بعد مراوغة استمرت “10” سنوات.. لماذا تريد إثيوبيا الحرب؟

خالد محمد علي- خبير مشارك بالمركز

بعد ما بدت عليه كلمات بعض الدول الأعضاء في مجلس الأمن الخميس الماضي فيما يتعلق بقرار دولي ينهي الصراع بين إثيوبيا ومصر والسودان، وبعد الإصرار الإثيوبي المتلاحق على مدار 10 سنوات من التفاوض للوصول إلى اتفاق قانوني وملزم  حول سد النهضة بدا واضحا أن إثيوبيا قد اختارت الدخول في حرب مدمرة مع مصر والسودان وإنها تدفع في هذا الاتجاه منذ اللحظة الأولى من وضع حجر الأساس للسد في ابريل 2011.

لقد تلاعبت إثيوبيا بالوقت ورفضت كل أشكال الوساطة الدولية والحلول التقريبية لإنهاء أزمة السد وفي جلسة مجلس الأمن الأخيرة التي أرسلت إليها وزير الري الإثيوبي بدلا وزير الخارجية تحدت المجتمع الدولي واتهمت أعضاء المجلس بالجهل لأنهم يناقشون قضيه ليست من اختصاصهم، بل وزعمت أنهم يناقشون القضية تحت ضغوط وتهديدات دولتي المصب مصر والسودان، وهو ما يؤكد أن إثيوبيا لم تتزحزح من 10 سنوات قيد أنملة عن خيارها بالدخول في حرب مدمره وطويلة مع مصر والسودان.

 توضيحا لما سبق، وللإجابة عن السؤال الذي حمله عنوان التحليل، هو: لماذا تسعى إثيوبيا إلى الحرب؟، يمكن التأكيد على أن هناك عدة أسباب قراءتها وفقاً للمراقبين تبين اختيار صناع القرار في أديس بابا الحرب على دولتي المصب رغم التفوق العسكري الساحق لمصر.

الهروب من تحديات الداخل:  

 يذهب المراقبون إلى أن هناك عدة أسباب داخلية ارتبطت باختيار صناع القرار في أديس بابا الحرب على دولتي المصب رغم التفوق العسكري الساحق لمصر، كما سبق القول، أهمهم على النحو التالي:

(*) أن الحكومة الإثيوبية تبحث عن الحرب لإنقاذ الدولة من التفتيت، حيث يواجه النظام الفدرالي الإثيوبي أكبر أزمة في تاريخيه بالانهيار والتقسيم العرقي والجغرافي، خاصة بعد ارتفاع الخطاب الانفصالي في إقليم أورميا وتيجراي وأوجادين الصومالي ونشوب حروب متعددة في تلك الأقاليم ضد الدولة المركزية. وعليه، يرى صناع القرار الإثيوبي أن إيجاد عدو خارجي، هو الطريق الوحيد لإعادة توحيد الدولة وإنقاذها من الانهيار.

(*) آبي احمد يدفع في اتجاه الحرب للتغطية على فشل حكومته في تحقيق التنمية التي وعد بها شعبه، حيث فشلت حكومته تماما في تحقيق أي من المشروعات الكبرى أو القضاء على البطالة التي تزيد نسبتها عن 60% من الشعب، وهو في المجمل يعد فشل في تحقيق الازدهار الذي بشر به وأسس حزبه باسمه، خاصة وأنه لا يوجد أي مؤشر على تحقيقه في الحاضر والمستقبل.

(*) تريد بلاد الحبشة الدخول في حرب لوجود رهانات خاسره لدى قادة الجيش الإثيوبي بأن القوات السودانية ضعيفة وهشة، وهو ما يمكن الجيش الإثيوبي من هزيمتها واحتلال جميع الأراضي الخصبة التي تحتاجها الهضبة الإثيوبية، خاصةً في إقليمي الفشقة الكبرى والفشقة الصغرى والتي تضم 2 مليون فدان من أخصب وأجود الأراضي السودانية.

(*) تراهن على الحرب في انضمام قطاع كبير من أبناء الشعب السوداني إلي جانبها خاصة ذوي الأصول الأفريقية ونخب اليسار ونشطاء منظمات المجتمع المدني وكل أصحاب دكاكين التمويل الأجنبي داخل السودان، وتستند إثيوبيا في رهانها على سوابق دعم هؤلاء العلني للموقف الإثيوبي منذ إعلان ثوره ديسمبر 2018.

تقديرات إثيوبية خاطئة:

ثمة أسباب ترتبط بسوء تقدير الحكومة الإثيوبية لحقيقة وواقع أطراف أزمة سد النهضة، جعلتها تقفل طريق التفاوض أمام تلك الأطراف، خاصة بعد استمرارها على نفس النهج القديم في التعامل مع أزمة السد، ومتطلبات دولتي المصب، وهو ما كشفته كلمة وزيرهم أمام مجلس الأمن، ويمكن تحديد هذه الأسباب على النحو التالي:

(&) ومن ضمن أسباب اختيار إثيوبيا الحرب أيضا محاولة تقسيم الاتحاد الإفريقي وطرد المكون العربي منه عبر خلق نزاع وصراع عربي إفريقي، وقد تجلى ذلك في هجوم أديس أبابا على جامعه الدول العربية ورفض حضورها جلسات مجلس الأمن، إضافة إلى الاجتماعات المتتالية التي قام بها آبي احمد مع سفراء دول حوض النيل، وتحريضهم على مصر والسودان باعتبارهم عرب وقد شهد الخطاب الإعلامي والسياسي الإثيوبي تصعيدا خطيرا في الهجوم على العرب بزعم أنهم  يدعمون وينحازون إلى مصر العربية. وتهدف إثيوبيا من وراء ذلك إلى إطباق قبضتها على الاتحاد الإفريقي الذي تتحكم في عمله وتديره من خلال مقره في عاصمتها أديس أبابا.

(&) ووفقا لثقافة تلقي الإعانات والإغاثة التي تجيدها حكومات إثيوبيا المختلفة والتي تؤسسها على حماية المسيحية في إفريقيا من ناحية، وزعمها مكافحه التطرف والإرهاب الإسلامي من ناحية أخرى، فإن اختيار الحرب ضد مصر والسودان يفتح لها بابا كبيرا لتلقي الإعانات والتمويل الدولي للملايين من أبناء إثيوبيا الذين تخطط لتحويلهم إلى نازحين داخل بلادهم، وقد جربت الحكومات الإثيوبية هذا الأسلوب في حروبها ضد أعراقها المختلفة، حيث جلبت مليارات الدولارات من الغرب لدعم ضحايا الحروب فالحرب تجاره رابحه لدى صناع القرار في بلاد الحبشة لا يمكن التفريط فيها.

(&) ولا يستبعد المراقبون وجود تنسيق استراتيجي بين تل أبيب وأديس أبابا،  يهدف إلى تحقيق هدف إسرائيلي استراتيجي بتقسيم الجيش المصري بين جبهتين إحداهما في الشرق في مواجهه إسرائيل والأخرى في الجنوب في مواجهة إثيوبيا. ولأن حروب المياه، هي الأكثر تعقيدا في مجال النزاعات العسكرية، فان الخبراء في كلا الطرفين يراهنون على أمد طويل للحرب في الجنوب، وبالتالي انشغال مصر عما تقوم به إسرائيل على حدودها الشرقية خاصة خطه أقامة دوله يهودية خالصة على جميع تراب فلسطين. ومن العلني في هذا التنسيق ما صرح به بنيامين نتنياهو الرئيس السابق في حكومة إسرائيل عند زيارة آبي احمد لتل أبيب، حيث أكد على تزويد إسرائيل لإثيوبيا بجميع التقنيات الحديثة التي تحتاجها لجيشها وتنميتها، وهو ما يعني آن إثيوبيا تراهن على مواجهه نصف الجيش المصري بتقنيات ودعم إسرائيلي أمريكي أوروبي.

(&) وأخر الاحتمالات التي تكشف الأسباب الحقيقية لاختيار إثيوبيا للدخول في حرب مع مصر والسودان، هو الاعتقاد الوهمي بأنها سوف تحقق انتصارا كاسحا على الجيش المصري مستنده إلى أنها تحارب على أرضها، وأن الجيش المصري يأتي إلى أرض مجهولة لا يعلم من أسرار جبالها وهضابها ما يملكه قاده الجيش الإثيوبي. ويبقى التأكيد على أن الحروب الحديثة، هي حروب خاطفة تنتصر فيها المعدات الحديثة التي تتفوق بها مصر مئات المرات على إثيوبيا التي لا تزال تعتمد على حشد الجنود والمواطنين غير المدربين إلى ساحات القتال لقضوا نحبهم تحت القنابل وأزيز الطائرات.

في النهاية، يمكن القول إن ما تفعله إثيوبيا منذ عشرة سنوات وتمسكها بموقفها دون الالتزام بمتطلبات دولتي المصب، يشير إلى أن حكومة آبي أحمد تسعى إلى تمرير دولتي المصب إلى مسار وحيد، هو مسار الحرب، الذي تتصور على غير الواقع بأن مكاسبها منه تفوق خسائرها، وعليه يمكن التأكيد على أن إثيوبيا هي الخاسر الأكبر من تعنتها ومن سعيها إلى تعقيد الأزمة، خاصة وأن قراءة وتحليل مضمون كلمة وزير الخارجية المصري أمام مجلس الأمن يشير إلى أن الدولة المصرية لن تفرط في نقطة مياه، وهو ما أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي سابقا، بأن ” مياه النيل خط أحمر”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى