“الاحتجاجات القطرية”.. هل خلافات قبلية أم أزمة نظام؟

تشهد قطر في الفترة الأخيرة سلسلة من الاحتجاجات بسبب قانون انتخابات مجلس الشورى الصادر عن أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، والذي سبب جدلا واسعا وانتقادات عديدة لدى المواطنين، في أول انتخابات تشريعية مقرر إجراؤها في البلاد. ويري عدد من أبناء قبيلة آل المري أن القانون قُصد به إقصاء المريين من المشاركة في الانتخابات التشريعية سواء كناخبين أو مرشحين. حيث أطلق ناشطون “هاشتاغ”: “#ال_مره_هل_قطر_قبل_الحكومة”، معتبرين أن “القبيلة وجدت في قطر قبل الحكومة”.في المقابل قامت وزارة الداخلية القطرية بالقبض على عدد من أفراد القبيلة وتوجيه تهم تتعلق باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في “نشر أخبار غير صحيحة وإثارة النعرات العنصرية والقبلية”.

التنظيم الدستوري والقانوني للانتخابات البرلمانية:

أصدرت قطر الدستور الدائم لها في إبريل من عام 2004، وقد نص الدستور آنذاك على إجراء انتخابات برلمانية وإعداد قانون لهذا الغرض، ومن ثم فإن الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها في أكتوبر المقبل تُعد هي الأولي من نوعها التي تشهدها قطر. وتنص المادة (77) من الدستور على أن “مجلس الشورى يتألف من خمسة وأربعين عضوا، يتم انتخاب ثلاثين منهم عن طريق الاقتراع العام السري المباشر، ويعين الأمير الأعضاء الخمسة عشرة الآخرين من الوزراء أو غيرهم، وتنتهي عضوية المعينين في مجلس الشورى باستقالتهم أو إعفائهم”. كما نصت المادة (78) على أنه “يصدر نظام الانتخاب بقانون، تحدد فيه شروط وإجراءات الترشيح والانتخاب”.

وفي 29 يوليو الماضي أصدر أمير قطر أصدر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني سلسلة قوانين ومراسيم تنظم إجراء الانتخابات البرلمانية؛ من بين هذه القوانين القانون رقم (6) الخاص بنظام انتخاب مجلس الشورى، والذي يحدد الشروط التي يجب توفرها في الناخب، والشروط الواجب توفرها في المرشح لعضوية مجلس الشورى، وآلية إجراء الانتخابات. وبموجب القانون رقم (7) الصادر في 29 يوليو من العام الجاري، يتولى المجلس سلطة التشريع، ويقر الموازنة العامة للدولة، كما يمارس الرقابة على السلطة التنفيذية للدولة.

كما لا تمتد رقابة المجلس على السلطة التنفيذية إلى “الجهات والأجهزة الخاصة التي يشكلها الأمير لتعينه في توجيه السياسات العليا للدولة في مجالات معينة كالمجلس الأعلى للدفاع ومجلس الأمن الوطني والمجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار وغيرها من الجهات والأجهزة المماثلة”. ويحق للأمير في الأحوال التي يقدرها أن يحل المجلس بمرسوم يبين فيه أسباب الحل.

حدود تكريس التمييز بين المواطنين:

تسبب هذا القانون– قانون مجلس الشورى- في جدل شديد ووٌجهت له اتهامات عديدة بأنه يكرس التمييز بين المواطنين؛ إذ قسم المواطنين القطريين إلى ثلاث فئات، الأولى قطريون أصليون ويحق لهم الترشح والانتخاب، والثانية هم القطريون المجنسون المولودون في قطر وجدهم قطري، وهؤلاء يحق لهم الانتخاب ولكن لا يحق لهم الترشح، والفئة الثالثة والتي تضم القطريون المجنسون وهؤلاء لا يحق لهم الترشح ولا الانتخاب.

وفيما يتعلق بشروط الناخب، ينص القانون على أنه يتمتع “بحق انتخاب أعضاء مجلس الشورى كل من كانت جنسيته الأصلية قطرية وأتم 18 سنة ميلادية، ويستثني من شرط الجنسية الأصلية كل من اكتسب الجنسية القطرية، وبشرط أن يكون جده قطريا ومن مواليد دولة قطر”.أما أبرز الشروط الواجب توفرها في المرشح فيشترط القانون فيمن يود ترشيح نفسه أن تكون “جنسيته الأصلية قطرية، ولا يقل عمره عند قفل باب الترشح عن 30 سنة ميلادية”.

شروط الترشح والانتخاب أحدثت جدلا واسعا عبر مواقع التواصل الاجتماعي في البلاد، وبالأخص شرط أن يكون المرشح “جنسيته الأصلية قطرية”. الأمر الذي دفع بعض أفراد قبيلة آل مرة، التي لا تنطبق عليها الشروط المطلوبة، إلى نشر عدد من الفيديوهات اعتراضا على ما وصفوه بـ”القانون التعسفي ضدهم والذي يمنعهم من الترشح لانتخابات مجلس الشورى”. معتبرين أن القبيلة وجدت في قطر قبل الحكومة.

الخلافات بين آل مرّة وآل ثاني:

يتسم المجتمع الخليجي بشكل عام بأنه مجتمع قبلي، إذ كانت القبائل هلي التي تُبسط سيطرتها على الأراضي الخاضعة لها قبل نشأة الدولة الوطنية، وترتبط معظم القبائل الخليجية مع بعضها البعض سواء من خلال روابط الدم أو المصاهرة، كما يمكن للقبيلة الواحدة أن يكون لها امتداد في أكثر من دولة خليجية مثل قبيلة آل مرّة؛ إذ يتوزع معظم أبنائها في دول الخليج العربي، مثل الإمارات والكويت والبحرين وبشكل أساسي في قطر والسعودية اللتين وقّعتا على اتفاقية ترسيم الحدود النهائية بينهما عام 2001. وتعد قبيلة آل مرّة بمثابة المظلة الكبرى لآل الغفران وآل بحيح وآل فهيدة وآل جابر وآل زيدان. ومعظمهم يقطنون شرق شبه الجزيرة العربية في السعودية وقطر. وتشير التقديرات إلى أن أبناء قبيلة آل مرة يشكلون نحو ما بين 40% إلى 60% من عدد سكان دولة قطر.

والجدير بالذكر، أن الخلاف بين قبيلة آل مرة والنظام الحاكم في قطر لم يكن وليد اليوم، وإنما يرجع إلى فترات تاريخية سابقة، وتفصيلًا لذلك؛ في عام 1996 وعلى إثر الانقلاب الأبيض من الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني علي والده الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني واستيلائه على السلطة، حاول الأخير الاستعانة بالمريين في محاولة لاستعادة السلطة مرة أخري؛ إلا أن المحاولة بائت بالفشل ولم يكلل لها النجاح،وزعمت الحكومة القطرية أن السعودية والإمارات والبحرين لعبت دوراً في ” مؤامرة عام 1996 ” لإعادة الأمير خليفة إلى السلطة.ومنذ ذلك الحين، لم يخف التوتر بين آل مرّة والدوحة.

وفي عام 2005 جرّدت الحكومة القطرية، الآلاف من أبناء قبائل آل مرّة وتحديدًا من أبناء عشيرة الغفران (أحد أفرع بنو مرّة)، من جنسياتهم وبذلك حُرموا من حقوق المواطن القطري الأساسية. وبررت قطر ذلك بأنهم يحملون الجنسية السعودية وأن القانون القطري يمنع ازدواج الجنسية. على الرغم من عدم اتخاذ ذات الإجراءات مع مواطنين قطريين أخريين يحملون جنسيات أخري بجانب جنسيتهم القطرية.

وخلال الأزمة الخليجية بين دول الخليج ومصر من جهة وقطر من جهة أخرى في عام 2017، وصف زعيم قبائل آل المرّة الشيخ “طالب بن لحوم بن شريم”، حكومة قطر بأنها “ملاذ للإرهابيين” واتهمها بأنها قريبة جداً من إيران في مقابلة على قناة “العربية”. فسحبت السلطات القطرية جنسية بن شريم إلى جانب 55 شخصاً آخر من نفس القبيلة.

من هم “القطريون أساسا”؟:

أعطي قانون الجنسية القطري الصادر عام 1961 القطري المتجنس حق الانتخاب أو الترشيح بعد انقضاء عشر سنوات من حصوله على الجنسية، إلا أن قانون الجنسية القطري الصادر عام 2005 ألغى تلك المادة من قانون عام 1961 دون وضع سقف زمني أمام القطري المتجنس للحصول على حقوقه السياسية. وبحسب قانون الجنسية القطرية الصادر في عام 2005،والتي نصت المادة الأولي منه على أن القطريون أساسًا، هم:

  • المتوطنين في قطر قبل عام 1930 ميلادية وحافظوا على إقامتهم العادية فيها، واحتفظوا بجنسيتهم القطرية حتى تاريخ العمل بالقانون رقم (2) لسنة 1961.
  • من ثبت أنه من أصول قطرية، ولو لم تتوفر فيه الشروط المنصوص عليها في البند السابق، وصدر باعتباره كذلك قرار أميري”..
  • من ردت إليهم الجنسية القطرية طبقاً لأحكام القانون.
  • من ولد في قطر أو في الخارج لأب قطري بموجب البنود السابقة.

السيناريوهات المرتبطة بتلك الأزمة:

إزاء ما تقدم، يمكن القول بأن هناك أربع سيناريوهات يمكن للنظام الحاكم في قطر اللجوء إليها، هي كالآتي:

(&) السيناريو الأول يتمثل في: الاستجابة للاحتجاجات والمعارضة الموجودة الآن من قبل النظام الحاكم وتعديل قانون الانتخابات، وربما قانون الجنسية بحيث تكون هناك مساواة بين كافة المواطنين في الحقوق والواجبات، إلا أن هذا السيناريو ربما يكون له من التداعيات والنتائج المستقبلية ما يشكل خطر على نظام الحكم في الدوحة ولعل أبرزها؛ اللجوء إلى أسلوب الاحتجاجات والمعارضة في قضايا أخري بعد ذلك؛ خاصة مع وجود كثير من الملفات والقضايا غير المحسومة والتي قد تشكل ناقوس خطر للدوحة مستقبلًا، وربما تمتد تلك الظاهرة إلى الدول المجاورة لاسيما السعودية والبحرين. فضلًا عن أن الثقل التي تتمتع به قبيلة آل مرة ربما يجعلها تسيطر على مجلس الشورى مما قد يترتب عليه ظهور تكتل سياسي وقبلي خارج عن سيطرة النظام.

(&) السيناريو الثاني يتمثل في: قيام نظام الحكم في قطر وبموجب نص قانون الانتخابات بتعيين عدد من أعضاء قبيلة آل مرة في مجلس الشورى، حيث يعطي القانون للأمير تعيين 15 عضو في المجلس. إلا أن هذا السيناريو ربما يتم رفضه من قبل المريين، نظرًا للثقل الذي يتمتعون به، بالإضافة إلى أن من غير الوارد أن يقوم الأمير بتعيين الـ 15 عضوًا من المريين فقط.

(&) السيناريو الثالث ويتمثل في: رفض الانصياع للاحتجاجات القائمة، مع فرض مزيد من القمع تجاه التظاهرات. ويمكن لهذا السيناريو أن يزيد من اشتعال الأزمة؛ خاصة في ظل وجود اتهامات من قبل الدوحة بدعم قوي خارجية لهذه الاحتجاجات. وكان الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، رئيس وزراء قطر الأسبق قد حذر مما وصفها بمحاولات زعزعة الاستقرار في بلاده وتحويل نقاش عام حول ملاحظات بشأن قانون الانتخاب، وشحن الأجواء بين أبناء الشعب.

(&) السيناريو الرابع: لجوء نظام الحكم في قطر إلي تأجيل الانتخابات المقرر عقدها في شهر أكتوبر القادم وعدم عقدها في مواعيدها المقررة إلى أن تهدأ الأمور وتستقر الأوضاع، خاصة في ظل انتشار موجة جديدة من فيروس كورونا المستجد “كوفيد -19” والتي من الممكن أن يستند إليها النظام الحاكم هناك.

هيثم عمران

باحث بوحدة دراسات الأمن الاقليمي - مدرس مساعد قسم العلوم السياسية كلية السياسة والاقتصاد جامعة السويس. وباحث مشارك مع عدد من المراكز العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى