تجديد النظام التونسى

د. نيفين مسعد

منذ انتهاء حكم زين العابدين بن على جرّبت تونس شكلين من أشكال نظم الحكم،الأول هو النظام البرلمانى من أكتوبر ٢٠١١ حتى ديسمبر ٢٠١٣ وكان فيه البرلمان مركز الثقل مع صلاحيات رمزية لرئيس الجمهورية،وفى ظل هذا النظام جرى انتخاب المجلس انتخابًا حرًا مباشرا من الشعب بينما كان المجلس هو مَن اختار رئيس الجمهورية.أما النظام الثانى فهو النظام شبه البرلمانى،إذ على الرغم من توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية فى دستور ٢٠١١، لكن ظل مجلس نواب الشعب هو رمانة الميزان.وفى النظامين لم تتوقف معركة الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيسى الحكومة والبرلمان من جهة أخرى.على سبيل المثال نشبت معركة بين رئيس الجمهورية المنصف المرزوقى ورئيس الحكومة حمّادى الجبالى (من حركة النهضة) فى عام ٢٠١٢،بسبب إقدام الحكومة على تسليم آخر رؤساء الوزراء فى عهد معمَر القذافى للسلطات الليبية دون التشاور مع المرزوقى مما اعتبره الأخير تهميشًا لدوره، وبناءً عليه اعتكف المرزوقى فى منزله وتحدث عن تلقيه طعنةً فى الظهر. وفى ظل رئاسة الباچى قائد السبسى كان له صراع مفتوح مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذى وقفت وراءه حركة النهضة وتصدّت لكل محاولات السبسى إقالته.

وعندما وصلنا إلى حكم الرئيس قيس سعيد،بلغت معركة الصلاحيات ذروتها،وشهدنا تحركات واسعة لرئيس البرلمان راشد الغنوشى (رئيس حركة النهضة) فى المجال الخارجى بما يتجاوز صلاحياته الدستورية مع محاولة حشر تونس فى اصطفافات إقليمية على أسس أيديولوچية، ماحدا بالرئيس قيس سعيد للتذكير بأن: لتونس رئيسا واحدا يمثلها فى الداخل والخارج. يضاف إلى ذلك أن النهضة كررت ما فعلته مع رئيس الوزراء يوسف الشاهد فى شخص هشام المشيشى واستخدمته كورقة للضغط على رئيس الجمهورية وحاولت أن تفرض عليه وزراء تحوم حولهم تهم فساد.وبينما كان هذا يحدث كانت هناك معارك أخرى تدور تحت قبة مجلس نواب الشعب مع التشرذم الشديد فى مكونات المجلس وعدم تبلور أغلبية سياسية واضحة،وهكذا تكرر الاعتصام داخل قاعة المجلس وتعطيل أعماله،وتكررت أيضًا المشادات والتعدى اللفظى والجسدى من نواب النهضة وائتلاف الكرامة السلفى على رئيسة الحزب الدستورى الحر.وكانت الرسالة التى وصلت للمواطن العادى فى ظل انتشار الوباء وتدهور الوضع الاقتصادى هى الانفصام التام للطبقة السياسية عن مشكلاته اليومية، ومع اقتراب الاحتفال بالذكرى 65 لاستقلال تونس خرجت الجماهير الغاضبة فى عدة مدن تونسية تطالب بحل البرلمان ورحيل الحكومة وتهاجم مقار حركة النهضة باعتبارها تتحمّل جزءًا كبيرًا من المسئولية عن الأزمة السياسية الممتدة. هذه الجماهير الساخطة على الطبقة السياسية هى نفسها التى اختارت قيس سعيد رئيسًا للجمهورية من خارج الوسط السياسى قبل عامين وأوصلته إلى قصر قرطاچ.

السطور السابقة تعد مهمة لمعرفة السياق العام الذى اتخذ فيه الرئيس قيس سعيد قراراته فى ٢٥ يوليو الحالى، والتى تقضى بتجميد عمل البرلمان لمدة ٣٠يومًا وإقالة حكومة هشام المشيشى، ومن الناحية العملية كان البرلمان كما سبق القول مجمّدًا بالفعل،كما كانت حكومة المشيشى كالبطة العرجاء بسبب وجود ٩ وزارات شاغرة تدار أعمالها بالنيابة.واستند سعيد فى قراراته المصيرية تلك إلى نص الفصل ٨٠ من الدستور التونسى الذى يعطيه الحق فى اتخاذ بعض التدابير الاستثنائية عند وجود خطر داهم يهدد كيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها.هذه القرارات أثارت جدلًا واسعًا حول مدى التزامها بحرفية النص الدستورى،لكن الأزمات السياسية تتطلب بعض المرونة السياسية فى إطار الالتزام بروح النص،ولقد كان الرئيس التونسى بالغ الوضوح فى تأكيد الطابع المؤقت للقرارات التى اتخذها.السؤال المهم الآن هو:ماذا بعد؟ هناك تحرك من جانب الاتحاد العام التونسى للشغل بالتفاهم مع بعض منظمات المجتمع المدنى لبلورة خريطة طريق وعرضها على الرئيس ربما قبل نشر هذا المقال.ومعلوم أن الرئيس نفسه كان قد تشاور مع الاتحاد العام التونسى للشغل وكبريات منظمات المجتمع المدنى لإطلاعها على مرئياته للأزمة،أى إنه يوجد تحرك فى المشهد السياسى لكن السرعة مطلوبة فى ظل القيد الزمنى الدستورى.

ولعل من النقاط التى تحتاج بناء توافق واسع حولها نقطة تعديل الدستور بما يسمح بتجديد النظام السياسى التونسى،تجديدًا يعزّز موقع رئاسة الجمهورية من دون إعادة إنتاج نظام الحبيب بورقيبة أوزين العابدين بن على.

ومعلوم أن نص الفصل ١٤٣من الدستور يسمح لرئيس الجمهورية بأن يتقدم بمبادرة لتعديل الدستور،ويعطى النص أولوية لهذه المبادرة الرئاسية،وبالتالى يمكن للرئيس عرض مبادرته على مجلس نواب الشعب عند استئناف جلساته.

ومن المتوقع ألا تدعم حركة النهضة وحليفها ائتلاف الكرامة السلفى هذه المبادرة لأنهما يستفيدان من النظام شبه البرلمانى بحكم قدراتهما التنظيمية والتعبوية،لكن الاثنين معًا لا يملكان أغلبية برلمانية، ولا ننسى أن حزب قلب تونس الذى طالما ساند النهضة واستقوى بها ضد الرئيس،انتقل بعد يوم واحد من انتقاد قرارات ٢٥يوليو للترحيب بها،وهذا يوضح لنا حال الأحزاب فى تونس.

وحتى تكتمل الصورة لابد من ذكر ملاحظتين، الأولى أن القضاء فتح تحقيقًا حول الاشتباه فى تلقى حركة النهضة وحزب قلب تونس تمويلًا من الخارج لحملاتهما الانتخابية عام ٢٠١٩،وليس معلومًا بعد مدى تأثير نتائج التحقيق على توازنات القوة داخل البرلمان.

أما الملاحظة الثانية فهى أن تجربة عام ٢٠١٣عودّتنا أن حركة النهضة عندما تجد نفسها محشورة فى الزاوية تتراجع للخلف،وهى الآن محشورة فى الزاوية فمن كان يتصور أن يهاجم المتظاهرون مقار النهضة بل وسيارة راشد الغنوشى نفسه؟ ولقد بدأت بعض بوادر تراجع النهضة تظهر بالفعل،سواء بالانصراف من أمام البرلمان أو بالدعوة للحوار الوطنى.

وعندما يتم تمرير مبادرة تعديل الدستور برلمانيًا ويُعدّل فعلًا يمكن تنظيم انتخابات مبكرة رئاسية وبرلمانية،وتطوى تونس صفحة عدم الاستقرار السياسى بعنوانين رئيسين هما: التنمية العادلة ومكافحة الفساد. حفظ الله شعب تونس وسدد خطى رئيسها.

نقلا عن الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى