محادثات استكشافية.. هل يتصاعد التوتر بين تركيا والاتحاد الأوروبي؟

تشهد العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي منذ ما يقرب من أسبوع تقريباً، توتراً متعدد الأبعاد، رغم قرب انعقاد قمة قادة رؤساء دول الاتحاد، التي من المفترض أن يتم انعقادها أواخر شهر يونيو الجاري، ذلك على خلفية البيان المشترك الذي صدر عن اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي الـ7 المطلة على البحر المتوسط، الذي تم انعقاده بأثينا في 11 يونيو الجاري، حيث أعلنت وزارة الخارجية التركية في الـ 15 يونيو الجاري بأن هذا البيان ليس له أي قيمة، كونه أحادي الجانب ومنحاز وغير حيادي، ويدافع عن السياسات المتطرفة لليونان وقبرص بشأن قضية قبرص وشرق البحر المتوسط، ولن يقوم بتعزيز التعاون والسلام والاستقرار في المنطقة.

وقد أضافت الخارجية التركية أيضُا، بأنه من المستحيل إقامة أي تعاون إيجابي أو أي نشاط شرقي المتوسط بمعزل عن تركيا وجمهورية شمالي قبرص التركية الجزء الشمالي من قبرص الذي تعترف به تركيا وحده على أنه دولة، بالتالي شدد بيان وزارة الخارجية التركية بضرورة عقد مؤتمر إقليمي حول شرق البحر المتوسط، ذلك في إشارة إلى المقترح التركي بعقد مؤتمر موسع للدول المطلة على البحر المتوسط لبحث التقاسم العادل لموارده من الطاقة الهيدركربونية (النفط والغاز الطبيعي).

وهنا تجدر الإشارة إلى أن المجموعة المعروفة بـ “ميد 7″، تضم كلاً من اليونان، قبرص، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، البرتغال ومالطا، وهي الدول السبع الجنوبية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي المطلة على البحر المتوسط.

تأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى إلقاء الضوء على الخلافات الواقعة بين تركيا واليونان على خلفية أزمة قضية قبرص والمناوشات في شرق المتوسط، بالإضافة إلى المحادثات الاستكشافية بين الجانبين التركي واليوناني.

توتر جديد:

حدث توتر جديد بين الجانبين التركي واليوناني عقب لقاء جمع الرئيس التركي “إردوغان” برئيس وزراء اليونان “كيرياكوس ميتسوتاكيس”، خلال قمة قادة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) التي تم انعقادها في بروكسل 14 يونيو الجاري، استمرت المحادثات قرابة الساعة جرت في أجواء جيدة للغاية وتم فيها كسر الجمود، توصلا خلالها الطرفان إلى تفاهم حول منع تكرار المواجهة التي نشبت بين البلدين العام الماضي، ودعا أردوغان إلى عدم دخول طرف ثالث في القضايا الخلافية بين الجانبين في إشارة منه إلى الاتحاد الأوروبي، سواء في ملف بحر إيجة أو المناطق الأخرى، ومن جانبها ترغب اليونان في تحسين العلاقات تدريجيا مع تركيا، بالرغم من استمرار الخلافات الرئيسية بين الجانبين ومنها ترسيم الحدود البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط.

خلافات حادة:

تشمل الخلافات بين الجانبين، قضايا عديدة وفي مقدمتها الخلافات حول وضع قبرص المنقسمة بين الجانبين، فضلًا عن قضية شرق المتوسط وموارد الطاقة في المنطقة، بالإضافة إلى وضع بعض الجزر في بحر إيجة.

وفي سياق متصل، قد تصاعد التوتر بين الجانبين في وقت من سابق العام الماضي على إثر تكثيفهما مناورات عسكرية وتهديدات متبادلة، وكان الطرفان على وشك الدخول في صراع مسلح، مما دفع هذا الأمر حلف الناتو لعقد محادثات العام الماضي، أدت تلك المحادثات إلى تشكيل آلية فض اشتباك بين القوات التركية واليونانية، حيث تراجعت الولايات المتحدة الأمريكية عن التدخل لحفظ السلام بينهما، ولم تتضح الرؤية حتى الآن لواشنطن بلعب دور وسيط مرة أخرى لتهدئة الأجواء، في ظل عدم نجاح القادة الأوروبيون في سد الفراغ الأمريكي، خاصة مع إغلاق الباب أمام انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

وفي هذا الإطار، هناك مجموعة من الإجراءات التي من المفترض إتباعها من الطرفين، ذلك وفقا لتقرير مجموعة الأزمات الدولية الصادر من كليهما حتى تستمر المحادثات بينهما، تتمثل في الامتناع عن التصرفات الاستفزازية، بما في ذلك أي تصرفات تتعلق بقبرص، وكذلك عليهما الالتزام بالاتفاقات العسكرية بينهما التي تهدف للشفافية وبناء الثقة، بالإضافة إلى مطالبة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بالعمل على إعادة تركيا للمنتديات الإقليمية.

محادثات استكشافية لتجنب المواجهة:

تجدر الإشارة هنا إلى أن أول محادثات استكشافية بين اليونان وتركيا، بدأت في أنقرة عام 2002، وحتى 2016 ،عقد الطرفان خلالها ما يقرب من 60 جولة اجتماعات، ثم توقفت بعد ذلك بسبب تعنت اليونان في سياساتها عقب تولي “تسيبراس” رئاسة الوزراء فيها.

وفي هذا السياق، تدعو تركيا إلى إقامة حوار يرتكز على احترام حقوقها وسيادتها بشأن ملف شرقي المتوسط، وفي 16 مارس الماضي، استضافت أثينا الجولة 62 من المحادثات الثنائية بين اليونان وتركيا، تركزت المحادثات التشاورية بين الجانبين على حل النزاعات الثنائية والتوصل إلى تسويات عادلة ومنصفة لقضايا بحر إيجة، البحر الأبيض المتوسط​​، ومن جانبها رفضت تركيا، التي تمتلك أطول ساحل قاري في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، مطالبات الحدود البحرية لليونان والإدارة القبرصية اليونانية، مؤكدة أن مطالباتهما المفرطة تنتهك الحقوق السيادية لتركيا والقبارصة الأتراك.

 بالتالي، جاءت المحادثات الأخيرة التي عقدت 14 يونيو الجاري بين الدولتين العضوين في حلف شمال الأطلنطي الناتو كفرصة هامة لإنقاذ الوضع المتأزم والابتعاد عن سياسة حافة الهاوية، حيث تعهد من جانبه، وزير خارجية اليونان “نيكوس دندياس”، بالعمل للتغلب على الخلافات الخطيرة السابق ذكرها، والتي ما زالت قائمة مع تركيا، وأن الغرض من هذه المحادثات مع الرئيس التركي إجراء عملية تفاوض أولية، وإذا أمكن، تطبيع تدريجي للوضع بمرور الوقت، كون العلاقة بين أنقرة وأثينا تتسم بالأخذ والرد، وكان “أردوغان” قد صرح، في وقت سابق، إن تنشيط الحوار بين الجانبين _أنقرة وأثينا_ لحل المشاكل القائمة سيخدم استقرار المنطقة بأكملها، في إشارة منه إلى أن تركيا في علاقاتها مع جيرانها تحترم مبادئ القانون الدولي والعدالة والمراعاة المتبادلة لحقوق ومصالح الطرفين.

وعلى إثر المؤتمر الصحفي المشترك بين الجانبين الذي تم انعقاده في الأول من يونيو الجاري، صرح كل من “دندياس”، “جاويش أوغلو” بأنهما توصلا إلى تفاهم حول 25 بنداً لتحسين العلاقات التجارية، وإن الدولتين ستتبادلان الاعتراف بعمليات التطعيم بلقاحات كوفيد-19 لدى كل منهما، في خطوة لدعم السياحة.

في النهاية، يمكن القول إن اليونان وتركيا تواصلا بما يسمى بالمحادثات الاستكشافية التي من شأنها أن تسمح بوضع أساس للمفاوضات حول مشكلة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، من غير المرجح أن يندلع الصراع ما بين البلدين في شرق المتوسط في الوقت الحالي، بيد أن تجدد التوتر غير مستبعد، وربما يكون ذلك هو الذي دفعهما لإجراء تلك المحادثات، والتي قد تكون فرصة للابتعاد عن سياسة حافة الهاوية والتصعيد العسكري، ومحاولة لإيجاد أرضية مشتركة لحل المشكلات العالقة في المنطقة على أساس اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والقانون، ذلك حتى يتم تجنب المواجهة التي كادت أن تقع في منتصف 2020.

 

نداء السيد حسن محمد

نائب رئيس وحدة دراسات الأمن الإقليمي . حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومه في الدراسات الأفريقية، وماجستير العلوم السياسية من جامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى