تناول مُضلل: كيف تفكر الصحافة الإثيوبية في أزمة سد النهضة؟

بهي الدين أيمن- باحث بالمركز.

في الفترة الأخيرة بدا الإعلام الإثيوبي مضللاً فيما يتعلق بالموقف المصري والسوداني من سد النهضة. وبشكل عام تبدو البيئة الإعلامية الإثيوبية غير مكتملة الأركان كغيرها من بيئات إعلام الكثير من دول القارة الأفريقية،- أي حيازة الدولة لآليات الجهاز الإعلامي، سواء كان مكتوب أو مسموع أو مشاهد. فما ما يُعيب الإعلام الإثيوبي بشكل رئيسي، هو الخلط بين الرأي وعملية نقل الأخبار بموضوعية، حيث هناك دائما توازي مغلوط بين النشطاء السياسيين والإعلام، هو ما أثر سلبياً علي الجهاز الإعلامي الإثيوبي، وجعله مبني علي آراء متعصبة وغالباً كاذبة.

فقد سبق وصرح مدير تحرير جريدة أديس أبابا بأن(هناك أشخاص يقودون الإعلام وفي الوقت نفسه يدعون للمظاهرات, وهذا لا معقول). وأيضاً صرحت صحفية ومدونة إثيوبية تم تحريرها علي يد أبي أحمد تحت نطاق حركته الإصلاحية للإعلام في مطلع 2018، بأنه (في هذه البيئة-قصدت البيئة الإعلامية الإثيوبية-, حيث الحكومة تفرض عليك خيار إما أن تكون معنا أو ضدنا, فإن الصحافة أداة ضعيفة). وإذا كان آبي أحمد قام ببعض الإصلاحات في مجال الصحافة، أهمها إعفائه عن العديد من الصحفيين المساجين وفتح أكثر من 260 موقع متوقف عن البث- إلا أنه يحرك هؤلاء الصحفيين وتلك المواقع لتتبني موقف مضلل لأزمة سد النهضة، وذلك من منطلق رد الجميل، وهو ما يعنى استمرار هشاشة جودة الصحافة والإعلام الإثيوبي, التي تعتبر من ضمن أكبر ضحايا الانحياز العرقي المستمر في تلك الدولة، والتي قد تقود لحرب أهلية وبالتالي لانهيار كامل للوكالة الإخبارية الإثيوبية.

انحياز واضح:

بعيداً عن فكرة الانحياز الطبيعي لإعلام تجاه سياسات دولته, فإن الهشاشة الإعلامية الإثيوبية المتأثرة بالصراعات العرقية تظل منعكسة بقوة ومسيطرة علي آراء وكتابات الإثيوبيين تجاه قضية سد النهضة. حيث تبدو صحافتهم وإعلامهم متبنية مواقف جريئة وغير متوازية مع القيم  الدبلوماسية للعداوة مع مصر والسودان, بالإضافة إلي تبنيها اتهامات صريحة وبعيدة كل البعد عن الموضوعية. فالمسح الشامل لمعظم الكتابات الإثيوبية التي تم ترجمتها عن سد النهضة في الفترة الأخيرة يبين أنها قائمة علي معلومات مغلوطة, يمكن توضيح أهمها على النحو التالي:

(*) نشر موقع (ذا ريبورتر) الإثيوبي مقالاً بعنوان (خيانة السودان), وهذا المقال يتضمن أفكار مغلوطة، تمثل أهمها في أن السودانيين حين تعدوا الحدود الإثيوبية في الشمال الغربي، أنشئوا قواعد عسكرية علي الأراضي الإثيوبية. هذا بالإضافة إلى مطالبتهم-السودانيين-   للحكومة الإثيوبية بسحبها لقوات حفظ السلام التي تخدم منظمة الأمم المتحدة من المنطقة, والتي تبدو مفاجأة لهم. وحسب خبير إثيوبي, فإن طلب الحكومة السودانية بسحب إثيوبيا لقوات حفظ السلام، له علاقة مباشرة بالنزاع الحالي علي سد النهضة, وأن هذا الطلب ليس نابع من نوايا سودانية بالكامل, ولكن السودان، هي مجرد أداة لمصر, التي تسعي لفرض ضغط علي إثيوبيا.

(*) قامت الوكالة الإخبارية الإثيوبية بنشر مقال بعنوان (السودان ومصر يعارضان بناء سد النهضة لمنع إثيوبيا من أن تصبح قوة إفريقية في المنطقة), وذكرت الوكالة في ذات السياق، أن مصر والسودان يدركان تماماً أهمية سد النهضة للبلاد الثلاثة, وأنهما يعارضان المشروع الإثيوبي لمنع إثيوبيا من صعودها كقوة إفريقية عظمي. واستكمل المقال في التشديد علي أهمية السد في توفير الكهرباء والماء للشعب الإثيوبي, بل وأهميته الكبيرة للشرق الأوسط وإفريقيا بالكامل, وأن مصر اليوم تريد الحفاظ علي الاتفاقيات القديمة (الاستعمارية) بطريقة أو بأخرى لمنع إقامة السد وتنمية إثيوبيا.

(*) نشر موقع إخباري معروف بإثيوبيا مقالاً بعنوان: (لماذا يجب علي مصر أن لا تستهين بإثيوبيا؟), وهذا المقال جاء رداً علي الاتفاق العسكري بين مصر والسودان في مارس 2021. وأخذ المقال يشدد علي أهمية إثيوبيا الإقليمية من الناحية الاقتصادية والسياسية وحتي الدينية. وبشكل عام فإن هذا المقال عبر عن قلق شديد واستنكار من الجانب الإثيوبي, في تجاهل تام للاعتراف بأن تطور العلاقات المصرية السودانية تجاه أزمة السد، جاءت كتوابع بديهية للمماطلة الدبلوماسية السلمية والتي استمرت منذ 2011.

(*) وفي تعليق من أحد المستخدمين لموقع إخباري إثيوبي, والذي نشر مقال بعنوان ( الأمم المتحدة تنصح بحل أزمة السد النهضة تحت إشراف الاتحاد الإفريقي) بعد جلسة مجلسة الأمن السابقة, كتب بأن قائد مصر (مشيرا للرئيس عبد الفتاح السيسي) سيستمر فقط في إعادة السياسات الاستعمارية الانجليزية القديمة, متجاهلاً الزمن الحديث والمصدر الأصلي لنهر النيل. واتهم مصر بكراهيتها للشعب الإفريقي الأسود, وان مع وجود قائد مصري كهذا, فإن الوضع ( مخيف جداً) للتفكير فيه. ويعتبر هذا التعليق نبذة عن الرأي العام الإثيوبي ونظرته للسياسات المصرية.

(*) في مقال نٌشر لصحيفة إثيوبية بعنوان (حرب الوكالة المصرية مع إثيوبيا: لماذا بعض من شعبنا يساعدهم في الفوز؟), حيث توجه الصحفية في مقالها اتهام واضح لمصر، بأنها السبب في المجازر العرقية الداخلية في إثيوبيا, وأنها عامل كبير ومحفز للانقسامات, بجانب أيضا تأثير النموذج الحكومي الإثيوبي الفيدرالي القائم علي العرقيات, بالإضافة للدستور العرقي. وسألت الكاتبة سؤال بحثي يقول (ماذا تريد مصر؟) وتجيب بشكل واضح، بأن مصر تريد السيطرة الكاملة علي النيل, وأن هذه الخطة ظهرت بشكر بارز في فترة رئاسية مصرية سابقة، والآن تعود في عهد الرئيس السيسي, مع سرد العديد من تصريحات الرئيس السيسي التي يظهر فيها دفاعه عن حق المصريين من حصتهم في المياه. وذكرت الكاتبة بأن الرئيس المخلوع محمد مرسي، قام بتهديدات واضحة لإثيوبيا وأن التاريخ يشهد علي إخراج إثيوبيا من أي قرارات اتخذت من ناحية استخدام مياه النيل. كما يقول في مقاله، بأن مصر تريد (السيطرة علي الطريق التجاري للبحر الأحمر), مشيراً مرة أخري لسياسات طائشة لمحمد مرسي، والتي أدت إلي عدم توازن واستقرار في القرن الإفريقي، ويضيف، قائلاً إن سياسات الرئيس السيسي لا تختلف كثيرا عن سابقه. واتهم الإعلام المصري بأنه (يغسل العقول)، وأنه يحفز العنصرية ضد الشعب الإثيوبي ويزيد من الانقسامات العرقية.

(*) كما نشرت الوكالة الإخبارية الإثيوبية مقالاً بعنوان (الملء الثاني لسد النهضة، هو انجاز غير عادي للإثيوبيين – الجنرال برهانو جولا), وفيه يهنئ الجنرال برهانو جولا الإثيوبيين بالمرحلة الثانية من ملء السد, مؤكدا على غير حقيقة أن إثيوبيا لا نية لها في الإضرار بأي بلد آخر, وأن ملء السد بين هذا علي أرض الواقع، وذلك يعبر عن تجاهل تام للآثار بعيدة الأمد و الحقائق المدروسة التي تؤكد التأثير السلبي للسد علي مصر.

خلاصة القول، تظهر قراءة الاتجاه العام للصحافة الإثيوبية من ناحية القضية المصرية السودانية, بالإضافة إلى ضعف الجهاز الإعلامي الإثيوبي بشكل عام, وضعف موقف إثيوبيا السياسي والوقوع ضحية الانحيازات السياسية للقوي الدولية- تعصب شديد ناحية موقفهم من سد النهضة، مصحوباً بآراء ومعلومات قد تكون مغلوطة وغير دقيقة علمياً، مع اتهامات واضحة بوجود نوايا شبه استعمارية وعنصرية لمصر, وهذا منافي تماماً لتاريخ مصر السلمي التي تدافع فيه عن أرضها وشعبها وأمنها القومي بكل الطرق السلمية قبل كل شيئ.

 ورغم إتباع الدولة المصرية سياسة النفس الطويل الخاصة في التعامل مع الأزمة الإثيوبية، واللجوء إلى استخدام كل الحلول الدبلوماسية الممكنة علي مدار سنوات مضت- إلا أن المسح الشامل للصحافة الإثيوبية الموالية لآبي أحمد وحكومته، يبين استمرار إثيوبيا في التعامل علي أساس مبدأ الملكية وليس الشراكة, وعلي عكس المفاوضين المصريين الذين يتكلمون علي أسس قانونية دولية وأرقام وحجج علمية. فتظهر الصحف الإثيوبية أن المفاوض الإثيوبي لديه اعتقاد واضح بأن دولتهم تقدم خدمة لدولتي المصب, وهذا كان واضحاً في بعض المقالات الصحفية التي كتبت منتصف يوليو الجاري, والتي جميعها تستبعد فكرة وجود أرض مشتركة, وأنه يجب علي طرف أن يخرج خاسراً, وهو اتجاه غير عقلاني, وغير مسئول, ويظهر نية آبي أحمد التي يمررها عبر صحافته وإعلامه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى