إطلاق النار، بيد أن تجاهل أديس أبابا لهذه الشروط مع استمرار تعنت رئيس الحكومة “آبي أحمد” والنظرة الاستعلائية التي ينتهجها والتي جعلته يرفض أي محاولة للوساطة مع الجبهة، دفع الأخيرة لمواصلة تقدمها والتغلغل في إقليم العفر والأمهرة المجاورتين، قبل أن تتمكن قبل أسبوع من السيطرة على موقع “لاليبيلا” الأثري والحيوي في البلاد.

كذلك، امتدت الصراعات في الداخل الإثيوبي إلى إقليم بني شنقول، حيث تمكنت قوات دفاع بني شنقول قبل أسابيع من استعادة السيطرة على موقعين داخل الإقليم بعدما استطاعت طرد قوات الحكومة الإثيوبية منها، وفي الـ 12 من أغسطس الجاري أشار الدكتور “محمد نصر علام” (وزير الري والموارد المائية الأسبق) نقلا عن مصادر خاصة إلى أن قوات بني شنقول شنت هجوماً آخر على القوات الحكومية، تمكنت من خلالها قوات الدفاع عن بني شنقول من السيطرة على مدينتي “منكوش” و”المحل”، كما اضطرت بعض قوات أديس أبابا إلى عبور الحدود السودانية وتسليم نفسها للقوات السودانية في منطقة “مينزا”.

تحالف التيجراي- الأورومو:

 قبل أيام قليلة أشارت تقارير إلى تصاعد حدة الصراع أيضاً في إقليم الأورمو، حيث تمكنت جبهة تحرير الأورمو من الحشد ضد حكومة “آبي أحمد”، بل وتمكنت من السيطرة على بعض المواقع الهامة والزحف باتجاه العاصمة أديس أبابا، حيث أشارت التقارير إلى أن الجبهة باتت أقرب ما يكون من العاصمة الإثيوبية مما بات يشكل تهديداً حقيقياً على حكومة “آبي أحمد”.

وبعد فترة من التكهنات بشأن احتمالات وجود تنسيق بين جبهة تحرير التيجراي وجبهة الأورومو، أعلنت الأخيرة في الـ 11 من أغسطس الجاري تحالفها مع الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي، ضد حكومة رئيس الوزراء “آبي أحمد”، حيث أكد زعيم جبهة الأورومو “كومسا ديريبا” أن “الحل الوحيد أصبح هو الإطاحة بهذه الحكومة عسكرياً” واستخدام نفس الأداة التي تستخدمها، حيث أكد “ديريبا” أن الجبهتين ستتعاونان عسكرياً ضد حكومة أديس أبابا، مشيراً إلى وجود مباحثات راهنة بينهما لبلورة تحالف سياسي ربما يتضمن مشاركة مجموعات أخرى خلال الفترة المقبلة.

أزمة البعثات الدبلوماسية لأديس أبابا:

شهدت الأسابيع الأخيرة تفاقماً حاداً في الأزمة الاقتصادية التي تعيشها أديس أبابا، وربما يعزى جزء كبير من تصاعد حدة الأزمة إلى العقوبات المفروضة من قبل واشنطن ضد الحكومة الإثيوبية إزاء الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها في إقليم التيجراي، وأضحت الخارجية الإثيوبية تعمل على جمع التبرعات لقوات الدفاع الوطني ولملمة ما تبقي من قواتها لمواجهة حالة السخط والاحتقان الحادة التي باتت على أعتاب العاصمة الإثيوبية.

وفي هذا السياق، لجأت أديس أبابا إلى إغلاق أكثر من نصف عدد مقراتها الدبلوماسية في الخارج والبالغ عددها 58 بعثة تقريباً، وقد تضمن ذلك السفارات الأثيوبية في واشنطن وباريس وأوتاوا وبرلين واستكهولم وباريس وغيرها من المقار الحيوية، حيث تم استدعاء غالبية موظفي السفارات والاكتفاء فقط بشخص السفير أو قائم بالأعمال في محاولة لتخفيض النفقات بعدما باتت الحكومة الإثيوبية غير قادرة على دفع الرواتب، فقد استدعت إثيوبيا – مثلاً- نحو 18 من موظفي سفارتها في واشنطن، فضلاً عن استدعاء خمسة من بعثتها الدائمة لدى الأمم المتحدة والتي يبلغ إجمالي عددها ثمانية موظفين.

إقليم ملتهب:

تأتي التطورات المتلاحقة التي تعيشها إثيوبيا في الوقت الراهن في ظل سياق إقليمي ملتهب، حيث تعاني غالبية دول منطقة القرن الإفريقي من أزمات متفاقمة قابلة للانفجار في أي وقت، ويمكن الإشارة إلى أهم ملامح هذه الأزمات في العناصر التالية:

(*) جنوب السودان: تشهد جنوب السودان عودة الصراعات المسلحة مرة أخرى، وذلك بعدما أعلن الجناح العسكري من “الحركة الشعبية لتحرير السودان” عن إقالتها لقائدها “رياك مشار” الذي يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية في جوبا، وهو ما تمخض عنه اشتباكات مسلحة بين أنصار “مشار” والمواليين للقادة العسكريين الذين اتخذوا قرار تنحيته، وهو ما بات ينذر بتأجيج الصراعات المسلحة في البلاد، وربما يعيدها إلى مرحلة الحرب الأهلية من جديد، والتي خلفت أخر فصولها في الفترة 2013- 2018 أكثر من 400 ألف قتيل.

(*) الصومال: لا تزال مقديشو تشهد حالة من الاستقرار الهش بعد تراجع الرئيس “عبد الله فرماجو” (المنتهية ولايته) عن قرار تمديد فترة ولايته لعامين إضافيين، فعلى الرغم من توصل الأطراف المتصارعة على خارطة طريق يتم من خلالها إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، إلا أنه حتى الآن فشلت هذه الأطراف من تنظيم الانتخابات مع وجود مزيد من التحديات التي ربما تعرقل هذه الاستحقاقات أو تأجيلها على أقل تقدير، وهو ما يمكن أن يعيد تأجيج الصراعات المسلحة مرة أخرى في مقديشو بين المعارضة والحكومة المركزية، فضلاً عن تصاعد نشاط حركة الشباب الإرهابية.

(*) إريتريا: تستمر تحركات “جبهة التحرير الإيرترية” (المعارضة) في حشدها ضد حكومة الرئيس “أسياس أفورقي”، في مؤشر ينذر باحتمالات اندلاع اشتباكات مسلحة في أي وقت، حيث تكثف الجبهة من تحركاتها كمقدمة لبدء الهجوم على أسمرة، ويضاف لذلك وجود تقارير تفيد بأن ثمة احتمالات لحدوث انقلاب عسكري ضد النظام الحاكم في إريتريا، على غرار محاولة عام 2013.

في النهاية، يبدو أن إثيوبيا قد دخلت بالفعل في مرحلة الحرب الأهلية الشاملة، بعدما أمتد الصراع إلى غالبية الأقاليم في البلاد، وفي هذا السياق يجب الإشارة إلى أن “آبي أحمد” يفتقر إلى الخبرة السياسية، ويعتمد في تحركاته فقط على تطلعات الهيمنة والإمبراطورية التي يحلم بتحقيقها لنفسه، بيد أن تطلعاته هذه تفوق كثيراً في قدراته الحقيقية والتي باتت تهدد وحدة الدولة الإثيوبية، ومن ثم أضحت أديس أبابا الآن أمام تحدي وجودي، في ظل حالة الحشد التي يقوم بها “آبي أحمد”، مقابل تحركات إيرترية للتقارب مع إقليم الأمهرة بل وتقديم الدعم العسكري لها في مواجهة التيجراي، وفي ظل إعلان الأخيرة عن تحالفها مع جبهة تحرير الأورومو، يرجح أن تشهد الفترة المقبلة تصاعداً في حدة الصراعات الداخلية في إثيوبيا، وامتدادها لمزيد من الأقاليم الإثيوبية، بل واحتمالات دخول فواعل إقليمية أخرى في هذه الحرب، خاصةً في ظل حالة الاحتقان والتوتر المتصاعدة التي تشهدها منطقة القرن الإفريقي، ومن ثم ربما تصبح أديس أبابا الشرارة التي تشعل الحرب في المنطقة ككل.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى