تقدير موقف ما بعد الحرب الأبدية

د. عبد المنعم سعيد

كان الرئيس الأمريكي جو بايدن قد أطلق اسم “الحرب الأبدية أوThe Forever War على الحرب الأمريكية في أفغانستان.

وكان في التعبير بعض من المبالغة، ولكنه كان معبراً عن قدر كبير من السخط والضجر على حرب استمرت عشرين عاماً.

استمرت الولايات المتحدة تحارب في أفغانستان أكثر من أي حرب أخرى حاربت فيها، بما في ذلك الحرب الأهلية وحرب فيتنام، وبالتأكيد الحربان العالميتان الأولى والثانية.

ولكن أيا ما كانت المقاربة التاريخية بالنسبة للدولة الأمريكية، فإن السؤال الكبير سيكون عن النتائج المترتبة على الخروج الأمريكي من أفغانستان. ومن الطبيعي أن تكون أولى المقاربات المصاحبة للحدث متعلقة بالولايات المتحدة، وهي في كلمات قليلة تراوحت بين “الهزيمة” و”الفشل”.

وفي كليهما نشر هذا العام “كارتر مالكاسين” كتاباً كاملاً عن تاريخ الحرب الأمريكية في أفغانستان، صدر عن دار نشر جامعة أكسفورد، أعاد فيه التفكير فيما طرحه الرئيس باراك أوباما، وميّز فيه بين حربين تخوضهما الولايات المتحدة، إحداهما شريرة وخاطئة في العراق، حيث لم تكن الولايات المتحدة مضطرة لخوضها، وفي الحقيقة، اعتمدت على قدر غير قليل من الخداع عندما جرى الادعاء الكاذب بملكية عراق صدام حسين للأسلحة النووية، والحرب الأخرى كانت طيبة وفي مكانها تماماً، وهي الحرب الأمريكية في أفغانستان، حيث كانت الولايات المتحدة تطارد القوى الإرهابية التي اعتدت على الأرض الأمريكية ذاتها في الحادي عشر من سبتمبر 2001.

ما حدث بالنسبة للحربين، فإن الولايات المتحدة عقدت العزم على الانسحاب، وكانت البداية في نهاية الفترة الثانية للرئيس جورج بوش الابن، وجرى تأكيدها والبدء في الخروج من العراق في عهد باراك أوباما، ثم تلا ذلك الخروج إلى حد كبير في عهد الرئيس دونالد ترامب، وشاءت الأقدار أن اختتم هذا الجزء من التاريخ عن طريق الرجل، الذي كان نائباً لأوباما، وصار الآن رئيساً للولايات المتحدة.

المؤكد أن ذلك لن يكون نهاية الحرب الأفغانية بالنسبة لأمريكا، فإذا كانت الحرب الأهلية الأمريكية لا تزال واقعة في صميم الحديث الأمريكي عن الأزمة العنصرية في الدولة، وأن الخروج الأخير من “كابول” لا بد له أن يستدعي الخروج السابق من “سايجون” في فيتنام الجنوبية، وأين تقع المسؤولية عن دخول الحرب والخروج منها، سوف يكون جزءاً من الحملات الانتخابية الأمريكية القادمة.

ولكن ما يهمنا في إطار “تقدير الموقف” عما سوف يلي الحرب بالنسبة لواشنطن، فإنها من ناحية داخلية سوف تضع كثيراً من البركة على بعض من سلوكيات وسياسات الرئيس السابق ترامب، الذي كان عازفاً بشدة عن التورط في العالم كله، بما فيه أوروبا وحلفاء واشنطن التقليديون.

خارجياً، فالرسالة التي أرسلتها إدارة بايدن هي أن الحرب الأفغانية كانت فاشلة إلى الدرجة التي قررت فيها الولايات المتحدة الانسحاب من أفغانستان حتى قبل التوصل إلى اتفاق بين الإدارة الأفغانية في السلطة و”طالبان”.

مثل ذلك لا بد له أن يأخذ المكانة الأمريكية كثيراً إلى الخلف، وربما سوف يضع الولايات المتحدة، ولبضع سنوات على الأقل، في الوضع الذي استقر لها بعد الخروج من فيتنام، والذي تراجعت فيه الأقدار الأمريكية حتى جاء الرئيس رونالد ريجان إلى السلطة في عام 1982.

وإذا كان الرئيس الفرنسي، تشارل ديجول، يقول لضيوفه عندما يتطرق الحديث إلى أمر مهم: “انظروا إلى الخريطة”، فإن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ونجاح “طالبان” في الاستيلاء على السلطة فيها، لا بد له أن يلقي بكرة من نار على كل من الصين وروسيا وحلفائها، وكلتاهما في الجوار الأفغاني المباشر شرقاً وشمالاً.

وأكثر من ذلك أهمية أن كلتيهما لديها مشكلة أصيلة مع “الأصولية الإسلامية”، ناجمة عن وجود أقليات إسلامية، ودول إسلامية، تعاطت مع الشأن الأفغاني خلال السنوات الماضية، وحتى قبلها عندما حدث الغزو السوفييتي لأفغانستان في نهاية السبعينيات من القرن الماضي.

إيران هي الأخرى في الجوار الأفغاني الغربي، ولديها تناقضات كبيرة مع حركات وتنظيمات مثل “طالبان” و”القاعدة” و”داعش”، التي تعاونت معها في الماضي، أما وقد أصبحت الآن في سلطة دولة مجاورة فإن هذه التناقضات سوف تتفجر.

السلوك الإيراني هنا على الأرجح سوف يماثل سلوكياتها في الجوار، والتي قامت على: أولاً تفعيل الحركة السياسية لدى الجماعة الشيعية، كما حدث في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وثانياً تسليح هذه الحركات وإعطاؤها من الأنياب ما يسمح لها بإعطاء إيران أوراقاً للمساومة.

إذا كانت هذه النتائج سوف تؤثر على دول الجوار المباشر، فإن الآثار ربما سوف تمتد إلى العالم بأسره نتيجة وجود الجماعات الإرهابية داخل أفغانستان.

وتتسابق حالياً الوكالات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية لصقل الخطط لمواجهة الجماعات المتطرفة في أفغانستان بعد انسحاب القوات، لكن المسؤولين الحاليين والسابقين يحذرون من أنه سيكون من الأصعب بكثير درء التهديدات للأمن الأمريكي من بعيد.

صحيح أن الرئيس بايدن قد وعد بأنه “لن نرفع أعيننا عن التهديد الإرهابي”، إلا أن الإشارات الصادرة عن حركة “طالبان” إبان هذه المرحلة الانتقالية بين الانسحاب الأمريكي وحلف الأطلنطي من أفغانستان، ثم اتجاه “طالبان” إلى الاستيلاء على العاصمة وبقية مناطق الدولة، كلها تشير إلى عودة “طالبان” إلى ما كانت عليه قبل الغزو الأمريكي.

وهذه حالة ليست واعدة بخير لا للعالم، ولا لدول الإقليم العربي والشرق أوسطي.

نقلا عن العين الإخبارية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى