أين تقف  “أمريكا” من أحداث تونس؟

تمثل الأزمة التونسية الاختبار الحقيقي الأول لالتزام بايدن المعلن بمبدأ الديمقراطية الجديد، خاصة وأن  البيت الأبيض رفض حتى الآن الانحياز إلى أي طرف في تونس ، وبدلاً من ذلك أعرب في الـ 26 من يوليو الجاري عن قلقه بشأن التطورات في تونس  ودعا تونس إلى الالتزام بـالمبادئ الديمقراطية، وذلك بعد يوم واحد من قرارات استثنائية للرئيس التونسي قيس سعيد لمواجهة الاحتقان السياسي في البلاد، والذي تسببت فيه سياسات حركة النهضة، حيث أعلن تجميد أعمال مجلس النواب وإعفاء رئيس الوزراء من منصبه طبقاً للفصل ال 80 من الدستور التونسي. وفي ضوء ذلك يسعى هذا التحليل إلى تسليط الضوء على الاستجابة الحذرة لكبار المسئولين من إدارة بايدن إزاء قرارات قيس سعيد، في مقابل موقف أكثر وضوحاً لوسائل الإعلام الأمريكية ومراكز الفكر والأبحاث، التي وجهت انتقادات لاذعة إزاء تحركات الرئيس التونسي واعتبرتها انقلاباً وتهديداً لتجربة الديمقراطية في تونس، وما هي المحددات التي قد تساهم في تبلور موقف رسمي أمريكي قد يستهدف إدارة المشهد في تونس خلال الفترة القادمة.

ما هو الموقف الرسمي الأمريكي؟:

يبدو أن المسئولين في إدارة بايدن يحاولون التصرف بحذر علناً وتجنب الظهور بأنهم يدعمون طرف بعينيه من خلال عدم إصدار تصريحات قوية والتأكيد على دعم الديمقراطية التونسية، على النحو التالي:  

(*) تصريح باهت من البيت الأبيض: أعربت المتحدثة باسم البيت الأبيض ” جين ساكي” عن قلق الإدارة الأمريكية بشأن التطورات في تونس، وأضافت أن كلا من البيت الأبيض ووزارة الخارجية على اتصال مع القادة التونسيين لمعرفة المزيد حول تطور الوضع، بينما في غضون ذلك تحث واشنطن كافة الأطراف على الهدوء ودعم الجهود التونسية للمضي قدمًا بما يتماشى مع المبادئ الديمقراطية، ورداً على أسئلة أحد الصحفيين حول توصيف ما حدث في تونس بأنه انقلاباً، أشارت ساكي إلى أن القرار بشأن ما إذا كان ذلك انقلابًا  هو قراراً قانونياً وسيتم الانتظار حتى تجري وزارة الخارجية الأمريكية تحليلاً قانونياً قبل اتخاذ قرار بهذا الشأن.

(*) الخارجية الأمريكية أكثر انخراطاً:  أجرى وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” اتصالاً هاتفياً يوم 26 يوليو مع الرئيس التونسي قيس سعيد، حيث شدد على الشراكة القوية للولايات المتحدة ودعمها المستمر للشعب التونسي في مواجهته للتحديات المزدوجة المتمثلة في الأزمة الاقتصادية ووباء كوفيد -19، كما حث الرئيس سعيد على التمسك بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تشكل أساس الحكم في تونس، بالإضافة إلى ضرورة مواصلة الحوار المفتوح مع جميع الجهات السياسية والشعب التونسي ، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ستواصل مراقبة الوضع والبقاء على اتصال، كما أكد بيان المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية “نيد برايس” على انزعاج الولايات المتحدة بشكل خاص من التقارير التي تفيد بإغلاق مكاتب وسائل الإعلام ويجب الاحترام الدقيق لحرية التعبير وغيرها من الحقوق المدنية، كما يجب على تونس ألا تضيع مكاسبها الديمقراطية، وستواصل الولايات المتحدة الوقوف إلى جانب الديمقراطية التونسية.

تغطية الصحافة ووكالات الأنباء الأمريكية:

طرحت الصحف الأمريكية تطورات الأحداث في تونس بأنها بمثابة تهديد لتجربة الديمقراطية التونسية من خلال التركيز على نقطتين رئيستين، وذلك على النحو التالي: –

(&) أزمة الديمقراطية التونسية: في هذا الصدد ذكرت وكالة  “رويترز” تحت عنوان ” الرئيس التونسي هو دخيل سياسي متهم بانقلاب Tunisian president is a political outsider accused of a coup” بتاريخ 25 يوليو 2021، أن الرئيس التونسي الذي وصف فوزه في الانتخابات عام 2019 بأنه “ ثورة جديدة ”، نجح يوم الأحد في إخراج حشود ضخمة من المؤيدين إلى الشوارع من خلال إقالة الحكومة وتجميد عمل البرلمان في خطوة وصفها خصومه بانقلاب ، كما وصفه بعض الورثة السياسيين الرئيسيين للثورة التونسية بأنه جلادها مشيرين إلى أن إقالته للحكومة وتجميد البرلمان يمثلان هجومًا على الديمقراطية، بينما تحدثت شبكة ” سي ان ان ” تحت عنوان” الديمقراطية التونسية في أزمة بعد إطاحة الرئيس بالحكومة Tunisian democracy in crisis after president ousts government ” بتاريخ 27 يوليو 2021، عن أن تونس تواجه أكبر أزمة ديمقراطية منذ عقد من الزمن وذلك بعد أن أطاح الرئيس قيس سعيد يوم الاثنين بالحكومة وجمد أنشطة البرلمان في خطوة وصفها خصومه بأنها انقلاب يجب معارضتها في الشارع، أما الإذاعة الرسميَّة للولايات المتحدة “صوت أمريكا” فقد أشارت تحت عنوان ” أصبح ينظر إلى الديمقراطية التونسية على أنها هشة بعد إقالة الرئيس للحكومة و تعليق عمل البرلمان Tunisian Democracy Seen as Vulnerable After President Fires PM and Suspends Parliament“، بتاريخ 27 يوليو 2021، إلى أن الرئيس التونسي قيس سعيد متهم بالقيام بانقلاب هذا الأسبوع وذلك عندما أقال رئيس الوزراء وعلق البرلمان بعد احتجاجات عنيفة، وقد أثارت الاشتباكات بين أنصار سعيد والمتظاهرين والشرطة مخاوف من أن الديمقراطية الهشة في تونس أصبحت مهددة.

(&) التشكيك في التزام إدارة بايدن بحماية الديمقراطية: في هذا الصدد نشرت صحيفة واشنطن بوست تقريراً بعنوان” يجب على بايدن أن يبذل قصارى جهده لوقف الانقلاب في تونس Biden must try harder to stop the coup in Tunisia” بتاريخ 26 يوليو 2021، حيث أكدت على أن الدلائل الأولية  تشير إلى أن البيت الأبيض حذر من التورط بعمق في الأزمة الديمقراطية المتصاعدة في تونس، وأن الرئيس التونسي الحالي يختبر التزام بايدن بوعده الذي قطعه للرئيس التونسي السابق الباجي قائد السبسي حول الأهمية التي توليها واشنطن من أجل ضمان نجاح الديمقراطية في تونس، بينما ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”  تحت عنوان ” الديمقراطية في تونس على وشك الانهيار مع تحرك الرئيس لتولي السيطرة ” بتاريخ 26 يوليو 2021، أن اهتزاز تجربة الديمقراطية الوليدة في تونس الوحيدة من الثورات الشعبية التي اجتاحت العالم العربي قبل عقد من الزمان ، على شفا الانهيار بعد أن سعى رئيسها للاستيلاء على السلطة من بقية الحكومة، الأمر الذي يشكل اختبارًا رئيسيًا لالتزام إدارة بايدن بالمبادئ الديمقراطية في الخارج، أما مجلة “فورين بوليسي” فقد أشارت تحت عنوان ” تحتاج الديمقراطية في تونس إلى المساعدة، هل سيتدخل بايدن؟Tunisia’s Democracy Needs Help. Will Biden Step In “، بتاريخ 28 يوليو 2021، إلى أن المكان الذي بدأ فيه الربيع العربي هو الآن اختبار للإدارة التي تعهدت بتعزيز الديمقراطية العالمية، وعلى الرغم من اعتناق بايدن الديمقراطية كقضية ، إلا أنه لم يبدي أي اهتمام بإحياء ما تبقى من الربيع العربي بشكل عام ، بل على العكس من ذلك أشارت إدارة بايدن إلى أنها لا تريد شيئًا أكثر من ترك المنطقة وراءها ، وتحويل أنظارها إلى المحيطين الهندي والهادئ والصين.

مراكز الفكر والأبحاث الأمريكية:

تناولت مراكز الأبحاث الأمريكية التطورات الأخيرة في تونس من خلال التركيز على عدد من النقاط الرئيسية، والتي يمكن تناولها على النحو التالي:

  • معهد بروكنجز: في دراسة بعنوان ” انتزاع قيس سعيد للسلطة في تونس Kais Saied’s power grab in Tunisia “بتاريخ 26 يوليو 2021، أشار الباحث شاران جريوال إلى أن انتزاع الرئيس التونسي قيس سعيّد للسلطة يمثل اختبارًا رئيسيًا للديمقراطية في تونس، بحجم خطورة احتجاجات عام 2013 التي كادت أن تعرقل المرحلة الانتقالية الأولية، و بالتالي سيحدد رد فعل الجماهير التونسية والدولية إزاء قرارات سعيد على الأرجح ما إذا كانت البلاد ستظل الديمقراطية العربية الوحيدة في العالم، أو تقع في نطاق ما يسميه علماء السياسة “انقلابًا ذاتيًا” أو استيلاء على السلطة.
  • معهد الشرق الأوسط: في دراسة بعنوان ” لماذا يحتفل الكثير من التونسيين بقرار الرئيس سعيّد؟ Why many Tunisians are celebrating President Saied’s decision“، بتاريخ 26 يوليو 2021، أشار الباحث فاضل علي رضا، إلى ضرورة تقييم التطورات الراهنة في المشهد التونسي وفقًا للبيئة التونسية الفريدة ، وبدلاً من اللجوء إلى تصنيفات العلوم القانونية والسياسية حول أن ما حدث انقلاباً أم لا، يجب التوقف أولاً حول سبب احتفال الكثيرين في تونس بقرارات الرئيس الأخيرة.
  • منظمة هيومان رايتس ووتش: تحت عنوان” تونس: استحواذ الرئيس على السلطات يهدد الحقوق Tunisia: President’s Seizure of Powers Threatens Rights“، بتاريخ 27 يوليو 2021، أشارت إلى ان تلك الخطوة خطيرة وتحاول توظيف الإحباط الشعبي، ويجب على الرئيس التونسي قيس سعيد حماية حقوق الإنسان لجميع التونسيين وإلغاء أي إجراءات قمعية اتُخذت منذ الإعلان عن إجراءات 25 يوليو التي ركزت بشكل كبير السلطات في يده، كما حثت المنظمة الرئيس سعيد أن يسمح لجميع وسائل الإعلام ، بما في ذلك قناة الجزيرة ، بالعمل بحرية والإعلان عن عدم التسامح مع أي انتهاك لحقوق جميع وسائل الإعلام في تغطية سياساته وانتقاده.

 خلاصة القول، تشير قراءة استجابة إدارة بايدن وتغطية وسائل الإعلام الأمريكية ومراكز الأبحاث للأحداث الأخيرة في تونس، إلى أن هناك موقف رسمي أمريكي قيد التبلور خلال الفترة القادمة، قد يضع قيوداً على تحركات الرئيس التونسي قيس سعيد ويجبره على سرعة تعيين رئيس وزراء جديد ، وذلك بالنظر إلى جملة من المحددات، منها الضغط الذي يمارسه عدد من المشرعين الأمريكيين مثل السناتور ليندسي جراهام والنائب جو ويلسون، على إدارة بايدن بسبب عدم شجب تحركات سعيد الاستبدادية بشكل واضح ، بالإضافة إلى الثقل الذي تتمتع به واشنطن من خلال توظيف ورقة المساعدات لبعث رسالة مباشرة سعيد بأن التدفق المستمر للمساعدات والاستثمار يجب أن يكون مشروطًا بالممارسة الديمقراطية، ففي الأول من يوليو الجاري وافقت مؤسسة تحدي الألفية التابعة للحكومة الأمريكية على تقديم مساعدات بقيمة 500 مليون دولار تقريبًا لتعزيز قطاعات النقل والتجارة والمياه في تونس، إلى جانب ذلك تسعى حكومة سعيد أيضًا للحصول على قرض مدته ثلاث سنوات بقيمة 4 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي الذي يستجيب لضغوط واشنطن، وأخيراً يتمتع الجانبين الأمريكي والتونسي بعلاقات جيدة ، يمكن توظيفها أيضاً للضغط على سعيد، على سبيل المثال سارع الرئيس قيس سعيد بتهنئة  بايدن في ال8 من نوفمبر  معربًا عن حرصه على العمل معه، كما أن بعض المسئولين من فريق بايدن مثل وزير الخارجية أنتوني بلينكن كان من أشد المدافعين عن زيادة الدعم الأمريكي لتونس في السنوات التي أعقبت الربيع العربي.

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية، الرئيس السابق لبرنامج الدراسات الأمريكية، باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى