تحديات قادمة: كيف ستتعامل تركيا مع التفاهمات الروسية الأمريكية الأخيرة حول سوريا؟

إيمان الفخراني- باحثة بوحدة الأمن الإقليمي.

من الواضح أن المشهد السوري مُقبل على تغيرات على المستوى السياسي والعسكري خلال الفترة القادمة، خاصة في ضوء التفاهمات” غير المعلنة” التي تمت بين روسيا والولايات المتحدة حيال سوريا، خلال القمة التي جمعت الزعيمين الروسي والأمريكي في جنيف في 16 يونيه الجاري، ورغم أن نتائج القمة لم يتم الإفصاح عنها بشكل كامل، لكن ما تسرب عنها من تقارير صحفية ومن تصريحات لبعض المسئولين الروس والأمريكان يشير بالفعل إلى حدوث نوع من التفاهمات بين الجانبين على المسار السياسي والإنساني، قد ينتج عنه انفتاح روسي على مسألة دخول المساعدات لسوريا عبر منافذ حدودية جديدة بخلاف معبر باب الهوى التركي( حسب قرار مجلس الأمن الصادر في يوليو 2020  والذي ينتظر التجديد خلال الشهر القادم)، مقابل تخفيف الولايات المتحدة الضغط السياسي والاقتصادي على نظام بشار الأسد.

أمام هذه التغيرات المحتملة، والتي ستكون لها تبعات كثيرة ليس فقط على الداخل السوري، لكن على مستوى التوازنات على الأرض بين الفاعلين الإقليمين والدوليين على الساحة السورية، لابد أن نبحث عن موقف تركيا من هذه التفاهمات ، فتركيا طرف مهم في المعادلة السورية ، وموجودة على الأرض السورية في مناطق الشمال والشمال الغربي بقوات عسكرية  تحتل أراضي سورية بشكل غير شرعي، ، بغض النظر عن أي مبررات تركية تساق بهذا الخصوص.

تراجعات تكتيكية للسياسة التركية وموقع سوريا منها:

تشهد تركيا الآن تراجعاً تكتيكياً من مرحلة التمدد والانخراط العسكري خارج الحدود، والتي باتت ملمح عام للسياسة التركية عقب الفترة التي تلت 2011 ،  تحت ضغوط اقتصادية كبيرة، وضغوط من المعارضة التي تتهم أردوغان بأنه تسبب في تضييق الخناق على الحركة التركية في الإقليم، بسبب عداءه مع مصر وبعض دول الخليج، وبسبب تدخلات غير محسوبة بدقة في ليبيا وغيرها، لذلك لجأ أردوغان لأي الانكماش والتقارب وإعادة الانفتاح مجددًا، ووضح هذا التغير ليس فقط مع الدول العربية بل أيضاً مع دول الاتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة.

 جاء هذا التغير متزامنًا مع حدث الانتخابات التي شهدتها سوريا للمرة الثانية بعد بداية أزمتها عام 2011، فهذه الانتخابات التي تمكن الرئيس بشار الأسد من الفوز بها بمساعدة حليفيه الدائمين روسيا وإيران، جاءت لتمثل تحديًا لسياسة التهدئة والتقارب وإعادة الانفتاح التي تتبعها تركيا الآن في سياستها الخارجية، فاستمرار وجود الأسد في الحكم يؤشر بمزيد من التحركات للأكراد بما يؤدي إلى حالة من الاستنفار التركي الذي قد يخرجها عن حالتها الحالية الساعية لتهدئة الأوضاع من حولها، ولكن تحركها هذه المرة في سوريا سيكون في إطار تعاوني مع فواعل آخرين، خاصةً عندما أبدت تركيا رغبتها في التعاون مجددًا مع الولايات المتحدة، خلال المقابلة التي تمت بين أردوغان والرئيس الأمريكي بايدن وجهًا لوجه ولأول مرة، حيث شهدت العلاقات الأمريكية التركية بعد انعقاد قمة حلف الناتو تقدمًا ملحوظًا، خاصةً عندما جاء اللقاء بين بايدن وأردوغان الذي وصفه الأخير بأنه لقاء جيد، على عكس المكالمة الهاتفية التي كانت بينهما، والذي جاء بعدها اعتراف الولايات المتحدة بمذبحة الأرمن, ويأتي هذا اللقاء في خضم موجة تغيير وإعادة تقارب في العلاقات التركية الأمريكية, حيث يسعى أردوغان الآن إلى إرجاع تركيا حليفًا أمريكيًا حتى قد وصل الأمر إلى تضحيته بقواته العسكرية في أفغانستان من أجل إرضاء الولايات المتحدة، فقد رفضت تركيا سحب قواتها من أفغانستان، لكي تكون شرطيًا أمريكيًا في كابول يحفظ السلام، وهذا ما يضع القوات التركية في خطر المواجهة مع حركة طالبان التي طلبت من تركيا سحب قواتها مثلما قررت الولايات المتحدة سحب القوات الأمريكية وانتهاء مدة تواجدهم في أواخر عام 2021.

مع ذلك تظل هناك أزمات عالقة بين تركيا والولايات المتحدة مثل صفقة الصواريخ الروسية S-400 و مشروع الطائرات F-35 الذي تم استبعاد تركيا منه، وموقف الولايات المتحدة من الأكراد وإيوائها لفتح الله جولن فضًلا عن اعتراف الولايات المتحدة بالإبادة الجماعية للأرمن، أما بخصوص الأزمة السورية فلم يكن هناك تصريح مسبق لكيفية التنسيق بينهم بعد انتهاء اللقاء بين بايدن وأردوغان، فهذه الأزمة قد ترجع لها الولايات المتحدة بقوة نتيجة لرغبتها في تحجيم نفوذ روسيا الذي تزايد فيها خاصةً في حدث الانتخابات السورية.

الموقف التركي من الانتخابات السورية الأخيرة:

جاءت الانتخابات السورية التي انطلقت في نهاية شهر مايو المنصرم 2021 في وسط أحداث كثيرة شهدتها منطقة الشرق الأوسط, ومتزامنة مع تغير في سياسة تركيا الخارجية في تلك المنطقة من سياسة التصعيد إلى سياسة التهدئة والتقارب مع دول الجوار الجغرافي، فقد جاء وصف هذه الانتخابات من قبل أغلب الدول الغربية المعنية بالشأن السوري إما بأنها انتخابات مزيفة أو مسرحية هزلية, ولم يخرج وصف تركيا لها عن هذين الوصفين, حيث وصف ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي الانتخابات السورية التي فاز بها الأسد “بأنها مسرحية انتخابية مبتذلة”، لكونها غير شرعية في أساسها؛ وذلك لأنها لم تتم وفق الشروط المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن رقم 2254 لسنة 2015، الذي ينص على وضع دستور جديد وإجراء انتخابات تسمح بترشح المعارضة السورية, فهذه الانتخابات وموقف أردوغان منها قد يشكل تحديًا للتغير الذي تشهده السياسة الخارجية التركية التي تسعى حاليًا للتقارب مع دول المنطقة وفك العزلة التي فرضتها على نفسها سابقًا.

السيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول: الموازنة التركية بين روسيا والولايات المتحدة: ربما سيأتي التصرف التركي المستقبلي في سوريا في إطار التحوط الاستراتيجي التركي وموازنًا في التنسيق تارةً مع بوتين وتارةً مع بايدن، وذلك لعدم قدرة النظام التركي حاليًا من أن يقاطع الولايات المتحدة أو حتى يدخل في تحالف ضدها, فقد تنزعج تركيا من الولايات المتحدة وقد تنزعج الولايات المتحدة من تصرفات تركيا الإقليمية، ولكن لن تستطيع تركيا الخروج تمامًا عن الثوب الأمريكي، فضلًا ع

ن رغبتها الحالية في معالجة الأمور مع بايدن. وكذلك الأمر بالنسبة لروسيا، فروسيا بالنسبة لتركيا تعطيها هامش من المناورة مع الولايات المتحدة فالتقارب التركي لروسيا كثيرًا ما يزعج الولايات المتحدة، لذلك فالتفاعل التركي مع القضية السورية سوف يأتي من خلال المساومة مع الولايات المتحدة وروسيا مستقبلًا.

السيناريو الثاني: التصرف المنفرد: وربما قد يتعامل أردوغان مع الأسد بعد فوزه في الانتخابات بولايته الرابعة ولمدة سبع سنوات، انطلاقًا من أن استمرار بشار الأسد في السلطة يعد بمثابة التهديد المباشر للأمن القومي التركي، فأردوغان ونظام الأسد يكنان لبعضهما البعض العداء الشديد نتيجة دعم الأخير وإطلاق يد الأكراد في سوريا ما قد ينعكس بالسلب على الأمن القومي التركي، بالإضافة إلى الوجود التركي العسكري على الأراضي السورية والذي يعد بمثابة احتلال لها، لذلك قد يأتي تصرف أردوغان مع نظام الأسد منفردًا دون التنسيق مع الولايات المتحدة أو حتى روسيا، لاعتبار أن هذا يهدد الأمن القومي التركي والأمن القومي لأي دولة لا يقبل النقاش فيه, فربما يشهد على الرغم من حالة التهدئة التركية الحالية لأمورها الخارجية تصعيدًا تركيًا في خضم الأزمة السورية.

وفي النهاية، يمكن القول أن التصرف التركي مستقبلًا مع نظام الأسد سوف يُحكم بعاملين الأول علاقة تركيا مع فواعل أخرى مثل الولايات المتحدة وروسيا نتيجة الوجود الروسي القوي في المشهد السوري, والأهمية التي مثلتها سوريا في حديث بايدن بعد انتهاء قمة G7، والثاني الأهمية التي تمثلها سوريا بالنسبة لتركيا والتي على إثرها لن يتخلى أردوغان بسهولة عن كونه طرفًا في الأزمة السورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى