محاصرة الفقر: كيف وجهت الحكومة الحوافز الضريبة لتنمية صعيد مصر؟

محمد فتحي حصّان- باحث دكتوراه في العلوم السياسية

تتركز النسبة الأكبر للفقر في مصر وفقا للإحصاءات الرسمية في محافظات الصعيد، ولا شك أن هدف القضاء على الفقر وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين في ربوع مصر بشكل عام وفي المناطق الأشد فقراً بالصعيد يأتي على رأس أولويات القيادة السياسية.

وقد بذلت الدولة المصرية خلال السبع سنوات السابقة جهوداً كبيرة لاقتحام هذه المناطق والعمل على تفكيك أسباب الفقر بها، ومعالجتها بوسائل كثيرة، سواء بطريق مباشر من خلال مبادرة حياة كريمة التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسى في مستهل عام 2019 بدعوة مؤسسات وأجهزة الدولة بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني لتوحيد الجهود بينهما والتنسيق المُشترك لإطلاق مبادرة وطنية على مستوى الدولة لتوفير حياة كريمة للفئات المجتمعية الأكثر احتياجاً، حيث خصصت الدولة 103 مليار جنيه لتلك المبادرة لغير القادرين ولتطوير القرى الأكثر احتياجا وتوفير كافة المرافق والخدمات الصحية والتعليمية والأنشطة الرياضية والثقافية.

أو من خلال طريق غير مباشر، حيث سعت الدولة إلى استخدام  أحد أدواتها المهمة، مُتمثلة في منظومة الحوافز الخاصة الواردة بقانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017 لتحقيق أهداف التنمية بتلك المحافظات الأشد احتياجا للتنمية، وذلك من خلال تصنيفها ضمن القطاع (أ) الذي تعطي فيه الدولة للمستثمرين نسبة خصم (50%) من التكاليف الاستثمارية ، بحيث تخصم من صافي الأرباح الخاضعة للضريبة لمدة لا تزيد على سبع سنوات من تاريخ بدء مزاولة النشاط.

لذلك سنتناول في هذا التحليل منظومة الحوافز الخاصة الواردة بقانون الاستثمار، وكيف يمكن أن تساهم في تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية ومكافحة الفقر في صعيد مصر.

أولوية مواجهة الفقر في صعيد مصر:

ترتكز النسبة الأكبر لفقراء مصر في محافظات الصعيد، بريفها وحضرها، وتأتي محافظة أسيوط في صدارة أفقر المحافظات بنسبة 66.7% من سكانها، تليها محافظة سوهاج بنسبة 59.6%، ثم الأقصر بنسبة 55.3%، ثم المنيا بنسبة 54.7%، ثم الوادي الجديد بنسبة 52.6%.

كما تستحوذ محافظات الصعيد على النصيب الأكبر من أفقر ألف قرية في مصر، فتضم محافظة سوهاج 236 قرية وأسيوط 207 قرى والمنيا 163 قرية، وقنا بنسبة 60 قرية. وتشير البيانات إلى أن 87% من قرى محافظة سوهاج ضمن أفقر ألف قرية، بينما تمثل 88% من إجمالي القرى في أسيوط ضمن أفقر ألف قرية.

منح الحوافز الخاصة بقانون الاستثمار في صعيد مصر:

تمنح المشروعات الاستثمارية التي تقام بعد العمل بقانون الاستثمار وفقا للخريطة الاستثمارية، حافزاً استثمارياً خصماً من صافي الأرباح الخاضعة للضريبة، على النحو الآتي:

  1. نسبة (50%) خصما من التكاليف الاستثمارية للقطاع (أ): ويشمل المناطق الجغرافية الأكثر احتياجا للتنمية طبقا للخريطة الاستثمارية وبناء على البيانات والإحصاءات الصادرة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ووفقا لتوزيع أنشطة الاستثمار بها.
  2. نسبة (30%) خصما من التكاليف الاستثمارية للقطاع (ب):
    ويشمل باقي أنحاء الجمهورية وفقا لتوزيع أنشطة الاستثمار، وذلك للمشروعات الاستثماري الآتية:
  • المشروعات كثيفة الاستخدام للعمالة .
  • المشروعات المتوسطة والصغيرة.
  • المشروعات التي تعتمد على الطاقة الجديدة والمتجددة أو تنتجها.
  • المشروعات القومية والاستراتيجية التي يصدر بتحديدها قرار من المجلس الأعلى للاستثمار
  • المشروعات السياحية التي يصدر بتحديدها قرار من المجلس الأعلى للاستثمار
  • مشروعات إنتاج الكهرباء وتوزيعها التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على عرض مشترك من الوزير المختص والوزير المعني بشئون الكهرباء ووزير المالية.
  • المشروعات التي يصدر إنتاجها إلى خارج الإقليم الجغرافي لجمهورية مصر العربية.
  • صناعة السيارات والصناعات المغذية لها.
  • الصناعات الخشبية والأثاث وال  والتغليف والصناعات الكيماوية.
  • صناعة المضادات الحيوية وأدوية الأورام ومستحضرات التجميل.
  • الصناعات الغذائية والحاصلات الزراعية وتدوير المخلفات الزراعية.
  • الصناعات الهندسية والمعدنية والنسيجية والجلود.

وقد حدد المشرع شروطا للتمتع بالحوافز الخاصة منها: أن يتم تأسيس شركة أو منشأة جديدة لإقامة المشروع الاستثماري، وأن تؤسس الشركة أو المنشأة خلال مدة أقصاها ست سنوات من تاريخ العمل باللائحة التنفيذية لقانون الاستثمار، كما وضع المشرع شروطاً أخرى تضمن تحقيق تلك المنظومة لأهدافها، ويترتب على مخالفتها سقوط التمتع بالحافز والتزام المستثمر بسداد جميع المستحقات الضريبية.

فلسفة منح الحوافز الخاصة بقانون الاستثمار:

تقوم فلسفة الدولة في منح الحوافز الخاصة الواردة بقانون الاستثمار على جانبين :الجانب الأول: يقوم على اختيار أنشطة فرعية ضمن قطاعات الاستثمار الواردة بالقانون والبالغ عددها  13 قطاع هي الصناعة ، والزراعة ، والتجارة ، والتعليم ، والصحة ، والنقل، والسياحة، والإسكان والتشييد والبناء، البنية الأساسية، والرياضة، البترول والثروات الطبيعية، المياه، والاتصالات والتكنولوجيا. والجانب الثاني: يقوم على اختيار مناطق محددة ترغب الدولة في تنميتها وبالتالي تشجع المستثمرين على الاستثمار بتلك المناطق، التي قد يحجبون عنها وذلك من خلال منحهم الحوافز الضريبية.

ووفقا لتلك الفلسفة فقد تم تقسيم أنحاء الجمهورية إلى قطاعين هما: القطاع (أ): ويشمل المناطق الجغرافية الأكثر احتياجا للتنمية طبقا للخريطة الاستثمارية، والقطاع (ب) ويشمل باقي أنحاء الجمهورية وفقا لأنشطة محددة .

استخدام الحوافز الضريبة لمكافحة الفقر:

يشمل النطاق الجغرافي للقطاع (أ) عدة مناطق مها المناطق الأكثر احتياجا للتنمية والتي يصدر بتحديدها قرار من مجلس الوزراء والتي تتصف بانخفاض مستويات التنمية الاقتصادية والناتج المحلي وزيادة حجم القطاع غير الرسمي بها، انخفاض مستويات التشغيل وفرص العمل المتاحة وارتفاع معدلات البطالة، زيادة واضحة في الكثافة السكانية، انخفاض مستوى جودة التعليم وزيادة نسبة الأمي، انخفاض مستوى الخدمات الصحية، ارتفاع معدلات الفقر.

وقد أصدر الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، قراراً باعتبار عدد من المحافظات والمناطق ضمن مناطق القطاع (أ) الأكثر احتياجاً للتنمية، منها محافظات الصعيد .

خلاصة التحليل: أن الدولة قد سعت للتدخل بطريق غير مباشر من خلال استخدام أحد أدواتها متمثلة في منظومة الحوافز الخاصة لتحقيق أهداف التنمية بالمحافظات الأشد احتياجا للتنمية،وفي القلب منها محافظات الصعيد ،وذلك من خلال تصنيفها ضمن القطاع (أ) المستحوذ على النسبة الأكبر من الحوافز الخاصة لتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي للدخول لتلك المناطق الفقيرة وإنشاء مشروعات استثمارية بها تقضي على البطالة وتحارب الفقر وترفع من المستوى الحضري بها.

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى