ملاحظات إضافية حول مشروع قانون المالية العامة

عبد الفتاح الجبالي

وافق مجلس الشيوخ مؤخرا، من حيث المبدأ، على مشروع قانون المالية العامة الموحد والهادف الى التوافق مع الدستور والتطورات الحديثة فى المالية العامة، وتوحيد الأطر القانونية المنظمة لهذه العملية. لذا قام بدمج قانون الموازنة مع قانون المحاسبة الحكومية بما يعكس فلسفة الأداء المالى للدولة. وهذا توجه جيد للغاية خاصة أن المشروع أشار الى ضرورة  تطبيق موازنة البرامج والأداء فى غضون أربع سنوات كوسيلة مثلى لترشيد الإنفاق العام، هذا مع تسليمنا الكامل بأن هذه فترة طويلة نسبيا خاصة أن العديد من الجهات تقوم بالتطبيق بالفعل، وأصبحت البنية الأساسية متوافرة للتطبيق. ويعد هذا المشروع من أهم الموضوعات المطروحة للنقاش لأنه يتعلق بكفاءة إدارة المالية العامة وبصفة خاصة إدارة الإنفاق العام. وذلك بعد أن تفاقم العجز فى الموازنة وازداد الدين العام بصورة كبيرة.  ومن المعروف أن السياسة المالية، ليست سياسات مجردة ومستقلة عن الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والسياسية القائمة فى المجتمع، بل هى جزء لايتجزأ من هذا النظام وأداة مهمة من أدواته. فى ضوء الأدوار المهمة والخطيرة التى تلعبها الموازنة العامة على جميع الأصعدة سياسيا وإجتماعيا وإقتصاديا. فالغرض الأساسي منها هو تحقيق رقابة دستورية بإعتبارها وثيقة سياسية وقانونية وتضمن المشاركة الفعالة من جانب كل فئات المجتمع. والثانية إقتصادية ومالية. مع الأخذ بالحسبان أن نجاح السياسة المالية، فى تحقيق أهدافها التنموية، يتوقف على عاملين أساسيين هما الموارد المتاحة للمجتمع والكيفية التي يتم بها إستخدام هذه الموارد. لكل ماسبق يصبح من الضرورى النقاش الجاد مع ماجاء بالمشروع المذكور، حتى يحقق الأهداف المنوطة منه، لذلك واستكمالا لما سبق أن تناولناه من تعليق على النسخة الأولى، فإننا نحاول مناقشة النسخة الجديدة. وهنا توجد بعض المواد التى تحتاج الى مراجعة، منها ماذهب إليه المشروع من تعريف لعلم المالية العامة وكذلك رأى مجلس الشيوخ فى هذه المسألة، إن كان من الأفضل حذف هذا التعريف، نظرا لأن التعريفات التى جاءت به تختلف كثيرا عن التعريفات العلمية العديدة لعلم المالية العامة وفى ظل وجود العديد من التعريفات التى تختلف فيما بينها خاصة انه يربط بين النظرية الإقتصادية والواقع الإقتصادى المعيش ومدى العدالة والإجحاف فى المجتمع وهو ما يجعله من الأهمية وبالتالى ضرورة معرفة قواعده وأسسه. وفى هذا السياق فقد جانب المشروع الصواب حين أشار الى أن الموازنة هى البرنامج المالى للحكومة، والأدق أنها للدولة.

وثانى النقاط المهمة ما يتعلق بالإعتمادات الإجمالية لبعض الجهات لإعتبارات معينة إذ أن التعديل الذى أدخله مجلس الشيوخ أضاف مجلسى الشيوخ والنواب، ولكن يظل السؤال عن الجهات الاخرى مثل الجهاز المركزى للمحاسبات والذى نرى أنه الأحق نظرا للدورالرقابى الذى يقوم به، بعد الصرف. وبالتالي فإن دوره محوري في صنع الموازنة ومراقبتها. وهومايحتاج إلى ضمانات أساسية يأتى على رأسها ضمان استقلاليته، لذلك يقع ضمن الجهات التي تدرج موازناتها كبند واحد. يضاف الى ماسبق الحديث عن المادة 23  والتى أشارت الى أن يتولى الوزير عرض مشروع قانون ربط الموازنة، بدلا من نص الحكومة والقاضى بعرض مشروع الموازنة، ونرى أن الثانى أشمل وأعمق لأنه يتضمن مشروع الربط بالإضافة الى الأطر الناظمة والفلسفة الحاكمة للسياسة المالية، مع تسليمنا الكامل بأن النص الدستورى فى المادة 124 به خطأ شديد حيث خلط بين قانون الموازنة وقانون ربط الموازنة. وكذلك المادة 30 والتى أشارت الى أخذ رأى الوزارة فى مشروعات القوانين التى من شأنها ترتيب أعباء مالية إضافية على الموازنة العامة، والأدق هو الخزانة العامة لأنه يتسع ليشمل الجهات غير الداخلة فى الموازنة.وهنا يجب أن يتم استبدال كلمة السلطة المختصة بكلمة أخرى، لأنها فى هذه المادة تختلف عن التعريف الوارد فى مشروع القانون. يرتبط بذلك المادة 69  حيث يرى مجلس الشيوخ ضرورة عرض الحساب الختامى عليه، وهذا لايتوافق مع نص المادة 125 من الدستور والتى تنص على عرض الختامى على مجلس النواب فقط، أما المادة 249 فهى تتحدث عن خطة الدولة ولم تذكر الحساب الختامى. وهذا لاينفى أهمية عرض الختامى على المجتمع ككل تحقيقا للشفافية. وفى هذا السياق يجب العمل على أن تقدم الموازنة بيانات كاملة وشاملة عن النشاط الحكومي السابق والحالي والمستقبلي، وتغطى بالتفصيل جميع العمليات الحكومية، مما يؤدى إلى زيادة كفاءة الإدارة المالية للموازنة، وخاصة ما هو متعلق بالإنفاق الاستثماري. ولا شك أن إدراج معلومات عن الإلتزامات المالية للحكومة فى الأجل الطويل والخاص بالمشروعات الكبيرة سيؤدى إلى مساعدة راسمي السياسة فى وضع سياسات مالية متوسطة الأجل أكثر حرصاً وتتميز بكفاءة أكبر فى استخدام الموارد. وقد يكون السبيل إلى ذلك نشر تقرير عن الإستثمار لعدة سنوات بحيث يتضمن إلتزامات كل مشروع فى ضوء التكلفة الكلية والعائد المتوقع خلال السنوات المقبلة وكذلك التكلفة الجارية للمشروع.  كما يجب أن يتضمن المشروع باباً جديداً عن شفافية الموازنة يحتوى على القواعد العامة والشروط التى يجب الإلتزام بها فى إعداد قانون ربط الموازنة وكل التقارير المتعلقة بالمالية العامة.على النحو الذى يضع إطارا موحدا ومتسقا لكيفية إعداد وثائق الموازنة. ويضمن تقديم معلومات كافية عن كل الكيانات الاقتصادية العامة والتى تقوم بأنشطة خارج الموازنة ولكنها تؤثر على السلامة المالية للدولة مثل الهيئات الإقتصادية وبنك الإستثمار القومى. مع ضرورة تحديد موعد ثابت لوزيرى المالية والتخطيط لإلقاء كل منهما بيانه على ألا يتجاوز شهراً من تقديم مشروع الموازنة.

نقلا عن الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى