تحريك اضطراري: ما هي انعكاسات قرار الرئيس “السيسى” برفع سعر رغيف الخبز؟

جاء توجيه الرئيس “عبد الفتاح السيسى” للحكومة بضرورة رفع سعر رغيف الخبز المدعم، معبرًا عن ذلك بعبارة “حان الوقت لرفع سعر رغيف الخبز”، وذلك خلال افتتاحه المدينة الصناعية الغذائية “سايلو فودز” بمدينة السادات بمحافظة المنوفية وافتتاح عددا من المشروعات الأخرى بمدن الدلتا فى الثالث من أغسطس 2021- ليثير العديد من التساؤلات لدى الشارع المصرى بشأن تداعيات هذا القرار وتأثيره على المستوى المعيشى للمواطنين، وعما إذا كان الدعم الحالى للرغيف الواحد له تأثير سلبى على الموازنة العامة للدولة بالفعل أم لا، لاسيما وأن القيادات السياسية للدولة المصرية من قبل اعتادت أخذ قرارات رفع ثمن رغيف الخبز على استحياء من المواطن الذى طالما اعتبر أن المساس بهذا النوع من الدعم بمثابة قرارا مرفوضًا لما له من بالغ الأثر على محدودى الدخل، فى حين أن ثبات السعر الحالى لرغيف الخبز منذ ثلاثين عامًا يعطى الدولة الحق فى تحريكه بما يضمن الإدارة السليمة لمنظومة الدعم ومواصلة تقديم السلعة بجودة مناسبة وضمان كفاءة تخصيص الموارد والاستخدامات، وفى التقرير الحالى رد على كل هذه التساؤلات.

دعم رغيف الخبز بالموازنة العامة:

يعتبر دعم رغيف الخبز بند أساسي ضمن مخصصات دعم السلع التموينية بالموازنة العامة للدولة، المقدرة بـ 87.2 مليار جنيه فى العام المالى الحالى 2022/2021، منهم مبلغ 44.9 مليار جنيه لدعم رغيف الخبز فقط و2.6 مليار لدعم دقيق المستودعات و3.2 مليار لدعم نقاط الخبز و36.6 مليار لدعم السلع التموينية، بما يعنى أن الدعم المتوجه لرغيف الخبز وحده يشكل 51% من مخصصات دعم السلع التموينية، ودعم دقيق المستودعات ونقاط الخبز تشكل 6.5% من المخصصات، ويبلغ عدد الأفراد الذين تغطيهم منظومة دعم الخبز نحو 71 مليون مستفيد بواقع 5 أرغفة فى اليوم للمستفيد الواحد.

المصدر إعداد الباحثة، بالاعتماد على البيان المالى لموازنة 2021/2022

وفى الوقت الذى اتجهت فيه الدولة المصرية إلى إصلاح منظومة الدعم بالموازنة العامة واتخاذ إجراءات لترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة إنتاج واستخدام موارد الدولة منذ تطبيق المرحلة الأولى ببرنامج الإصلاح الاقتصادى فى نوفمبر 2016، ظل سعر رغيف الخبز كما هو بدون تغيير منذ عام 1988، وهو مبلغ 5 قروش، فى حين أصبح مبلغ تكلفته الأساسية على الدولة المصرية يقدر بـ 65 قرش، وإذا نظرنا إلى تطور سعر الرغيف منذ الثمانينات، نجد أنها زادت مرتين على التوالى، كانت المرة الأولى عام 1984 حين تم رفع السعر من 0.5 قرش إلى 2 قرش، ثم رفعه مرة أخرى بعد أربعة أعوام فقط إلى 5 قروش.

ومنذ تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادى فى نوفمبر 2016، لم يتم المساس برغيف الخبز سوى اتخاذ قرار فى العام الماضي 2020/2021 بخفض وزن الرغيف المدعم بنحو 20 جرامًا ليصبح وزنه 90 جرامًا، وهو الوزن الذى كان ينتج به أصحاب المخابز بالمخالفة للمواصفات المفروضة من قبل وزارة التموين، والتى كانت تسمح بالتحرك فى الوزن بموجب 10 جرام فقط كما كانت هناك مخالفات أخرى بخفض الوزن بأكثر من 30 جرام، وقد ساعد هذا القرار على زيادة معدل إنتاجية أجوال الدقيق الواحد البالغ وزنه 100 كيلو لتصل إلى 1450 بدلاً من 1250 رغيفًا، وساهم أيضًا في ضبط وإحكام منظومة الإنتاج والرقابة.

من المستفيد من رفع سعر رغيف الخبز؟:

فى ظل تساؤل الكثيرون عن من المستفيد من رفع سعر رغيف الخبز المواطن أم الدولة المصرية فيما يتعلق بمخصصات المصروفات بالموازنة، وينظر آخرون إلى هذا التوجيه الرئاسى بأنه ضد مصلحة محدودى الدخل والفقراء، سيتم تفنيد ذلك فيما يلى:

(*) الموازنة العامة وميزان المدفوعات: لاشك أن رفع سعر رغيف الخبز سيكون له أثره الواضح فى مخصصات المصروفات بالموازنة العامة للدولة من حيث خفض مخصصات دعم الرغيف ودعم نقاط الخبز، وبالتالى سيمنح هذا لوزارة المالية فرصة بإعادة تخصيص هذه النفقات إما من من خلال تحويلها إلى دعم سلع البطاقات التموينية بزيادة عدد المستفيدين منها وإضافة مواليد جدد أو تحويلها إلى المساهمة فى صناديق المعاشات أو زيادة أجور العاملين، أو من خلال توجيهها إلى تطوير التعليم والصحة والاستثمارات.

كما أن رفع سعر الرغيف سيكون له مردوده الإيجابى فى ترشيد استهلاك المواطنين للخبز، والذى أصبح يستخدمه الكثيرون لتغذية للحيوانات والطيور فى ظل انخفاض سعره مقارنة بالأعلاف، فبإجراء معادلة بسيطة لعدد أرغفة الخبز التى يستهلكها الفرد الواحد سنويًا (5*360 يوم) نجد أنها تساوى 1800 رغيف. وبالتالي فإن انخفاض الدعم الموجه للخبز من خلال رفع سعره من جهة، وخفض الاستهلاك من جهة أخرى سيساهم فى تراجع كمية القمح المطلوب توفيرها للدعم، والتى قُدرت بنحو 8.610 مليار  طن بموازنة العام المالى الحالى 2021/2022 (5111 مليون طن مستورد و3500 مليون طن محلى)، منهم 7960 مليون طن قمح لتوفير 89 مليار رغيف.

 

المصدر إعداد الباحثة، بالاعتماد على البيان المالى لموازنة 2021/2022

وبالتالى، فإن رفع سعر رغيف الخبز سينعكس إيجابيا على الموازنة العامة للدولة بخفض مخصصات دعم رغيف الخبز وإعادة توجيه هذه النفقات بما يصب فى مصلحة المواطنين، وخفض كمية القمح المستورد سنويًا نتيجة ترشيد الاستهلاك المتوقع من هذه القرار واستبدال المواطنين لنقاط الخبز الزائدة بالسلع، بما ينعكس إيجابيا أيضًا على أداء ميزان المدفوعات ويعطى الدولة المساحة فى تعزيز السعى الحالى لتحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح فى ظل ما يتم إنشاؤه من مشروعات قومية عملاقة للإنتاج الزراعى، كمشروع الدلتا المشروعات القومية العملاقة للإنتاج الزراعى (الدلتا الجديدة) وتخفيض المُهدر منه بإنشاء صوامع جديدة وإتباع أحدث الأساليب التكنولوجية فى عملية التخزين حتى وصلت السعة التخزينية للأقماع فى الصوامع الى 3.5 مليون طن بعدما كانت لا تتجاوز 1.5 مليون طن.

(*) أصحاب المخابز: يسمح ارتفاع سعر رغيف الخبز بتحقيق استفادة لأصحاب المخابز بعد العديد من المطالبات من قبل الشعبة العامة للمخابز برفع سعر الرغيف منذ اتخاذ قرار العام السابق 2020/2021 بزيادة تكلفة جوال القمح من 215 جنيه إلى 265 جنيه مع زيادة إنتاج عدد الأرغفة لكل جوال، حيث يتم صرف الدقيق مجانا لأصحاب المخابز، ويحصل صاحب المخبز على 127.9 عند بيع كل ألف رغيف يتم ضربهم على ماكينة الصرف.

(*) المستفيدين من الدعم: ينظر الكثيرون إلى المستفيد من دعم رغيف الخبز بأنه المتضرر الأول والأخير من رفع سعر رغيف الخبز، ولكن تتمثل الحقيقة فى أن نظرة المواطن هى دائما نظرة ضيقة متمثلة فى أن الدعم الذى يستفيد منه ما هو  إلا دعم للخبز والسلع التموينية، تقابلها نظرة أوسع من قبل الدولة لمفهوم الدعم، والذى يشتمل على بنود أخرى بخلاف هذا النوع من الدعم، حيث سمحت عملية إصلاح منظومة الدعم التى تطبقها الدولة منذ عام 2016 بتحقيق العديد من المزايا التى تصب أولا فى مصلحة المواطن، وذلك من خلال إعادة توزيع هيكل  مخصصات الدعم والتى ساهمت فى زيادة الدعم الموجه إلى المواد الغذائية ليشكل 27.1% من مخصصات الدعم وتشكل المساهمة فى صناديق المعاشات 42% من هذه المخصصات بموازنة العام الحالى 2021/2022، مقابل 20% و4% فى العام  على التوالى فى العام 2011/2012، بعد أن كانت مخصصات دعم الوقود تتجاوز أكثر من 60% من مخصصات الدعم.

المصدر إعداد الباحثة، بالاعتماد على البيان المالى لموازنة 2021/2022

هذا إلى جانب تطبيق برنامجى  “تكافل وكرامـة” منذ مارس 2015 بتمويل من الحكومة المصرية بجانب قرض من البنك الدولى، والذى يستهدف دعم الأسر تحت خط الفقر، وضمان تحقيق الرعاية الصحية للأمهات والأطفال وتحقيق معدلات أعلى فى التحاق أبناء الأسر الفقيرة بالتعليم، وقد زادت النفقات العامة الموجه إلى معاش “تكافل وكرامة”،  لتصل إلى 19 مليار جنيه منذ العام المالى السابق 2020/2021 ويستفيد به أكثر من 3.6 مليون أسرة من الأسر الأقل دخلا مقارنة بـ 17.5 مليار في العام المالى 2018/2019، و13 مليار للعام 2016/2017.

المصدر إعداد الباحثة، بالاعتماد على البيان المالى لموازنة 2021/2022

كل هذا بخلاف برامج الرعاية الصحية وتقنين وحماية أوضاع العمالة المنتظمة ودعم تنمية الصعيد، وغيرهم من مخصصات الدعم والمنح الاجتماعية، والتى تشكل 17.5%من النفقات العامة بموازنة العام المالى الحالى، وزيادة مخصصات التعليم والصحة بالموازنة، والمشروع القومي لتطوير وتنمية قرى مصر هو المشروع الأضخم من نوعه لتطوير البنى التحتية في محافظات مصر وتحسين حياة المواطنين، والذى يستهدف رفع كفاءة وتطوير 4741 قرية وتوابعها 30888عزبة وكفرا ونجعا بتمويل مصرى 100%.

المصدر إعداد الباحثة، بالاعتماد على البيان المالى لموازنة 2021/2022

(*) تأثير طفيف على معدل التضخم والمستويات المعيشية للمواطنين: يعتقد الكثيرون أن رفع سعر رغيف الخبز سيقابله ارتفاع كبير فى مستويات أسعار السلع ومعدل التضخم، لكن الحقيقة لا يوجد أي ربط بين سعر رغيف الخبز وغيره من السلع نظر لأن الرغيف لا يدخل كسلعة وسيطة فى إنتاج غيره من السلع، بل هو منتج نهائى يتم بيعه، وفيما يخص هذا الأثر على معدل التضخم فهو ضئيل للغاية، حيث تشكل مجموعة الحبوب والخبز نحو 2%  فقط من الوزن النسبى للرقم القياسى لحساب التضخم، كما أن قرار رفع سعر رغيف الخبز لا يعنى أن تكلفة بيعه للمواطن ستكون مساوية لتكلفه إنتاجه الحقيقية،  بل سيظل من ضمن منظومة الدعم.

المصدر إعداد الباحثة، بالاعتماد على إحصائيات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء

كما تراعى الدولة باستمرار تعويض ارتفاع الأسعار وتغير الظروف المعيشية من خلال زيادة باب الأجور وتعويضات العاملين، بشكل يستهدف تحقيق معدل نمو سنوى للأجور يفوق معدل التضخم، فإذا نظرنا إلى تطور بند الأجور وتعويضات العاملين بالموازنة العامة منذ عام 2015/2016، نجد أنها شهدت نموا بلغ 69% لتصل إلى 361.1 مليار جنيه بموازنة العام المالى الحالى 2021/2022 مقارنة بـ  213.7 مليار فى العام 2015/2016.

المصدر: إعداد الباحثة، بالاعتماد على البيان التمهيدى لموازنة 2021/2022

وأخيرا، يمكن القول أن قرار رفع سعر رغيف الخبز الذى تعكف وزارة المالية حاليا على دراسته سيكون له مردود إيجابي على الموازنة العامة للدولة والمواطن، وأن جميع مخاوف المواطنين المتعلقة بارتفاع أسعار السلع الأخرى ورفع معدلات التضخم بشكل كبير، ما هى إلا مخاوف واهية، وسيظل المستفيد الأول والأخير من جميع القرارات المتعلقة بإعادة توجيه المصروفات العامة للدولة، هو المواطن والأجيال القادمة.

 

 

 

 

 

 

قمر ابو العلا

باحثة بوحدة الدراسات الاقتصادية باحثة اقتصادية، وحاصلة على ماجستير في الاقتصاد، جامعة القاهرة، شاركت في العديد من التقارير الاقتصادية والاجتماعية في الشئون المصرية والخارجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى