حركة النهضة وصناعة الصورة الذهنية

د. نيفين مسعد

تُعّد الصورة الذهنية من أهم عوامل تشكيل موقف الرأى العام فى الداخل والخارج تجاه قضية معينة،وهذه الصورة لا يُشترَط فيها الصدق كى تؤثر على نطاق واسع،لكن يُشتَرط فيها الإحكام والحبكة الفنية حتى يقتنع بها المتلقى.ومع التطور الكبير فى وسائل التكنولوچيا تزايدت المهارات المستخدمة فى صناعة الصورة الذهنية، وأصبح التحقق من مصداقيتها عملية بالغة الصعوبة.وتتمتع حركات الإسلام السياسى بمهارة كبيرة فى إنتاج الصور الذهنية عن نفسها وفى تسويقها،وتقف وراء ذلك آلة بل آلات إعلامية ضخمة تحظى بميزانيات مفتوحة وطاقات بشرية معتبرة، فضلًا عن دعم خارجى لا يمكن التغافل عنه.وذلك أن جزءًا من انتشار الصورة الذهنية التى تصنعها حركات الإسلام السياسى لنفسها مرتبط باستعداد الإعلام العالمى لاستقبالها وتبنيها تارة بدعوى تحقيق الديمقراطية وتارة أخرى بدعوى الحفاظ على الاستقرار السياسى،لكن للتاريخ ذاكرة تحتفظ بكل تقلبات الأطراف الخارجية فى التعامل مع حركات الإسلام السياسى ويكفى النموذج الأفغانى وحده دليلًا. لا تختلف حركة النهضة التونسية عن سواها من حركات الإسلام السياسى فى براعة إنتاج الصورة البرّاقة عن نفسها كحركة ديمقراطية تتمسك بالدستور وتدافع عن التعددية السياسية.وفى الأيام القليلة الماضية اشتغلت الآلة الإعلامية النهضوية بهمّة من أجل نشر هذه الصورة على أوسع نطاق ممكن كمدخل لرفض قرارات ٢٥يوليو التى اتخذها الرئيس قيس سعيد.على المستوى البصرى كانت صورة راشد الغنوشى رئيس الحركة ورئيس البرلمان وهو يقف مع نائبته عن حزب قلب تونس السيدة سميرة الشواشى وعدد من النواب أمام أبواب البرلمان المغلقة صورة بالغة الدلالة لفّت العالم كله، ونقلها معظم الفضائيات لبيان المفارقة التى يجسدها وجود النواب خارج البرلمان المعبّر عن إرادة الشعب.وعلى المستوى المسموع والمقروء أدلى الشيخ راشد بالعديد من الأحاديث للفضائيات العربية والإقليمية والدولية،وكتب مقالات فى صحف كبرى مثل صحيفة نيويورك تايمز.وفى كافة تلك المحافل على تنوعها فإن الأفكار التى ركّز عليها راشد كانت هى التالية: إن حركة النهضة هى مرجع للديمقراطية بعد ٢٩عامًا من الديكتاتورية (نلاحظ وصف الحركة بمرجع الديمقراطية،وفى موضع آخر اعتبر أن استهداف حركة النهضة هو استهداف للديمقراطية التونسية). فكرة أخرى هى أن تونس صنعت دستورًا أشاد به العالم لكن: اليوم يتم تمزيق الدستور التونسى من قِبل الرئيس قيس سعيد الذى قال إن أفعاله اتُخِذَت من أجل إعادة السلام الاجتماعى للبلاد وإن إجراءاته مؤقتة، لكن على العكس من ذلك فإن هذه القرارات تؤسس لنظام ديكتاتورى (نلاحظ الإشارة إلى تمزيق الدستور التونسى والتعامل مع ذلك بوصفه عملًا مؤسِسًا للديكتاتورية، وفِى موضع آخر قال إن حكم الفرد لا يحّل المشكلات الاقتصادية ويقود لزيادة الفساد والمحسوبية وانتهاكات الحقوق الفردية وعدم المساواة).هذه هى الصورة الذهنية التى صدّرتها حركة النهضة للعالم بكل الوسائل الممكنة، وهى صورة تحتاج إلى تفكيكها بتأنٍ.

فى 20-٢٢مايو ٢٠١٦ انعقد المؤتمر العام العاشر لحركة النهضة بمدينة الحمّامات التونسية وقام بتنقيح النظام الأساسى للحركة والمصادقة عليه.المؤتمر العام هو أعلى هيئة فى الهيكل التنظيمى لحركة النهضة ويجتمع مرة كل أربع سنوات،ويأتى بعده مجلس الشورى والمكتب التنفيذى. وتحت عنوان رئيس الحزب يقول الفصل رقم ٣١ من النظام ما نصّه: «ولا يحّق لأى عضو أن يتولّى رئاسة الحزب لأكثر من دورتين متتاليتين (أى ٨سنوات) ويتفرغ رئيس الحزب فور انتخابه لمهامه». ولمّا كان الشيخ راشد هو رئيس الحزب ليس فقط لمدة دورتين متتاليتين بل لأكثر من نصف قرن،فهذا معناه أنه كان لابد أن يحدث تداول للسلطة عند انعقاد المؤتمر العام الحادى عشر فى ٢٠٢٠، لكن المؤتمر لم ينعقد حتى تاريخه.وفى تبرير تأجيل انعقاد المؤتمر العام سيقت مبررات كثيرة من نوع: أن الحزب فى ٢٠٢٠ كان خارجًا لتوه من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية فى عام ٢٠١٩، وبالتالى لم يكن لديه وقت كاف للتحضير للمؤتمر العام،وأن هناك أزمة اقتصادية كبيرة تتطلب التفرغ لها وتركيز الاهتمام كله عليها،وطبعًا هناك الظرف الخاص بوباء كورونا.ثم دخل الشيخ راشد فى لُبّ موضوع تداول السلطة داخل الحزب وميّز لنا تمييزًا عجيبًا بين وضع السياسيين والقادة الذين يتم استبدالهم عبر الانتخابات لأنهم يخضعون لعوامل التهرئة الناتجة عن الحكم, وزعماء الأحزاب الذين وصفهم بقوله إن: جلودهم خشنة، وكان ذلك فى موقع رده على عريضة وقّعها ١٠٠من أعضاء الحركة دعوه فيها للإعلان عن عدم ترشحه لرئاسة الحركة/الحزب مجددًا. فى التعليق على ما سبق توجد ملاحظات ثلاث،الأولى هى التمييز الفريد بين السياسيين والقادة ذوى الجلود المهترئة بفعل طول المكوث فى السلطة من جانب، وزعماء الأحزاب ذوى الجلود الخشنة من جانب آخر، وكأن زعماء الأحزاب ليسوا سياسيين، أو كأن رئاسة الأحزاب ليست سلطة، وأن تداول هذه السلطة هو مبدأ ديمقراطى بامتياز، بل هو حجر الزاوية فى أى تجربة ديمقراطية.الملاحظة الثانية أن النظام الأساسى لحركة النهضة هو فى منزلة الدستور بالنسبة للدولة، وبالتالى فإن الانقلاب على الفصل ٣١فيه هو انقلاب على الدستور. وطالما أن الشيخ راشد يرى أن زعيم الحزب لا ينطبق عليه مبدأ تداول السلطة فلماذا لم يسهّل انعقاد المؤتمر العام في٢٠٢٠ وفيه كان يمكن لمجلس الشورى اقتراح تعديل مدة بقاء رئيس الحزب فى موقعه ؟إن الفصل ١٣٤ وهو الفصل الأخير فى النظام الأساسى يسمح بالتعديل وينص على الآتى: يمكن تنقيح النظام الأساسى بالأغلبية المطلقة للمؤتمِرين، فطريق الدستورية إذن متاح.الملاحظة الثالثة أن الغنوشى استاء من طريقة تقديم العريضة التى دعته للتنحى من خلال وفد حملها إليه ليلًا ووصف ذلك بكونه, شبيهًا بما يفعله عادة بعض الچنرالات الذين يأتون فجرًا إلى رؤساء الدول لتنحيتهم، وكأنه اعتبر أن المطالبة بإنفاذ دستور الحركة تشبه الانقلاب العسكرى،فأى خلط هذا وأى تلبيس؟. شيخ راشد إنك تدعو للديمقراطية والدستورية داخل النظام التونسى وهذا جيد، لكن ليت أنك تلتزم بالدعوة نفسها داخل حركة النهضة.

نقلا عن جريدة الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى