نحو إستراتيجية شاملة لمواجهة معضلة الندرة المائية (٢/٢)

د. أحمد يوسف أحمد

بدأت مقالة الأسبوع الماضى بأن معضلة الندرة المائية أوسع من مشكلة السد الإثيوبى فهى موجودة قبله وسوف تتفاقم بعده، ولذلك فإن معركة تأمين المياه طويلة وشاملة وشاقة ومتنوعة الأدوات داخلياً وخارجياً ولابد فيها من الانتصار الذى نملك مقوماته طالما أحسنا استخدامها، وقد تناولت فيما سبق استخدام القوة غير المباشرة والتحركات الدبلوماسية كأداتين أساسيتين وأتناول هنا الأداة الإعلامية والتحرك الداخلى المطلوب وأختم بطرح فكرتين لابد من الاهتمام بهما من المنظور بعيد المدى تتعلقان بمشاريع السدود المستقبلية بإثيوبيا وباقى دول حوض النيل والزيادة السكانية فى مصر.

وقد اكتسب الإعلام أو الدعاية كأداة للسياسة الخارجية أهمية فائقة منذ الحرب العالمية الثانية وفى أعقابها، واستخدمته مصر فى خمسينيات القرن الماضى وستينياته أفضل استخدام كما تُثبت تجربة «صوت العرب» والإذاعات الموجهة لإفريقيا، ونحتاج اليوم بإلحاح لاستخدامه على كل المستويات بدءاً بالرأى العام الإثيوبى الذى سممته حكوماته المتعاقبة بأفكار مضللة تبدو واضحة فى الخطاب الإثيوبى الرسمى، ورغم ما هو معروف من أن الدعاية تكون أقل تأثيراً على الجمهور المتشدد إلا أن استخدامها تجاه الشعب الإثيوبى يبقى ضرورياً على الأقل لتخفيف حدة المشاعر السلبية تجاه كل ما يرتبط بمصر، بالإضافة إلى أهمية معرفة إمكانية وجود قطاعات غير مستفيدة من السد ومن ثم قد لا تتحمس له وفرص التأثير عليها، كما يجب أن تمتد الدعاية بطول القارة الإفريقية وعرضها لخلق مناخ متفهم لوجهة النظر المصرية لأن الظاهر من مواقف الدول الإفريقية أنها لا تختلف إلا قليلاً عن العموميات التى اتسم بها الجدل الذى ساد مناقشات مجلس الأمن، وبعد ذلك يأتى المستوى العربى لترسيخ التأييد للموقفين المصرى والسودانى خاصة وأن مشكلة الندرة المائية لا تخصهما وحدهما وإنما تكاد أن تكون مشكلة عربية عامة، ثم المستوى الدولى الذى يمكن أن نحقق فيه إنجازاً فى الدول الديمقراطية التى يلعب الرأى العام فيها دوراً مؤثراً شريطة التركيز على مراكز الثقل فى هذا الرأى.

أنتقل بعد ذلك إلى الإجراءات المطلوبة على الصعيد الداخلى وأبدأ بملاحظتين مهمتين أولاهما أننى سمعت أعجب ما يمكن أن يُقال على هذه الإجراءات، وهو أن التحركات الداخلية تعنى تسليماً بالهزيمة فى معركة السد الإثيوبى، وهو قول عبثى لأننا نعانى من الفقر المائى بالفعل مما يجعلنا فى مسيس الحاجة إلى إجراءات الترشيد المائى بغض النظر عن نتيجة المعركة الراهنة، أما الملاحظة الثانية فأسجل فيها أن الحكومة المصرية تهتم بالفعل بمعظم هذه الإجراءات وبالتالى فإن المطلوب هو الإسراع بالخطى وتكثيفها وتطويرها فى هذا الاتجاه، وترد فى هذا السياق كل الآليات المتعلقة بترشيد استخدام مياه الرى سواء ما يتعلق منها بطرق الرى الحديثة الموفرة للمياه أو زراعة المحاصيل الأقل شراهة للمياه أو تبطين الترع للتقليل من الفاقد فيها والنظر فى الأفكار التى ترى أن الأنابيب قد تكون أكثر جدوى من تبطين الترع، ويجب أن يمتد الترشيد إلى مياه الشرب التى يحدث فيها هدر هائل لأسباب يمكن تداركها وبالذات فى المؤسسات الحكومية والتعليمية ودور العبادة وغيرها، وعودة إلى مياه الرى يجب التوسع ما أمكن فى الاستفادة بالتطور العلمى فى موضوع الزراعة بالمياه التى تحتوى نسبة ملوحة معينة مع الحفاظ على سلامة التربة، والعمل بأقصى الجهد للاستفادة من التقدم فى الهندسة الوراثية الذى يتيح آفاقاً غير محدودة لزيادة الإنتاجية باستخدام نفس كمية المياه، والتوسع فى تحلية المياه وتسخير جهود الجماعة العلمية المصرية لتقليل تكلفتها إلى أدنى حد ممكن، والتفكير الجاد فى مشروعات زراعية مصرية فى دول الوفرة المائية التى تربطها علاقات ودية بمصر فى حوض النيل، والدراسة الجادة لمشروعات زيادة إيرادات نهر النيل للتوصل إلى نتائج محددة حول جدواها، وفى كل هذه الأفكار السابقة وغيرها يجب أن يكون سلاحنا الأول هو العلم والتكنولوجيا اللذان يفتحان آفاقاً واسعة لزيادة الموارد المائية المصرية، وأحلم بمؤتمر يشارك فيه باحثو مصر وعلماؤها من كافة التخصصات العلمية والتكنولوجية المرتبطة بكل ما يتعلق بالمياه، وثقتى مطلقة بأن العقل المصرى قادر إذا ما توافرت له الإمكانات والإطار المناسب على أن يضطلع بدور حيوى فى مواجهة معضلة الندرة المائية.

تبقى مسألتان لابد من طرحهما على بساط التفكير والبحث فيما يتعلق بمواجهة معضلة الندرة المائية تتعلق أولاهما بمشاريع السدود الأخرى على نهر النيل سواء تلك التى تخطط لها إثيوبيا أو غيرها من دول الحوض، وهى مشاريع قد يبدأ وضعها موضع التنفيذ فى المستقبل القريب، ويجب أن تكون هناك متابعة دقيقة للأفكار والنوايا والخطط المتعلقة بهذه المشروعات وتأثيرها علينا وإمكانات تنفيذها حتى نتمكن من التخطيط المبكر للتعامل معها بما يحقق التوازن بين المصلحة المصرية ومصالح تلك الدول بما فى ذلك وضع استراتيجية إقليمية تعاونية تحقق مصلحة الجميع، أما المسألة الثانية فهى مشكلة الأمس واليوم والغد وهى الزيادة السكانية التى لا تمثل عبئاً ثقيلاً على مواردنا المائية فحسب وإنما على كل ثمار التنمية رغم وجود من يرى العكس، ومن المعروف أن ثمة خبرة مصرية ممتدة فى محاولات ضبط الزيادة السكانية دون جدوى مما يشير إلى جوانب نقص أكيدة فى هذه المحاولات، ولقد أبدت القيادة السياسية فى الآونة الأخيرة اهتماماً خاصاً بمواجهة هذه المشكلة لكن مؤسسات الدولة والمجتمع المدنى لم تبد حتى الآن الاستجابة المتناسبة مع خطورة المسألة فلعلنا هذه المرة نحاول تحقيق نقلة نوعية فى ضبط الزيادة السكانية من أجل مستقبل أكثر أمناً لمصر.

نقلا عن الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى