انشقاقات ممتدة: إلى أين تتجه الخلافات داخل حركة النهضة التونسية؟

لا يزال المشهد الراهن في تونس يطغى عليه حالةً من عدم الوضوح، في انتظار ما ستؤول إليه التطورات المتلاحقة التي ستحدد بشكل كبير مستقبل الحياة السياسية في البلاد خلال الفترة المقبلة، إلا أن القرارات الأخيرة التي أتخذها الرئيس التونسي “قيس سعيد” كشفت النقاب عن مدى التصدع الداخلي في حركة النهضة التونسية بين أجنحتها المختلفة، فقد شهدت الأيام الأخيرة تصاعداً واضحاً في حدة غضب كثير من قيادات الحركة، خاصةً من قبل مجلس شبابها والذي يُحمِّل القيادات الكبيرة في الحزب مسئولية الأزمات المتفاقمة التي تواجهها الحركة والتراجع الكبير في شعبيتها، وقد تبلورت ملامح هذا التصدع في التصريحات والخطوات التي أتخذها كثير من عناصر حركة النهضة والتي تعكس مؤشرات هامة بشأن احتمالات حدوث انشقاقات داخلية أو تغييرات هيكلية في قيادة الحركة على أقل تقدير، وذلك في ظل محاولات النهضة لملمة أوراقها وإعادة التموضع لتفادي خروجها من المشهد، وفي هذا الإطار تسعى هذه الورقة لقراءة تحليلية في المواقف الأخيرة لأعضاء حركة النهضة، والتداعيات المحتملة لذلك، وما إذا كانت هذه التطورات ستفرز انشقاقات يمكن أن تؤدي إلى انهيارها؟ أم أن قيادات الحزب ستتجه للتهدئة وتقديم تنازلات كنوع من المناورة لتجاوز الأزمة الراهنة؟.

تصحيح المسار:

في بيان صادر عن 130 عضواً من حركة النهضة التونسية، وتحت عنوان “تصحيح المسار”، طالب هؤلاء الأعضاء رئيس الحركة “راشد الغنوشي” بتغليب المصلحة الوطنية، واتخاذ ما يلزم من قرارات وإجراءات من أجل عودة البرلمان إلى مسيرته الطبيعية، وقد دعا الموقعون على هذا البيان (والذين تضمنوا أعضاء من المكتب التنفيذي لحركة النهضة وأعضاء من مجلس الشورى للحركة فضلاً عن 5 نواب من البرلمان) قيادة الحزب إلى “تحمل المسئولية كاملة بشأن التقصير في تحقيق مطالب الشعب وتفهم حالة الغليان والاحتقان”، كما طالب البيان بضرورة حل المكتب التنفيذي للحزب، معربين عن اقتناعهم بأن سياسات الحركة فشلت في الاستجابة لمطالبات الشعب.

وفي أعقاب ذلك، تم الدعوة إلى انعقاد اجتماعا طارئاً لمجلس شورى حركة النهضة بعد ساعات قليلة من إعلان بيان “تصحيح المسار” من قبل بعض الأعضاء، إلا أن “الغنوشي” عمد إلى تأجيل الاجتماع لأجل غير مسمى وذلك قبل ساعة واحدة من موعد انعقاده، في ظل الانقسامات التي برزت بين تيارين داخل الحركة، يضم التيار الأول العناصر التي تطالب بضرورة التصعيد ضد قرارات الرئيس “قيس سعيد” ويقود هذا التيار “راشد الغنوشي”، مقابل تيار آخر يرى ضرورة التهدئة والتعامل مع الواقع الراهن لتجنب مزيد من السخط الشعبي، وقد طالب التيار الأخير أيضاً بضرورة استقالة “الغنوشي” كخطوة هامة لحلحلة الأزمة، ولعل هذا ما دفع الأخير للدفع نحو تأجيل الاجتماع للبحث عن مناورة جديدة تضمن بقائه في منصبه.

مقترح جديد لشباب النهضة:

أصدر المجلس الوطني لشباب حركة النهضة بياناً في مطلع أغسطس الجاري، طالب فيه رئيس الحركة بضرورة “تشكيل قيادة وطنية للإنقاذ تتضمن كفاءات شبابية تكون بداية لمسار التجديد في القيادة التنفيذية داخل الحزب لإنقاذ المسار السياسي في البلاد”، كما دعا البيان إلى “ضرورة الإسراع في تقييم موضوعي لتجربة الحركة في الحكم وتحرير الشباب من الخلافات الداخلية، مع أهمية المبادرة إلى حوار مع رئيس الجمهورية والقيام بالتوافقات اللازمة من أجل مصلحة الوطن”.

وقد سبق هذا البيان اجتماع آخر عقده المكتب التنفيذ للنهضة قبل بيان المجلس الوطني لشباب النهضة بيوم واحد، حيث شهد هذا الاجتماع تقديم اقتراح بتشكيل حكومة لا تتضمن مشاركة حركة النهضة، والدعوة إلى حوار يمهد الطريق أمام تنظيم انتخابات برلمانية مبكرة، وفي الواقع ينطوي هذا المقترح على مناورة من قبل أعضاء المكتب التنفيذي للنهضة، تستهدف من خلالها التهدئة لتجاوز هذه المرحلة عبر ركود استراتيجي مؤقت قبل العودة مرة أخري لمحاولة الهيمنة على المشهد السياسي، حيث تحاول الحركة ترك المجال أمام الرئيس “قيس سعيد” في ظل الأزمات المتفاقمة التي تواجهها البلاد بسبب السياسات الكارثية التي انتهجتها الحركة خلال السنوات الماضية، حيث تتوقع الحركة بأن الرئيس ربما لن يتمكن من حلحلة هذه الأزمات المعقدة، وهو ما ستسعى الحركة لاستغلاله في تأجيج الشارع ضده، ومن ثم العودة مرة أخرى لتصدر المشهد.

انسحابات عديدة:

بعد أسبوع من تأجيل اجتماع مجلس شورى حركة النهضة من قبل رئيسها “راشد الغنوشي”، تم عقد الاجتماع في الـ 4 من أغسطس الجاري، والذي شهد خلافات داخلية حادة تمخض عنها انسحابات العديد من أعضاء المجلس اعتراضا عن مضمون الحوار الذي تضمنه الاجتماع، وذلك نظراً لتعنت التيار المطالب بالتصعيد، وقد عبر بعض هؤلاء الأعضاء عن رفضهم لأي قرارات تصدر عن مجلس شورى الحركة، ومن أبرز هؤلاء الأعضاء كانت القيادية “جميلة كسيكسي” والتي أشارت إلى أن هناك أكثر من 20 قيادي في الحركة يتبنون نفس هذا التوجه.

وعلى الرغم من أنه لم يصدر بياناً رسمياً في أعقاب الاجتماع يعبر عن موقف موحد للحركة، إلا أن الصفحة الرسمية لحركة النهضة على الفيس بوك أعلنت أن رئيس الحركة “راشد الغنوشي” قد أقر بقرارات رئيس الجمهورية الأخيرة واصفاً إياها بأنها تمثل فرصة متاحة أمام الإصلاح، وهو ما أكده القيادي بالنهضة “سامي الطريقي” فيما سارع عضوا مجلس الشورى بالحركة “رفيق عبد السلام” و”أسامة بن سالم” إلى تكذيب أي تغير في موقف “الغنوشي”، معتبرين تصريحات “الطريقي” تعبر فقط عن رأيه الشخصي.

هل تنتهي حقيبة الغنوشي؟:

عكس الاجتماع الأخير لمجلس شورى حركة النهضة عن مدى التخبط والتشرذم الداخلي في الحركة، فعلى الرغم من إشارة بعض القيادات إلى تغير في موقف رئيس الحركة من الدعوة نحو التصعيد إلى محاولة التهدئة، وهو ما عبرت عنه صفحة الحركة على الفيس بوك، إلا أن الصفحة ما لبثت أن حذفت هذا المنشور دون إبداء أي أسباب، مع تأكيد قيادات أخرى داخل الحركة أن هذه التصريحات تبدو مخالفة لما تمت مناقشته خلال الاجتماع، وهو ما دفع بعض التقارير للإشارة بأن الانقسامات داخل الحركة لم تعد قاصرة فقط على الموقف من قرارات الرئيس “قيس سعيد” فقط، بل أضحت مرتبطة أيضاً بمستقبل “الغنوشي” ذاته، خاصةً في ظل مطالبات من قبل بعض القيادات بضرورة إقالة “راشد الغنوشي”.

وفعلياً، ثمة انقسامات قديمة بشأن استمرار “الغنوشي” في قيادة الحركة، ففي الوقت الذي يدعم فيه التنظيم الدولي استمرار “راشد الغنوشي” في رئاسة حركة النهضة، يواجه الأخير رفضاً داخلياً كبيراً، لعل هذا ما تجلي بوضوح في مجموعة الـ100 التي طالبت “الغنوشي” قبل أربعة أشهر بتقديم استقالته.

وفي هذا السياق، بدأت بعض الدراسات في الحديث عن العناصر التي يمكن أن تتولي قيادة الحركة حال تم تنحية “الغنوشي”، ورجحت الكثير من الأدبيات اسم “عبد اللطيف المكي” والذي شغل منصب الصحة مرتين منذ 2011، وهو يعد من أبرز القيادات المعارضة للغنوشي خلال السنوات الماضي، كما أنه يحظى بدعم واسع داخل حركة النهضة، كونه يعد من قيادات الداخل للحركة.

في النهاية، بات مستقبل حركة النهضة التونسية على المحك، حيث تشهد الحركة أزمة داخلية حادة ربما تمثل نقطة فاصلة في المستقبل السياسي للنهضة، لكن يجب الأخذ في الاعتبار أن هذه الأزمة تمثل نتاجاً لأزمات داخلية متزايدة خلال السنوات الأخيرة، بيد أن القرارات التي أتخذها الرئيس “قيس سعيد” أماط اللثام عن الأزمات الداخلية للحركة، فضلاً عما بينته من تراجع كبير في شرعيتها وخسارتها كثير من حلفائها الداخليين والخارجيين.

وفي هذا السياق، يجب عدم استبعاد حقيقة تغير موقف “راشد الغنوشي”، في محاولة للتلاعب والمناورة من أجل تعزيز فرص استمراريته في منصبه وتجنب المطالبات المتزايدة بإقالته، خاصةً بعدما فشل في حشد أنصار النهضة للاحتجاج في الشوارع والتصعيد ضد قرارات رئيس الجمهورية، بيد أن صرامة التيار الداعم لموقف التصعيد داخل حركة النهضة يبدو أنها تمكنت من فرض هيمنتها، وهو ما يعزز من احتمالات حدوث انشقاقات داخلية في حركة النهضة خلال الفترة المقبلة وانبثاق حزب جديد منها، أو تصاعد في حدة الخلافات الداخلية بما يؤثر على دور ومستقبل الحزب، وهو ما سيزيد من تراجع شعبيتها ويؤثر على فرصها في أي انتخابات مقبلة، لكن على الرغم من ذلك، لا يمكن استبعاد تدخل من قبل التنظيم الدولي للضغط على الأطراف المختلفة في الحركة للقبول بالتهدئة مع الرئيس والبدء في حوار شامل يستهدف خروج الحركة بأقل الخسائر من هذه الأزمة.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى