لماذا تراجعت فرنسا عن تعليق عملياتها العسكرية في مالي؟

شهدت منطقة الساحل الإفريقي، وبالتحديد مالي أحداثاً متشابكة لدرجة دخولها في نفق مظلم، ففي أقل من تسعة أشهر تم حدوث انقلابين، الأول في أغسطس 2020، والثاني في 24 مايو 2021، مما أدى بفرنسا إلى انسحابها وتعليق عملياتها المشتركة 3 يونيو الماضي، كذلك قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتعليق المساعدة الأمنية لقوات الأمن المالية، بينما قام الاتحاد الإفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) بتعليق عضوية مالي، وفي خطوة مفاجئة أعلنت فرنسا في 2 يوليو الجاري استئناف عملياتها العسكرية المشتركة وكذلك المهام الاستشارية الوطنية التي تم تعليقها بهدف تصحيح الأوضاع وكسب الشارع الفرنسي، ذلك عقب إعلان نتائج الانتخابات الإقليمية في فرنسا بهزيمة ماكرون وحزبه، والتي سيكون لها دور في الانتخابات الرئاسية المزمع انعقادها 2022.

تأسيساً على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى إلقاء الضوء على الأحداث المتشابكة التي شهدتها مالي، وأسباب وحيثيات تراجع فرنسا عن تعليق عملياتها العسكرية هناك، بالإضافة إلى توضيح التخبط في السياسة الخارجية الفرنسية في التعامل مع دول منطقة الساحل.

خطوة مفاجئة:

قامت فرنسا بتعليق كافة عملياتها العسكرية في مالي 3 يونيو الماضي في خطوة مفاجئة، عقب الانقلاب الثاني في 24 مايو الماضي بقيادة “أسيمي غويتا”، حيث أدان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال القمة الأوروبية في بروكسل 25 مايو الماضي اعتقال رئيس مالي ورئيس وزرائه، مما يشكل “انقلابا داخل الانقلاب”، وانحراف عن الديمقراطية، بالإضافة إلى سير البلد باتجاه “الإسلاموية الراديكالية” وهو أمر مرفوض تماما بالنسبة لفرنسا، خاصة بعد حدوث انقلابين خلال تسعة أشهر.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن فرنسا كانت قد أعلنت من قبل خلال قمة دول الساحل الخمس التي تم انعقادها في يناير الماضي في مدينة بو (جنوب غرب فرنسا)، بأنها تنوي الخروج من مالي، إلا أنها قررت البقاء نتيجة طلب دول المنطقة حتى لا يتسبب ذلك في زعزعة الاستقرار.

من “برخان إلى تاكوبا”:

 تقوم كل من مالي وفرنسا بأداء أدواراً رئيسية في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، وفي هذا السياق أعلنت وزارة الجيوش في 2 يوليو الجاري، بأن فرنسا قامت باستئناف عملياتها العسكرية المشتركة، وأنها ما زالت منخرطة بالكامل مع حلفائها الأوروبيين والأميركيين إلى جانب دول الساحل والبعثات الدولية، ذلك لمحاربة الجماعات الجهادية المنتشرة في المنطقة، الجدير بالذكر أنه في وقت سابق قد قرر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنهاء عملية برخان التي قامت في الأول من أغسطس 2014، لتبرر مصالح فرنسا الاستراتيجية في المنطقة وفي مقدمتها محاربة الإرهاب، للمشاركة في ائتلاف دولي يدعم القوات المحلية، لحشد التأييد الأوروبي.

وبالرغم من مرور حوالي ثماني سنوات من وجودها المستمر _عملية برخان_ في منطقة الساحل، وانتشار 5100 جندي في المنطقة، إلا أنها لم تجن الثمار المأمولة من خلال القضاء على الإرهاب، في هذا السياق تسعى فرنسا إلى الانتقال من مكافحة الجماعات المتطرفة في الخطوط الأمامية إلى الدعم والمرافقة “استخبارات، طائرات بدون طيار، طائرات مقاتلة، …”، وهي طريقة لتقليل المخاطر وإجبار دول المنطقة على تحمل مزيد من المسؤولية عن أمنها.

بالتالي بدأ التحول في الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل منذ يناير2020، مع تشكيل مجموعة “تاكوبا” من القوات الخاصة الأوروبية بمبادرة من فرنسا، بهدف توفير فرق صغيرة من الضباط من أجل دعم الجيش المالي، حيث  تعتزم فرنسا مغادرة قواعد في شمال مالي في مناطق “تيساليت وكيدال وتمبكتو”، بحلول نهاية 2021، ذلك لتركيز وجودها على طريق “غاو وميناكا”،- أي قرب ما يسمى منطقة “المثلث الحدودي” بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وكذلك في نيامي عاصمة النيجر، سيتم إجراء تخفيض عدد العسكريين الفرنسيين تدريجيا، حتى يصل إلى نحو 3500 في غضون سنة ثم 2500 بحلول عام 2023.

وفي سياق متصل، أكدت وزيرة الجيوش الفرنسية “فلورنس بارلي” على أن الالتزام العسكري الفرنسي “سيظل كبيرا جدا”، كما أضافت بأنه لا بد من محاربة المجموعات الإرهابية ومواصلة هذا العمل الذي سيسمح للقوات المسلحة لدول منطقة الساحل بأن تكون في وضع يمكنها من الرد والتصدي، وأشارت إلى أن القوات المسلحة لمنطقة الساحل أصبحت تتمتع بقدرة أكبر على مواجهة أعدائها.

انسحاب مشروط:

تأسيساً على ما سبق، يتبين أن فرنسا لم تتخذ أي قرار رسمي بشأن الانسحاب من مالي، لكن قامت فقط بتعليق وجودها العسكري بشكل مؤقت، كونها مجبرة على مواصلة الوجود في المنطقة لعدة اعتبارات:

(*) حدة التنافس بين فرنسا وروسيا على التوغل في  أفريقيا خاصة في أفريقيا الوسطى وامتداداً نحو مالي.

(*) تكبد القوات الفرنسية خسائر عسكرية من التنظيمات الإرهابية، نظراً لاستهداف قوة برخان بالنيجر، بالتالي جاء الرد الفرنسي بمقتل “عبد الحكيم الصحراوي” وستة إرهابيين.

 (*) إثبات السلطات الفرنسية وجودها بمنطقة الساحل والصحراء، الهيمنة على القطب الأفريقي بالرغم من انتقاد سياستها بالمنطقة، خاصة قرب الانتخابات الرئاسية الفرنسية، والهزيمة التي نالها ماكرون وحزبه بالانتخابات الإقليمية.

ازدواجية المعايير:

من ناحية أخرى هناك تفاوت صارخ في الموقف الفرنسي من الوضعين في تشاد ومالي، ففي تشاد دعمت فرنسا الانقلاب على الدستور الذي حدث إثر وفاة الرئيس إدريس ديبي، عندما تولى ابنه قيادة البلاد بدلاً من رئيس الجمعية الوطنية، الذي ينص الدستور على خلافته للرئيس في حالة وقوع عائق يحول الأخير دون مزاولة مهامه، بينما في مالي رفضت بشكل قاطع الحوار بين السلطات في مالي والجادين، بالإضافة إلى إعلانها المفاجئ بتعليق عملياتها العسكرية والانسحاب من مالي اثر انقلاب 24 مايو الماضي، مما يبرهن على انتهاجها تكتيكات الكيل بمكيالين في سياستها الخارجية، عدم ثبوت في الرؤية الجيواستراتيجية.

في النهاية، يمكن القول إن فرنسا لم توقف عملياتها في مالي، ولم تنهي وجودها العسكري، بل تمّ ترقيتها من “عملية برخان” الفرنسية إلى عملية “تاكوبا” المتعددة الأطراف تحت غطاء الاتحاد الأوروبي، كما أنه من المستحيل أن تستطيع “برخان” وحدها فرض السيطرة على الساحل، ما لم يتم حل الأزمة في ليبيا، وتحقيق الأمن وفرض السيطرة على الحدود الجنوبية، وفي هذا السياق لابد أن تقوم فرنسا بمراجعة الاستراتيجية التي تتبناها بالتعاون مع دول مجموعة الساحل الخمس، للتغلب على التحديات التي أصبحت تهدد قدرة القوات الفرنسية في مكافحة الإرهاب في المنطقة، وبالتالي تتعلق العديد من الآمال على عملية تاكوبا التي من المنتظر أن تصبح مكملة لعملية برخان لمكافحة الإرهاب في الساحل، حتى تستطع استعادة ثقة شعوب دول منطقة الساحل بشأن جدوى وجودها العسكري في المنطقة.

 

نداء السيد حسن محمد

نائب رئيس وحدة دراسات الأمن الإقليمي . حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومه في الدراسات الأفريقية، وماجستير العلوم السياسية من جامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى