على هامش لقاء القمة بين بايدن وبوتين

د. على الدين  

يُثير لقاء القمة بين الرئيس الأمريكى بايدن والروسى بوتين يوم الأربعاء المقبل التفكير فى العلاقات الأمريكية الروسية وتطوراتها وتأثيراتها على الاستقرار العالمي. فالعلاقات بين البلدين تعودُ إلى النصف الثانى من القرن التاسع عشر عندما وافق قيصر روسيا على بيع جُزء من إقليم ألاسكا الروسى إلى أمريكا عام1867، وكان ذلك فى عهد الرئيس أندرو جونسون. وتبادل البلدان السُفراء عام 1809، ثُم تدهورت هذه العلاقات بعد اندلاع الثورة البُلشفية عام 1917، ورفضت أمريكا الاعتراف بالنظام الجديد لحين التزامه بدفع تعويضات عن الخسائر التى لحقت بالشركات الأمريكية فى روسيا إبان الثورة والسنوات التى تلتها.

تغيرت الظروف مع صعود هتلر والخطر النازى وانضمام الاتحاد السوفيتى إلى جبهة أمريكا وبريطانيا وفرنسا فى الحرب العالمية الثانية. وفى هذا السياق، شارك الزعيم السوفيتى ستالين فى اجتماعات رؤساء الدول الحليفة التى عُقدت فى قمتى بوتسدام ويالطا عام 1945. ولكن بعد انتهاء الحرب، سُرعان ما تجدد الصراع بسبب سيطرة موسكو على دول شرق أوروبا ونشوب الحرب الباردة بين المُعسكرين الغربى بقيادة أمريكا والشرقى بقيادة روسيا. ومع استمرار التنافس العالمى بين المُعسكرين، ظهرت الحاجة إلى عقد اجتماعات قمة بين الدولتين مثل لقاء كيندى مع خورتشوف عام 1961، وتوالت القمم فى ذلك العهد حتى قمة جورباتشوف مع بوش الأب فى واشنطن 1990.

بعد تفكك الاتحاد السوفيتى عام 1991، التقى يلتسين أول رئيس للدولة الروسية فى واشنطن عام 1992، ووقتها لم تكُن العلاقات ندية بأى شكل من الأشكال فقد كانت روسيا تلعق جراحها إبان مرحلة سادها التفكُك والانقسام السياسى والانهيار الاقتصادي. بدأت الصورة تتغير بعد وصول بوتين إلى الحُكم وتصميمه على إعادة هيبة الدولة الروسية وتدعيم كيانها السياسى والاقتصادى والاجتماعي، فاجتمع بكلينتون فى عام 2000، واخر قمة كانت مع ترامب عام 2018. تمت هذه الاجتماعات فى أوقات مُختلفة ومثل بعضُها نقطة تحول فى النظام الدولى فقد أسفر أحدها عن مبدأ الوفاق والذى أكدت فيه واشنطن وموسكو أهمية اتخاذ القواعد الكفيلة بعدم الانزلاق إلى حرب بينهما بسبب صراعات إقليمية، كما أن هذه اللقاءات أسفرت عن مجموعة من المُعاهدات تتعلقُ بالحد من امتلاكهما الصواريخ العابرة للقارات، والأسلحة الاستراتيجية والفضاء الخارجي.

تأتى قمة بايدن ـ بوتين فى ظروف حرجة وانتقالية. فالرئيس الأمريكى تولى الحكم منذ خمسة أشهر فقط، وهو ما زال فى حالة بلورة السياسة الأمريكية تجاه روسيا، ولم تُصدر إدارته حتى الآن وثيقة إستراتيجية الأمن القومى الأمريكي. فهو من ناحية يركز فى الداخل على إحياء البنية التحتية وتطوير نظام التعليم، وزيادة تمويل بحوث تطوير التكنولوجيا المُتقدمة. وفى الخارج على مُتطلبات التنافس مع الصين كونها القوة الاقتصادية والتكنولوجية التى تُهدد المكانة الامريكية فى العالم، وهذا يدفعه إلى عدم توسيع رُقعة الصراع مع موسكو. ومن ناحية أُخرى، فإنه لا يستطيع تجاهل التحديات التى تفرضها موسكو ومنها الموقف على الحدود الروسية الأوكرانية، والهجمات الإلكترونية التى تنظمها عصابات إجرامية تستهدف مؤسسات وشركات اقتصادية أمريكية فتُعطل من نظم تشغيلها وتطلب إتاوة مُقابل إعادة عملها والتى تعتقد واشنطن فى أن روسيا مصدرها. أضف إلى ذلك تعامل روسيا مع القوى المُعارضة وانتهاكها لحقوق الإنسان مما يدفع واشنطن إلى اتخاذ إجراءات عقابية، خاصة أن بايدن يُريد استعادة دور أمريكا القيادى وأنها زعيمة العالم الديمُقراطي.

ينطلق بوتين من جانبه من اعتبارات المصلحة الوطنية الروسية فاتبع سياسة خارجية نشيطة فى مختلف أرجاء العالم مُستفيدًا فى ذلك من التقدم الذى أحرزه الاقتصاد الروسى ونجاح مصانع السلاح الروسى فى إنتاج أنظمة مُتطورة من جميع أنماط الأسلحة الدفاعية والهجومية واستعدادها لبيعها دون النظر لأى اعتبارات أيديولوجية، ومن ذلك على سبيل المثال شراء تُركيا لمنظومة صواريخ الدفاع، وهو الأمر الذى اعتبرته واشنطن تهديدًا لأمن حلف شمال الأطلنطي.

والأمر المؤكد أن الرئيس الروسى لا يسعى إلى خلق بؤر صراع جديدة مع أمريكا ولكنه بالضرورة لن يُساوم على ما يعتبره مصالح بلاده حتى إذا تناقضت مع وجهة النظر الأمريكية مثل سياساته فى سوريا وإيران وهو ينتقد صراحة النظام العالمى الراهن، باعتباره غير عادل ويسعى إلى تغيير قواعده بما يحقق ديمُقراطية العلاقات الدولية. كما يرفض صراحة الانفرادية الأمريكية، وتدخلها فى الشئون الداخلية للدول الأُخرى.

نحن إذن إزاء لقاء بين رجلين تمرسا فى أمور الحكم والعلاقات الدولية، وكلاهما يُفتش للبحث عن المجالات التى يُمكن التعاون فيها بين البلدين دون التضحية بمصالحهما القومية. وفى هذه القمة سوف يسعى الرئيسان إلى تعرف كُل منهما على الآخر بشكل مُباشر والنقاش بصراحة بشأن الاتهامات المُتبادلة بين البلدين، ففى الاجتماعات المُغلقة لا يكون هُناك مجال للشعارات، وإنما تتسم بالواقعية والأحاديث العملية. فالرئيسان يجتمعان ولدى كُل منها عناصر قوة وعناصر ضعف. ومع أن بايدن وصف بوتين بالقاتل، فإنه اقترح عقد قمة معه، ولم يجد بوتين غضاضة فى الموافقة على الدعوة. فالعلاقات بين الدول هى علاقات مصالح ومنافع.

نقلا عن جريدة الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى