إلى أين يصل مستوى الشراكة بين “مصر” و”الأردن” و”العراق” بعد مشروع المشرق الجديد؟

جولة جديدة من لقاءات القمة الثلاثية انطلقت الأحد 27 يونيو2021، بالعاصمة العراقية بغداد، جمعت بين الرئيس “عبد الفتاح السيسي”، وملك الأردن “عبد الله الثاني”، ورئيس وزراء العراق “مصطفى الكاظمي”، وذلك في إطار الشراكة الاستراتيجية التي تم الاتفاق على تدشينها بين الدول الثلاث منذ العام 2019، فهل يمكن أن تساهم هذه الشراكة في تأسيس مرحلة جديدة من التكامل الاستراتيجي بين الدول الثلاث من ناحية، وخطوة فاعلة باتجاه تشكيل منظومة تعاون عربي أوسع وأشمل من ناحية أخرى؟، هذا ما نحاول الإجابة عنه في السطور التالية.

منشأ الفكرة:

كانت البداية عندما طرحت فكرة “مشروع المشرق الجديد” ضمن دراسة أعدها البنك الدولي في مارس 2014، تستهدف وضع مشروع اقتصادي يضم دول: سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، إضافة إلى تركيا والعراق ومصر، ويعتمد هذا المشروع على طاقات هذه الدول، والتي تضم مساحة جغرافية تصل حتى 2.4 مليون كم مربع، وكتلة سكانية تبلغ أكثر من 250 مليون نسمة، فضلاً عن ما يتوفر لديها من إمكانيات تجارية وموارد اقتصادية وسياحية وخدماتية كامنة، والعديد من العوامل المشتركة، التي من شأنها المساعدة في إنجاح هذا المشروع ذو الطبيعة الجيوسياسية.

لكن الأوضاع التي كانت تمر بها المنطقة في تلك الفترة – والتي شهدت ظهور تنظيم داعش الإرهابي في العراق عام 2014- لم تسمح بمناقشة المشروع، حتى أعاد رئيس الوزراء العراقي السابق “حيدر العبادي”، طرح فكرته من جديد، لكن رئيس الوزراء العراقي الحالي “مصطفى الكاظمي”، هو من اتخذ خطوات فعليه باتجاه تنفيذه، عبر الاتصالات الثنائية مع القاهرة وعمان، لبحث كيفية اتخاذ الإجراءات اللازمة للبدء في تنفيذ هذا المشروع، استنادا إلى ما يحمله من مكاسب للبلدان الثلاث.

وبخطوات متتابعة وتحركات مكثفة قامت بها الدول الثلاث، أسفرت عن انعقاد القمة الثلاثية (المصرية، الأردنية، العراقية) لأربع مرات متتالية حتى تاريخه، إذ عُقدت القمة الأولى بالقاهرة في 24 مارس 2019، والثانية في سبتمبر 2019، في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، والثالثة بعمان الأردنية في 25 أغسطس 2020، أما الرابعة فقد عقدت ببغداد في 27 يونيو2021، وينتظر أن تلحقها قمة أخرى ستعقد في القاهرة في وقت لاحق، كما تم الاتفاق على إضفاء الطابع المؤسسي على تلك الشراكة الثلاثية، من خلال إنشاء أمانة تنفيذية، يكون لها مقر دوري سنوي، احتضنته بداية وزارة الخارجية الأردنية.

على خطى الاتحاد الأوروبي:

يمثل مشروع “المشرق الجديد”، والذي يعتمد البعد الاقتصادي بالأساس، تحرك نوعي للتعاون الاقتصادي والاستثماري بين مصر والأردن والعراق، من خلال مساعي تشكيل تكتل اقتصادي على غرار ما تم عند إنشاء المجموعة الاقتصادية الأوربية عام 1957، والتي تحولت إلى الاتحاد الأوربي في عام 1992، حيث يمكن أن يؤسس هذا المشروع لمرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي بين الدول الثلاث، خاصة إذا ما تم الشروع في تنفيذ استحقاقاته، ووضع المشروعات التي تم الاتفاق عليها موضع التنفيذ، والتي يأتي أهمها:

(&) تنمية التعاون بين الدول الثلاث، في مجالات اقتصادية واستثمارية، تعتمد رؤية تكاملية بين مصر التي تمثل كتلة بشرية كبيرة، والعراق الذي يشكل كتلة نفطية ضخمة، والأردن؛ الذي يمثل حلقة وصل جغرافي بين البلدين، ويمكنه اتخاذ الترتيبات اللازمة لإنشاء منطقة لوجيستية مشتركة على الحدود العراقية الأردنية، لتسهيل دخول الشاحنات والبضائع المصرية للأراضي العراقية.

(&) مد أنبوب نفط من مدينة البصرة العراقية إلى مدينة العقبة الأردنية، يمكن امتداده إلى الأراضي المصرية، بما يتضمنه ذلك من مصالح متبادلة عديدة، منها وصول نسبة كبيرة من النفط العراقي بعيدا عن مضيق هرمز، وحصول كلا من صر والأردن على النفط بأسعار تفضيلية، تصل إلى 16 دولار للبرميل.

(&) تنفيذ مشروع الربط الكهربي (المصري – الأردني – العراقي) خلال فترة تُناهز 18 شهرا، وذلك عقب انتهاء الدراسات الفنية الجارية حاليا من أجل إتمام تصدير الكهرباء من مصر إلى عمان ثم إلى بغداد، حيث يعاني العراق من نقص حاد في الكهرباء منذ سنوات، ويمكن لمصر سد هذا النقص، لا سيما وأن الأخيرة لديها بالفعل خط للربط الكهربائي مع الأردن منذ قرابة 22 عاما، لكن يستلزم مده للعراق، مضاعفة قدرة هذا الخط.

(&) تطوير شركة الجسر العربي، المملوكة لـ(مصر والأردن والعراق)، والتي تم تأسيسها في نوفمبر من عام 1985 برأسمال مدفوع قدره ستة ملايين دولار أمريكي، مقسمة بالتساوي بين الدول الثلاث، وقد تمت زيادة رأس مال الشركة في عام 2012، حتى أصبح  مائة مليون دولار أمريكي، إذ تعتبر هذه الشركة من شركات الملاحة الرائدة في المنطقة، حيث تمتلك خبرة عملية واحترافية في عمليات النقل البحري.

(&) تسيير خط نقل برى بين الدول الثلاث، يبدأ من القاهرة مروراً بعمان وصولا إلى بغداد والعكس، وذلك من خلال تطبيق البروتوكول الموقع بين جهاز تنظيم النقل البري الداخلي والدولي وشركة الاتحاد العربي (السوبرجيت) من الجانب المصري، وكل من شركتي جيت الأردنية، والوفود والمسافرين العراقية الخاصة، بهدف تسهيل الحركة والتنقل البري بين الدول الثلاث.

هذا إضافة إلى احتواء هذا المشروع على العديد من المشروعات المشتركة، والتي تشمل، إنشاء مدن صناعية، وتعزيز التجارة البينية وزيادة حجم الاستثمارات المتبادلة، فضلا عن التعاون الأمني والاستخباراتي بين الدول الثلاث في إطار عمليات مكافحة الإرهاب.

دلالات مهمة:

إذا كان مشروع الشام الجديد، يستهدف تحقيق تعاون استراتيجي بين مصر والأردن والعراق، ويغلب عليه الطابع الاقتصادي والاستثماري، إلا أن له انعكاسات أخرى لها دلالتها، يأتي من أهمها:

(*) أن بإمكان الدول العربية تشكيل تكتل قادر على النجاح والتطور رغم ما تمر به المنطقة من ظروف صعبة، كما أنه يبعث برسالة ردع في مواجهة التحديات التي تواجه الدول الثلاث في مختلف القضايا.

(*) يحاول العراق من خلال الدخول في هذا المشروع، تأسيس شراكات عربية متعددة، تساعده في عمليات إعادة الإعمار، وفي تجاوز ما يواجهه من تحديات وصعوبات كثيرة، لا زال يعاني منها منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وقد يتمكن في الوقت ذاته من العودة الفاعلة للمنظومة العربية، وكذلك محاولة لاستعادة الثقة في الدولة العراقية على المستويين العربي والدولي.

(*) تمثل زيارة الرئيس المصري “عبدالفتاح السيسي” إلى بغداد، الزيارة الأولى لرئيس مصري منذ نحو 30 عام، وهي زيارة لها أهميتها في هذا التوقيت، والتي تعكس الرغبة المصرية خاصة والعربية عامة في استعادة العراق إلى الحاضنة العربية، والاقتراب أكثر من العراق، بعدما أنهكته التدخلات الخارجية، الإقليمية منها والدولية.

(*) يمكن أن يساعد هذا التكتل في استعادة النفوذ العربي في العراق، وإحداث نوع من التوازن أمام النفوذ الإيراني المتغلغل في الشأن العراقي إلى حد كبير، ومحاولة في الوقت ذاته إلى وضع حد لتلك التدخلات الإيرانية في المنطقة.

تحديات وعقبات:

لكن “مشروع المشرق الجديد”، بالرغم مما يتوفر له من فرص نجاح، خاصة توافر الإرادة السياسية والرغبة الشعبية المؤيدة لهذا المشروع، إضافة إلى ترحيب الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون بين الدول الثلاث، والذي تراه خطوة مهمة في تعزيز العلاقات بينهم، ودفع الاستقرار الإقليمي، إلا أنه قد يواجه عددا من التحديات في المستقبل، لعل أهمها:

(&) يمكن أن تؤدي حالة عدم الاستقرار داخل العراق، وتردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية، وعودة العمليات الإرهابية، إلى إعاقة عمليات التنمية في العراق، مما يخلق بيئة غير مواتية لإنجاز المشروعات التي تم الاتفاق عليها ضمن هذا المشروع.

(&) وجود تيارات سياسية عراقية لها ارتباطات قوية مع إيران، قد ترى هذا المشروع مستهدفا لها بالأساس، مما يدفعها إلى معارضته، خاصة وأن  تلك التيارات يمكنها التأثير داخل البرلمان العراقي والضغط لتوجيه قراراته، مثلما حاولت من قبل إعاقة فتح الحدود العراقية الأردنية، وعودة العلاقات إلى طبيعتها.

(&) عجز الحكومة العراقية عن السيطرة الكاملة على كافة الأوضاع داخل العراق، مما يعطي الفرصة لاستمرار تمدد التيارات المناوئة للتوجهات العربية، واستمرار العراق ساحة لتصفية الخلافات الإقليمية.

(&) قد ترى إيران أن هذا المشروع، يأتي ضمن المساعي العربية لتقليص نفوذها في العراق، مما يدفعها إلى محاولة عرقلته بشتى الطرق، خاصة إذا ما لمست منه تأثيرا مباشرا على مصالحها في العراق، وهذا الحال ينطبق على تركيا أيضا، باعتبار أن لها مصالح ونفوذ واسع داخل الساحة العراقية.

بالنهاية، يمكن القول إن”مشروع المشرق الجديد”، ينطوي على العديد من المزايا الإيجابية لمصر والأردن والعراق، كما أنه يمثل فرصة حقيقية لتشكيل تكتل عربي فاعل، يستند إلى فضاء اقتصادي وثقافي وسياسي، ومصالح إستراتجية ممتدة، ويمكن أن يمثل -إذا ما تجاوز سلبيات مؤسسات العمل العربي- بداية لتعاون إستراتيجي أوسع وأشمل وأكثر فاعلية بين دول عربية أكثر في المستقبل، إذا ما حالفه النجاح الذي ننتظره.

د. عبد الناصر سعيد

رئيس وحدة دراسات الأمن الإقليمي حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية , حاصل على في ماجستير الإعلام ,حاصل على ماجستير في العلوم السياسة , باحث مشارك في عدد من المراكز البحثية السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى