ما هي قيود سير العمليات العسكرية لحماية ضحايا الحروب؟

د. محمد بدرت بدير- خبير الشئون الأمنية.

إن الأسلحة المحظورة تم حظرها بموجب القانون الدولي الاتفاقي أو المبادئ العامة، باعتبارها تسبب آلاماً ومعاناة غير ضرورية، في حين أن الأسلحة المسموح بها مقيدة طبقاً لمبدأي (الضرورة العسكرية، التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين)، كما يعكسها كل من القانون الدولي الاتفاقي، والدولي العرفي.

تأسيسا على ما سبق، يتطرق هذا التقرير إلى مبدأي الضرورة والتمييز كقيود حددهما القانون الدولي الاتفاقى والقانون الدولي العرفي على سير العمليات العسكرية من أجل حماية ضحايا الحروب.

الضرورة العسكرية:

أقرت أحكام القانون الدولي الإنساني مبدأ الضرورة العسكرية أو الحربية في أكثر من 9151 وثيقة من مواثيق القانون الدولي الإنساني، فقد وردت في الفقرة الخامسة من ديباجة اتفاقية لاهاي لسنة 1907م، كما وردت في أكثر من مادة ضمن اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافيين الأول والثاني.

وتدور الضرورة الحربية في إطار فكرة مفادها أن استعمال العنف والقسوة في الحرب يقف عند حد إضعاف العدو وقهره وتحقيق الهدف من الحرب، عن طريق هزيمته وكسر شوكته وتحقيق النصر، فإذا تحقق الهدف امتنع التمادي والاستمرار بالعمليات العسكرية.

وينطلق هذا الفهم للضرورة الحربية من عدة أسس منها أن الحرب بحد ذاتها استثناء، إذ لا يمكن القبول بأن تكون الحرب هدفاً في حد ذاتها، فالحرب وسيلة، بل يجب أن تكون الوسيلة الأخيرة التي تستخدمها دولة لإجبار دولة أخرى على الإذعان والاستسلام، وهو ما تم تأكيده في إعلان بطرسبرغ لعام 1868م، بشأن حظر استعمال بعض القذائف في وقت الحرب، والذي أرسى قاعدة مفادها “إن الهدف الوحيد المشروع الذي يجب أن تسعى إليه الدول أثناء الحرب هو إضعاف قوات العدو العسكرية، لذلك فإن إقصاء أكبر عدد ممكن من الجنود يكفي لتحقيق هذا الغرض”، فالحرب إذاً تنطوي على استخدام ما يلزم من سبل الإكراه للوصول إلى تلك النتيجة، وبالتالي فإن كل العنف الذي لا ضرورة له لتحقيق هذا الهدف إنما هو عنف لا غرض له، ويصبح مجرد عمل وحشي.

وبهذا تعد الضرورة الحربية قيد على العمليات الحربية، فسير العمليات العسكرية وما يستتبعها من استخدام وسائل قتالية مقيدة بقواعد السلوك التي نصت عليها اتفاقية لاهاي، ولا يحق لأطراف النزاع المسلح الخروج على تلك القواعد إلا إذا توافرت الضرورة الحربية، ومفاد المخالفة هنا هو إذا لم تتوافر الضرورة الحربية فأطراف النزاع ليس لهم حق الخروج على تلك القواعد.

ومما تقدم بيانه نخلص إلى نتيجة تفيد بأن الضرورة الحربية هي ظهور حاجة عسكرية حالة وملحة تطرأ أثناء الاشتباكات المسلحة (أي قد تمليها ظروف القتال) يقدرها قائد ذو صلاحية تقتضي الخروج على قواعد قانونية تُجيز ذلك الخروج بشكل مؤقت عن طريق استخدام أساليب ووسائل قتالية -لابد وأن تكون مشروعة -لتحقيق ميزات عسكرية، بهدف إضعاف قدرات الطرف الآخر بالنزاع، مع تجنب الإضرار بالمصالح المحمية قدر المستطاع، وبما يتناسب مع هذه الحالة الاستثنائية.

القيود الواردة على الضرورة الحربية:

إن الضرورة الحربية كما أسلفنا هي استثناء يخول القوات العسكرية الخروج على مبادئ القانون الدولي الإنساني حال توفرها، ولم ﻴﺄﺕ ﺫﻟﻙ الاستثناء ﻋﻠﻰ إﻁﻼﻗﻪ ﺒل ﻗﻴﺩ ﺒﻤﺒﺩﺃﻱ (ﺍﻟﺘﻨﺎﺴﺏ، ﻭﺘﻘﻴﻴﺩ ﻭﻀﺒﻁ ﻭﺴﺎﺌل ﺇﻟﺤـﺎﻕ ﺍﻟﻀـﺭﺭ ﺒﺎﻟﺨﺼﻡ) -وذلك بموجب ﺃﺤﻜﺎﻡ وقواعد القانون الدولي الإنساني -ﻭﺒﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻴﺘﻌﻴﻥ ﻋلى ﺍﻷﻁﺭﺍﻑ ﺍﻟﻤﺘﺤﺎﺭﺒﺔ ﺃﻥ ﺘﺄﺨﺫ ﺒﻌﻴﻥ ﺍلاﻋﺘﺒﺎﺭ ﻀﺭﻭﺭﺓ ﺃﻥ ﺘﺘﻤﺎﺸﻰ ﺍﻟﻭﺴﺎﺌل ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺩ ﺘﺴﺘﺨﺩﻤﻬﺎ ﻤﻊ ﻤﺎ ﻫﻭ ﺠﺎﺌﺯ ﻭﻤﺴﻤﻭﺡ ﻟﻬﺎ ﻭﻓﻘﺎً ﻷﺤﻜﺎﻡ القانون الدولي الإنساني، وذلك على النحو التالي:

(*) معيار التناسب: ويتمثل هذا القيد في أن يلزم عند الإصابة أو التدمير أن تقف عند حد المصالح المحمية بالقانون، وأن تتناسب مع الضرورة العسكرية التي تطلبت ذلك بحيث لا تزيد أو تفرط (الإصابة أو التدمير) عن المزايا العسكرية والهدف المراد تحقيقه.

أي ﻤﺭﺍﻋﺎﺓ ﺍﻟﺘﻨﺎﺴﺏ ﻤﺎ ﺒﻴﻥ ﺍﻟﻀﺭﺭ ﺍﻟﺫﻱ ﻗﺩ ﻴﻠﺤﻕ ﺒﺎﻟﺨﺼﻡ، ﻭبين ﺍﻟﻤﺯﺍﻴﺎ ﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻴﺔ ﺍﻟﻤﻤﻜـﻥ ﺘﺤﻘﻴﻘﻴﻬـﺎ ﻨﺘﻴجة لاﺴﺘﺨﺩﺍﻡ ﺍﻟﻘﻭﺓ ﺃﺜﻨﺎﺀ ﺴﻴﺭ العمليات ﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻴﺔ.

وبذلك ﻴﺴﻌﻰ ﻤﺒﺩﺃ ﺍﻟﺘﻨﺎﺴﺏ ﺇﻟﻰ ﺇﻗﺎﻤﺔ ﺍﻟﺘﻭﺍﺯﻥ ﺒـﻴﻥ ﻤﺼـﻠﺤﺘﻴﻥ ﻤﺘﻌﺎﺭﻀﺘﻴﻥ ﻫﻤﺎ: ﺍﻹﻨﺴﺎﻨﻴﺔ والضرورة الحربية، ﻓﺎﻹﻨﺴﺎﻨﻴﺔ ﺘﻔﺭﺽ اﺤﺘﺭﺍﻡ ﺍﻟﻀﺤﺎﻴﺎ ﻭﻋﺩﻡ ﺍﻟﺜﺄﺭ ﻤﻨﻬﻡ، ﻭﺍﻟﻀﺭﻭﺭﺓ ﺘﻘﻴﺩﻫﺎ ﺍﻟﻀﻭﺍﺒﻁ ﺍﻹﻨﺴﺎﻨﻴﺔ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﻴﺠﻭﺯ ﻤﻌﻬﺎ ﺍلاﺴتخدام غير المتناسب للقوة، من خلال الاحتجاج بالمقتضيات العسكرية ﺍﻟﻤﺠﺭﺩﺓ.

ﻭﺘﻜﺭﻴﺴﺎً ﻟﻤﺒﺩﺃ ﺍﻟﺘﻨﺎﺴﺏ، ﻴﻔﺭﺽ القانون الدولي الإنساني ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻁﺭﺍﻑ ﺍﻟﻤﺘﺤﺎﺭبة اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتفاي ﺇﻟﺤﺎق ﺍﻟضرر ﺒﺎﻟﺴﻜﺎﻥ ﺍﻟﻤﺩﻨﻴﻴﻥ ﻭﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺩﻨﻴﺔ، ﻭﺫﻟﻙ بالامتناع ﻋﻥ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ بأﻱ ﻫﺠﻭﻡ ﻴﺘﻭﻗـﻊ ﻤﻨـﻪ ﺃﻥ ﻴﺴﺒﺏ ﺨﺴﺎﺌﺭ ﺒﺸﺭﻴﺔ ﻓﻲ ﺼﻔﻭﻑ ﺍﻟﻤﺩﻨﻴﻴﻥ ﺃﻭ ﺃﻀﺭﺍﺭﺍً ﺒﺎﻷﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺩﻨﻴﺔ، ﺃﻭ ﺃﻥ ﻴﻨﺘﺞ ﻋﻥ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻬﺠـﻭﻡ ﺨﺴـﺎﺌﺭ ﻭﺃﻀﺭﺍﺭ ﻻ ﺘﺘﻨﺎﺴﺏ ﻤﻊ ﺍﻟﻤﻴﺯﺓ ﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻴﺔ ﺍﻟﻤﺭﺍﺩ ﺘﺤﻘﻴﻘﻬﺎ، ﻭﺒﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻴﺠﺏ ﺇﻟﻐﺎﺀ ﺃﻭ ﺇﻴﻘﺎﻑ ﺃﻱ ﻫﺠـﻭﻡ ﻴﺘﻀـﺢ ﺃﻥ ﻫﺩﻓﻪ ﻏﻴﺭ ﻋﺴﻜﺭﻱ، ﺃﻭ ﺃﻥ ﺍﻟﻬﺩﻑ ﻴﺘﻤﺘﻊ ﺒﺤﻤﺎﻴﺔ خاصة ﺒﻤﻭﺠﺏ ﺃﺤﻜﺎﻡ ﺍﻟﺤﻤﺎﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺘﻭﻓﺭﻫـﺎ ﻗﻭﺍﻋـﺩ القانون الدولي الإنساني ﻟﻸﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﻤدنية ﻭﺍﻟﻤﻤﺘﻠﻜﺎﺕ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ، ﻭﻴﻌﺘﺒﺭ ﺍﻟﻬﺠﻭﻡ ﺍﻟﻌﺸﻭﺍﺌﻲ (كالهجوم قصفاً بالقنابل) ﺠﺭﻴﻤﺔ ﺤﺭﺏ، ﻭﻜﺫﻟﻙ ﺍﻟﺸﺄﻥ ﺒﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻬﺠﻭﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻨﺸﺂﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺘﺤﺘﻭﻱ ﻋﻠﻰ ﻗﻭﻯ ﺨﻁﺭﺓ ﺒﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟـﻭﺍﺭﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺭﻭﺘﻭﻜﻭل ﺍﻷﻭل، ﻭﻫﻲ ﺠﺭﺍﺌﻡ ﺘﻘﺘﻀﻲ ﻤﻼﺤﻘﺔ ﻭﻤﺤﺎﻜﻤﺔ ﻤﺭﺘﻜﺒﻴﻬﺎ ﻓﻲ ﺩﺍﺨل ﺩﻭﻟﻬﻡ ﺃﻭ خارجها، ﻭﻫﺫﺍ ﻤـﺎ ﺃﻜﺩﺕ ﻋﻠﻴﻪ ﻨﺹ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ “52” ﻤﻥ ﺍﻟﺒﺭﻭﺘﻭﻜﻭل ﺍﻷﻭل ﻟﻌﺎﻡ 1977.

(*) تقييد وضبط وسائل إلحاق الضرر: تجسد هذا المعيار في المادة (22) من لائحة لاهاي، حيث نصت على أنه “ليس للمحاربين حق مطلق في اختيار وسائل إلحاق الضرر بالعدو”، كما ﺃﻜﺩ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻙ ﺍﻟﺒﺭﻭﺘﻭﻜﻭل ﺍﻹﻀﺎﻓﻲ ﺍﻷﻭل ﻟﺴﻨﺔ 1977م ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ (35) ﺒﺎﻟﻨﺹ ﻋﻠﻰ “إن حق أطراف أي نزاع مسلح في اختيار وسائل القتال ليس حقاً لا تُقيده قيود، فضلاً عن أنه ﻴﺤﻅﺭ استخدام ﺍﻷﺴﻠﺤﺔ ﻭﺍﻟﻘﺫﺍﺌﻑ ﻭﺍﻟﻤﻭﺍﺩ ﻭﻭﺴﺎﺌل ﺍﻟﻘﺘﺎل ﺍﻟﺘﻲ ﻤﻥ ﺸﺄﻨﻬﺎ ﺇﺤﺩﺍﺙ ﺇﺼﺎﺒﺎﺕ ﺃﻭ ﺁﻻﻡ ﻻ ﻤﺒﺭﺭ ﻟﻬﺎ، كما ﻴﺤﻅﺭ اﺴﺘﺨﺩﺍﻡ ﻭﺴﺎﺌل ﺃﻭ ﺃﺴﺎﻟﻴﺏ ﻟﻠﻘﺘﺎل ﻴﻘﺼﺩ ﺒﻬﺎ ﺃﻭ ﻗﺩ ﻴﺘﻭﻗﻊ ﻤﻨﻬـﺎ ﺃﻥ ﺘﻠﺤﻕ ﺒﺎﻟﺒﻴﺌﺔ ﺍﻟﻁﺒﻴﻌﻴﺔ ﺃﻀﺭﺍﺭﺍً ﺒﺎﻟﻐﺔ ﻭﺍﺴﻌﺔ ﺍلاﻨﺘﺸﺎﺭ ﻭﻁﻭﻴﻠﺔ ﺍﻷﻤﺩ”.

ويستفاد من ذلك أنه إذا توافرت الشروط اللازمة في حالة الضرورة الحربية، فهذا لا يعنى أن يتم استخدام أي وسيـلة متاحة، بل يجب أن تكـون هذه الـوسيلة مشروعة لاستخدامها وفـق أحكام القانون الـدولي، فلا تستخدم إلا الأسلحة والوسائل المسموح بها والجائزة.

مبدأ التمييز:

يعد مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين من جهة، والأهداف العسكرية والأعيان المدنية من جهة أخرى ﺃﺴـﺎﺱ قوانين الحرب وأعرافها، وأحد أهم المبادئ في قواعد القانون الدولي الإنساني، فهو يشكل ضمانة أساسية لحماﻴﺔ الأشخاص الذين ﻻ ﻴﺸﺎﺭﻜﻭﻥ ﻭﻻ ﻴﺴﺎﻫﻤﻭﻥ ﻓﻲ ﺍﻷﻋﻤـﺎل الحرﺒﻴـﺔ، ﺤﻴﺙ يعتبر غير المقاتلين من ﺃﻜﺜﺭ الفئاﺕ ﺘﻀﺭﺭﺍً ﺨﻼل النزﺍﻋـﺎﺕ المسلحة، ﻭﻴﺘﻁﻠﺏ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻤﺒﺩﺃ ﻤﻥ ﺃﻁﺭﺍﻑ النزاع ﺍﻟﻤﺴﻠﺢ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺯ ﺒـﻴﻥ ﺍﻟﺴـﻜﺎﻥ المدنيين ﻭﺍﻟﻤﻘﺎﺘﻠﻴﻥ، ﻭﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺯ أيضاً بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ﻭﻤﺭﺍﻋﺎﺓ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻤﺒﺩﺃ ﻻ غنى عنه لكفالة حماية المدنيين وممتلكاتهم.

وتم إقرار هذا المبدأ في المادة (48) من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لسنة 1949م والصادر عام 1977م، حيث تم النص بشكل مباشر على الآتي “تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين من جهة، والأعيان المدنية والأهداف العسكرية من جهة أخرى، ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين والأعيان المدنية”.

ويشار إلى أن مفهومي ﺍلحماﻴﺔ والاحترام ﺍلوﺍﺭﺩﻴﻥ ﻓﻲ المادة (48) ﺃﻋﻼﻩ هما ﻤﻔﻬﻭﻤـﺎﻥ ﻤﺘﻜـﺎﻤﻼﻥ، فيقصد ﻤﻥ ﺍلحماﻴﺔ ﻜل ﺍﻷﻋﻤﺎل ﺍﻹﻴﺠﺎﺒﻴﺔ: كتقديم ﺍلعوﻥ ﻭﺍلمساﻋﺩﺓ ﻭﺍلدﻋﻡ للضحايا ﻭﺼﻴﺎﻨﺘﻬﻡ ﻤﻥ ﺍﻻﻋﺘﺩاء، ﻭﻀﺭﻭﺭﺓ ﻤﻌﺎﻤﻠﺘﻬﻡ ﺒطريقة ﺇﻨﺴﺎﻨﻴﺔ، ﻭﻋﺩﻡ ﺘﻌﺭﻴﻀﻬﻡ للأﺨﻁﺎﺭ ﺤﺘﻰ ﺘﺤﺩﻴﺩ ﻤﺼﻴﺭﻫﻡ، ﺃﻤﺎ ﺍلاﺤﺘﺭﺍﻡ ﻓﻬﻭ ﻤﻔﻬﻭﻡ ﺴﻠﺒـﻲ يقـوم ﻋﻠﻰ ﻋﺩﻡ ﺇﻴﺫﺍﺀ الضحـايا ﺃﻭ ﺘﻬﺩﻴـﺩ ﺤﻴـﺎﺘﻬﻡ، ﻭﺍلاﻤﺘﻨـﺎﻉ ﻋـﻥ اﺴﺘﻬـﺩﺍﻓﻬﻡ ﺃﻭ اﺴﺘﻬـﺩﺍﻑ ﻤﺎ ﻴﻠﺯﻡ لحيـاﺘﻬﻡ، ﻭﻋﺩﻡ ﺍلمساﺱ ﺒﻜﺭﺍﻤﺘﻬﻡ ﺃﻭ ﺴﻼﻤﺘﻬﻡ ﺍلجسدﻴﺔ ﻭﺍلمعنوﻴﺔ.

ويتطلب هذا المبدأ التحديد الدقيق لكل الفئاﺕ التي ﺘﺸﺎﺭﻙ ﻓﻲ القتال -ﺤﺴﺏ القواعد الدولية -فالمقاتل ﻫﻭ الشخص المخول ﺒﻤﻭﺠﺏ القانون الدولي الإنساني ﺒﺤﻤل السلاﺡ ﻭاﺴﺘﺨﺩﺍﻡ القوﺓ ﻀﺩ ﺍلعدو ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻴﺘﺒﻊ ﺫلك ﻤﻼﺤﻘﺔ ﻗﺎﻨﻭﻨﻴـﺔ ﺃﻭ ﺠﺯﺍﺌﻴـﺔ ﺠـﺭﺍﺀ التي ﻗﺎﻡ ﺒﻬﺎ ﻤﺎﺩﺍﻡ ﻴﺤﺘﺭﻡ ﺃﻋﺭﺍﻑ ﻭﻗﻭﺍﻨﻴﻥ الحرب.

المقاتلين في النزاعات المسلحة:

وتصنف ﻓﺌﺎﺕ المقاتلين ﻓﻲ النزﺍﻋـﺎﺕ المسلحة وفقاً للآتي: ﺃﻓﺭﺍﺩ القوات المسلحة ﺍلنظاﻤﻴﺔ،  المليشيات والوحدات المتطوعة ﺍلتي ﺘﺸﻜل ﺠﺯﺀاً ﻤﻥ القوات المسلحة، ﺴﻜﺎﻥ ﺍﻷﺭﺍﻀﻲ ﻏﻴﺭ المحتلة الذين ﻴﺤﻤﻠﻭﻥ ﺍلسلاح ﻤﻥ ﺘﻠﻘﺎﺀ ﺃﻨﻔﺴﻬﻡ ﻋﻨﺩ اﻗﺘﺭﺍﺏ العدو لمقاومة القوات الغازية (المقاومة الشعبية). أما بالنسبة لفئات ﻏﻴﺭ المقاتلين فهي كالآتي: الأشخاص غير القادرين على القتال (كالجرحى – المرضى – الغرقى – أسرى الحرب وغيرهم)، أفراد الخدمات الطبية والدينية سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، أفراد الدفاع المدني، وأفراد منظمات الإغاثة الإنسانية الدوليين والمحليين المرخص لهم بأعمال الإغاثة.

وفيما ﻴﺘﻌﻠﻕ ﺒﺎﻷﻋﻴﺎﻥ فقد تضمنت غالبية الاتفاقيات الدولية التي تشكل في مجموعها قواعد القانون الدولي الإنساني تحديد الأعيان المدنية التي لا يجوز استهدافها من قبل القوات المتحاربة وهي “ﻜـل  ﻤﺒنى ﻻ ﻴﺸﻜل ﻫﺩفاً ﻋﺴﻜﺭياً، ﻭﺨﺹ ﺒﺎﻟﺫﻜﺭ ﺍﻟﺴﺩﻭﺩ، ﻭﺍﻟﻤﺤﻁﺎﺕ ﺍﻟﻨﻭﻭﻴﺔ ﻟﺘﻭﻟﻴﺩ ﺍﻟﻁﺎﻗﺔ ﺍﻟﻜﻬﺭﺒﺎﺌﻴﺔ، ﻭﺍﻟﻤﻤﺘﻠﻜـﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﻏﻨﻰ ﻋﻨﻬﺎ  ﻟﺒﻘﺎﺀ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ ﺍﻟﻤﺩﻨﻴﻴﻥ ﻋﻠﻰ ﻗﻴﺩ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ (كالمنازل السكنية، والممتلكات التجارية الخاصة، والجامعات، والمدارس، والمستشفيات، والمقدسات الدينية كدور العبادة، والأماكن الثقافية، وغيرها)، ﻭﺘﻭﻓﻴﺭ ﺍﻟﺤﻤﺎﻴﺔ  للمناﻁﻕ ﺍﻵﻤﻨﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﻴﺩة ﻭﻤﻨﺯﻭﻋـﺔ ﺍﻟﺴﻼﺡ، ﻭﺍﻟﻤﺤﻼﺕ ﻏﻴﺭ ﺍﻟﻤﺤﻤﻴﺔ ﻋﺴﻜﺭﻴﺎً ﻭﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ”.

وتجدر الإشارة إلى أن الحماية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني للأشخاص والممتلكات، تظل قائمة ما لم يشارك الشخص المحمي في العمليات الحربية، وما لم تستخدم الممتلكات المحمية لأغراض حربية.

ﻭيعطي القانون الدولي الإنساني ﺍﻷﻭﻟﻭﻴﺔ ﻟﻤﻨﺢ ﺍﻟﺼﻔﺔ ﻟﻸﺸﺨﺎﺹ والأعيان، وفي ﺤﺎل ﺜﺎﺭ ﺍﻟﺸـﻙ ﺤﻭل ﺤﻘﻴﻘﺔ ﺼﻔﺘﻬﺎ “ﻤﺩﻨﻴﺔ ﺃﻡ ﻋﺴﻜﺭﻴﺔ”، ﻴﺠﺏ ﺍﻟﺘﺼﺭﻑ ﻋﻠـﻰ اﻋﺘﺒـﺎﺭ ﺃﻥ ﺍﻟﻬـﺩﻑ ﺍﻟﻤﺸﻜﻭﻙ ﻓﻲ ﻫﻭﻴﺘﻪ ﻫﻭ ﻫﺩﻑ ﻤﺩﻨﻲ ﻻ ﻴﺠﻭﺯ اﺴﺘﻬﺩﺍﻓﻪ، ﻭﻴﻤﻨﻊ ﺍﻟﻘﺎﻨﻭﻥ ﺍﻟﺩﻭﻟﻲ ﺍﻹﻨﺴـﺎﻨﻲ ﺍﻟﻘﻴـﺎﻡ ﺒﻬﺠﻤـﺎﺕ ﻋﺸﻭﺍﺌﻴﺔ، ﻭﻴُﻠﺯﻡ ﺃﻁﺭﺍﻑ ﺍﻟﻨﺯﺍﻉ باتخاذ الاحتياطات ﺍﻟﻼﺯﻤﺔ ﻟﻠﺘﺜﺒﺕ ﻤﻥ ﻁﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﻬﺩﻑ ﺍﻟﻤﻘﺼﻭﺩ ﻤﻬﺎﺠﻤﺘﻪ.

وإجمالاً، يمكننا القول إن ﻤﺒﺩﺃ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين من جهة، والأهداف العسكرية والأعيان المدنية من جهة أخرى يعد أحد أهم مبادئ القانون الدولي الإنساني العرفي المنطبقة في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، بحيث يشكل ﻤﺒﺩﺃ وقائياً يحكم سير العمليات العدائية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى