عن الانتخابات التشريعية الجزائرية

د.نيڤين مسعد

أُجرِيت يوم السبت الماضي الانتخابات التشريعية المبكّرة في الجزائر وذلك لانتخاب أعضاء الغرفة الأولي للبرلمان وهي المجلس الشعبي الوطني. حَكَم تنظيم هذه الانتخابات قانون انتخابي جديد تضمّن بعض الإيجابيات أبرزها :الأخذ بنظام القوائم المفتوحة سواء للأحزاب أو للمستقلين ما يتيح للناخب الاختيار بحرية من داخل القوائم بعد أن كان العمل يتم وفق نظام القوائم المغلقة،كما أنشأ القانون الجديد سلطة وطنية مستقلة للإشراف علي الانتخابات بعد أن كانت تدار الانتخابات بواسطة وزارة الداخلية،واشترط حصول ثلثي أعضاء كل قائمة علي مؤهل عال ولم يكن هذا شرطًا من قبل حتي أنه كان يتم التندر علي البرلمانات السابقة بالقول إنها “برلمانات الحلاّقات “أي المشتغلات بتصفيف الشعر ، وشجّع القانون أيضًا ترشّح الشباب عن طريق دعمهم ماليًا،وهو وإن ألغى كوتة المرأة (الثلث)التي كان معمولًا بها في السابق لكنه قضي بأنه عند تساوي الأصوات التي حصل عليها رجل وامرأة يذهب المقعد للأخيرة.من الناحية الإجرائية إذن يمثّل هذا القانون بشكل عام -عدا التخلي عن الكوتا النسائية-خطوة للأمام فيما يتعلق بتنظيم العملية الانتخابية، وقد ترشح بالفعل حوالي ٢٢ ألف شخص، ولما كان عدد مقاعد المجلس الشعبى الوطنى هو ٤٠٧ مقعدًا فإن هذا يعني أن كل مقعد يتنافس عليه ٥٤ مرشحًا.لكن هذا التضخم الكبير في جانب العرض لم يقابله تضخم مماثل في جانب الطلب،إذ بلغت نسبة المشاركين في عملية الاقتراع ٢٣،٣ ٪؜ وهي نسبة منخفضة للغاية وتقترب من نسبة التصويت علي تعديلات الدستور فى نوڤمبر ٢٠٢٠.هنا قد يقال إن ظاهرة ضعف نسبة الاقتراع هي ظاهرة عالمية وموجودة حتى في الدول الديمقراطية الراسخة، وهذا صحيح لكن من الصحيح أيضًا أن للظاهرة أسبابها الداخلية.

تُعّد مقاطعة الحراك الشعبي -أي احتجاج الشارع الجزائري الذى بدأ في فبراير٢٠١٩رفضًا للتجديد أو التمديد للرئيس عبد العزيز بوتفليقة ثم توقف لمدة سنة تقريبًا بسبب كورونا واستؤنف مجددًا في فبراير ٢٠٢١ -أحدأسباب تدني نسبة التصويت،فعلي مستوي الأحزاب الموجودة في الحراك قاطع الحزبان الأمازيغيان وحزب العمال الانتخابات التشريعية،أما علي المستوي غير الحزبى فيصعب التعرف علي عدد منسوبى الحراك المقاطعين من غير الحزبيين.لكن النقطة المهمة هى أن القول بتأثير الحراك فى حركة المقاطعة لا يعنى أن هذا الأثر كان وحده هو المسؤول عن محدودية التصويت،وذلك لأن عدد المشاركين في الحراك تراجع هو نفسه من عدة ملايين في بدايته إلى بضعة آلاف وربما مئات حاليًا، بل إن أحزابًا إسلامية قادت لواء المقاطعة في استحقاقات سابقة كحزب حركة مجتمع السلم مضت تشجع أنصارها بقوة علي المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة لعدم ترك المجال خاليًا للأحزاب العلمانية،كما أن الحراك الذى كان قدتميز بانتشار واسع في معظم أنحاء الجزائر انتهى للتمركز في الوسط والشرق.أما لماذا تراجع وزن الحراك فلأنه ظل يراوح مكانه منذ بدأ بمعنى أنه استمر يعدّد مطالبه لإطالة المرحلة الانتقالية،تارة بالدعوة لمجلس رئاسي،وأخري بالدعوة لحكومة انتقالية،وثالثة بالدعوة لمجلس تأسيسي منتخب يضع الدستور ومن بعد تجري الانتخابات التشريعية فالرئاسية .وبعض هذه المطالب فيه منطق لكنه لم يكن موضع اتفاق بين مختلف التيارات ولا تحلى بالمرونة،وبالتالى ظلت السلطة تنتقل من استحقاق لآخر والحراك محلك سر.ومع طول أمد الحراك بدأت تخترقه تيارات تخريبية منها ماهو انفصالى كحركة “ماك”التي تدعو لفصل إقليم القبائل،ومنها ما هو مثل حركة”رشاد” من أدوات الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي أذاقت الجزائريين الويل في العشرية السوداء.لكن هل تم أيضًا تشويه الحراك من جانب السلطة ؟ وارد جدًا مع الخوف من إفلات الزمام وشيوع الفوضى، لكن الحراك أيضًا أساء لنفسه وبدا في لحظات معينة وكأنه يدعو إلى تفكيك أوصال الدولة وليس إلى تغيير النظام .

على جانب آخر،لم تستطع السلطة،رغم كل الخطوات المهمة التي قطعتها علي طريق محاربة الفساد والتعزيز النسبى لدور البرلمان وتأكيد التعددية الثقافية، إقناع المقاطعين للحراك سواء منذ بدايته أو مؤخرًا، بالذهاب إلى صناديق الاقتراع. والسبب في ذلك هو التشكك في استدامة عملية التغيير المنشود خصوصًا أن بعض التطورات كانت تأتي لتعطي إشارات متناقضة، ومن قبيل ذلك :تصوير رئيسّي جهاز المخابرات السابقين وشقيق الرئيس بوتفليقة ورئيسة حزب العمال باعتبارهم ضالعين في مؤامرة ضد استقرار الوطن في قضية كبري شغلت الرأى العام الجزائرى ثم تبرئتهم جميعًا من هذه التهمة وكأن شيئا لم يكن،وتشجيع الشباب علي الانخراط في الحياة السياسية واستحداث مجلس أعلى خاص بهم وفي الوقت نفسه تزكية رئيس تسعيني لقيادة مجلس الأمة أى الغرفة الثانية للبرلمان،ودعوة المجتمع المدني لدور أكبر في المرحلة المقبلة ثم محاولة التوجيه من أعلى لهذا المجتمع عبر استحداث كيان كبير يضم العديد من الجمعيات والنشطاء باسم”تكتل نداء الوطن ” يشرف عليه مستشار الرئيس، ومثل ذلك يقال عن التناقض بين احترام منظومة الحقوق و الحريات والتوسع في القبض علي المشاركين في الحراك أو التضييق علي إعلام المعارضة ..إلخ.وإذا كانت عملية بناء الثقة بين السلطة والمواطنين مهمة في العموم، فإنها في مراحل التغير السياسي تكتسب أهمية أكبر لأنها تتميز بجس نبض السلطة الجديدة أو القديمة التي تعيد تقديم نفسها في قالب جديد، ولذلك بدا مفهومًا أن يتشكك قطاع كبير من المواطنين في مستقبل التغيير .

في السوابق الانتخابية العربية، يقال إن اتساع نطاق المقاطعة يزيد فرص التيارات الدينية في تحسين وضعها لأن هذه التيارات عادة لا تقاطع إلا علي سبيل الاستثناء، وهذا بعض ما حدث فى الانتخابات التشريعية الجزائرية الأخيرة، أما تحليل النتائج ككل فموعده مقال لاحق بإذن الله.

نقلا عن الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى