حسابات متشابكة: لماذا ذهب وزير الدفاع التركي إلى ليبيا في هذا التوقيت؟

بعد أشهر من تشكيل أول حكومة وحدة وطنية في ليبيا أنهت سنوات من الانقسام والتشظي الذي فاقم الأزمة الحادة التي تعيشها البلاد، لا تزال ليبيا تعيش مرحلة من الاستقرار الهش القابل للانفجار في أي وقت، فمن ناحية لا تزال الخلافات قائمة بين الفرقاء الليبيين بشأن تشكيل المناصب السيادية في البلاد والاتفاق على موازنة موحدة يقرها البرلمان، فضلاً عن تباين الآراء بشأن القواعد الدستورية والقانونية التي ستحكم عملية الانتخابات المزمع عقدها في ديسمبر المقبل، ومن ناحية أخرى لا تزال الأوضاع الأمنية غير مستقرة في البلاد، بين استمرار حالة السيولة الأمنية في الجنوب الليبي والتي كان أحد ملامحها العملية الإرهابية الأخيرة في سبها قبل أيام قليلة والتي أعلن تنظيم “داعش” الإرهابي مسئوليته عنها، وكذا لا تزال الصراعات قائمة بين المليشيات العسكرية المنتشرة في غرب ليبيا والتي لا تزال تسعى للتشبث بأي أمل يضمن لها البقاء في المرحلة المقبلة، فضلاً عن الملف الأكثر تعقيداً والمتعلق بخروج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا.

 في إطار ما سبق، تأتي الزيارة المفاجئة التي قام بها وفد تركي رفيع المستوى إلى ليبيا لتطرح تساؤلات عديدةً بشأن إرهاصات هذه الزيارة ودلالات توقيتها خاصةً وأنها جاءت قبل أيام قليلة من اللقاء الذي جمع الرئيس التركي “رجب أردوغان” بنظيره الأمريكي “جو بايدن”، بعد أشهر من فتور العلاقات بين البلدين وتجاهل واضح من الإدارة الأمريكية الجديدة للتواصل مع النخبة التركية، كذا، تأتي زيارة الوفد التركي قبيل أيام من مؤتمر “بيرلين2” الذي سيُعقد في العاصمة الألمانية في 23 يونيه الجاري لبحث تطورات الملف الليبي ومناقشة ملف القوات الأجنبية والمرتزقة، وفي هذا الإطار تسعى هذه الورقة إلى قراءة في أبعاد ودوافع زيارة الوفد التركي إلى ليبيا، والمآلات المحتملة.

وفد تركي رفيع المستوى في ليبيا:

قام وفد تركي رفيع المستوى بزيارة مفاجئة إلى ليبيا في 11 يونيه الجاري، ضم وزير الدفاع “خلوصي آكار” ووزير الخارجية “مولود جاويش أوغلو” والداخلية “سليمان صويلو” ورئيس هيئة الأركان “يشار غولر” والمخابرات “هاكان فيدان” والمتحدث باسم رئاسة الجمهورية التركية “إبراهيم كالين” ورئيس دائرة الاتصال بالرئاسة “فخر الدين ألطون”، وقد عكس تشكيل الوفد التركي الذي ضم عناصر رفيعة المستوى أهمية خاصة لهذه الزيارة ومؤشرات ذات دلالة بشأن الأهداف المتعددة لها.

وقد شهدت الزيارة تصريحات هامة لوزير الدفاع التركي بشأن تواجد بلاده في ليبيا، حيث أكد أن أنقرة لا تُعد قوة أجنبية متواجدة على الأراضي الليبية، بل أن القوات التركية أتت إلى طرابلس بناء على دعوة الحكومة الليبية الشرعية، ومن ثم فهي تقوم بأنشطة التدريب والتعاون العسكري مع نظيرتها الليبية بناء على الاتفاقيات الثنائية بين الجانبين ووفقاً للقانون الدولي، وأضاف “آكار” بأن أنقرة ستواصل سعيها لوصول ليبيا إلى مستوى الاكتفاء الذاتي في المجال العسكري وضمان وحدة واستقرار الأراضي الليبية. من ناحية أخرى أكد وزير الخارجية التركي بأن بلاده ستعمل على تعزيز التعاون في مختلف المجالات مع ليبيا، وتفعيل اتفاقيات التعاون بين البلدين، ودعم الحكومة الليبية في ملفات الحد من الهجرة غير الشرعية ومكافحة الجريمة المنظمة.

زيارة أثارت كثيراً من الجدل:

وقد حملت طبيعة هذه الزيارة والكيفية التي تمت بها الكثير من الجدل، فقد وصل وزير الدفاع التركي إلى مطار معيتقية بشكل مفاجئ، كما أشارت مصادر محلية بالمطار بأنهم لم يكن لديهم علم بهذه الزيارة، وهو ما دعمته الصور التي نشرتها بعض وسائل الإعلام الليبية لضباط أتراك يقفون في استقبال “خلوصي آكار” مع إشارة تقارير محلية أخرى إلى أن الضباط الأتراك كانوا على علم بزيارة وزير الدفاع التركي وعمدوا إلى إبعاد الحراس الليبيين عن مكان هبوط الطائرة التركية، مما دفع البعض إلى اعتبار ذلك بمثابة إهانة للدولة الليبية، وقد تمخض عنها خلافات حادة داخل البرلمان الليبي بلغت حد الاشتباكات بين بعض الأعضاء.

كما عمد وزير الدفاع – برفقة رئيس الأركان “غولر”- إلى البدء بزيارة مقر القوات التركية في ليبيا، قبل أن يعقد اجتماعاً مع أفراد الفرقاطة التركيبة المرابطة في البحر المتوسط ” تي. جي. غاليبولي” قبالة السواحل الليبية، وذلك بعد مجموعة من اللقاءات التي عقدها وزير الدفاع وبقية الوفد التركي مع الحكومة المؤقتة والمجلس الرئاسية الليبي ورئيس مجلس الدولة “خالد المشري”، حيث تم بحث العديد من ملفات التعاون والتنسيق بين البلدين.

وفي هذا الإطار يمكن فهم أبعاد ومآلات زيارة الوفد التركي وتصريحات وزير الدفاع “آكار” باعتبارها رسائل مباشرة لثلاثة أطراف رئيسة، تتثمل فيما يلي:

(*) أولا: الأطراف المشاركة في مؤتمر “بيرلين 2”: فمن المقرر أن ينعقد مؤتمر جديدة في مقر الخارجية الألمانية ببرلين في الـ 23 من يونيه الجاري، سيتضمن مشاركة الفواعل الرئيسية بالملف الليبي من الدول والمنظمات الدولية والإقليمية، استكمالاً لمؤتمر “بيرلين 1” الذي انعقد في يناير 2020، ومن المفترض أن يشهد هذا المؤتمر مناقشة التقدم المحرز في ملف الاستقرار في ليبيا والاستعداد للانتخابات المنتظرة نهاية العام الجاري، وكذا قضية توحيد المؤسسة العسكرية، فضلاً عن بحث موضوع خروج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، ومن ثم عمدت أنقرة إلى توصيل رسالة لأطراف مؤتمر “بيرلين 2” بأن التواجد التركي في ليبيا يجب ألا يتم توصيفه باعتباره قوات أجنبية، وأن اتفاق “جينيف” الذي نص على ضرورة إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا لا يشمل أنقرة، ومن ثم فأي حديث عن اتفاق بإخراج القوات الأجنبية من ليبيا خلال المؤتمر المقبل في بيرلين يجب ألا يتضمن الحديث عن القوات التركية، فضلاً عن التأكيد على نية تركيا على تعزيز تواجدها طويل الأجل في ليبيا.

وتجدر الإشارة إلى أن ثمة حراك مكثف من قبل أنقرة كان قد سبق هذه الزيارة الأخيرة إلى ليبيا، فقد سبقها لقاء جمع وزير الخارجية التركي ونظيره الروسي في موسكو بحضور المبعوث الأممي “يان كوبيش”، أعقبها زيارة غير رسمية قامت بها وزيرة الخارجية الليبية “نجلاء المنقوش” إلى تركيا التقت خلالها بنظيرها “مولود أوغلو”. كذلك، سبق زيارة “آكار” إلى ليبيا زيارة أخرى إلى جزيرة صقلية الإيطالية التقى خلالها بنظيره الإيطالي وكذلك البريطاني “لورنزو غويريني”. من ناحية أخري، أعلن وزير الدفاع التركي خلال زيارته إلى ليبيا أنه يجب إلا يتم نسيان “المقابر الجماعية والفظائع التي تسبب فيها القوات غير الشرعية في شرق ليبيا” في إشارة إلى قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، وفي ذلك تسعى أنقرة إلى تحويل تركيز أعضاء مؤتمر بيرلين المقبل في اتجاه آخر بعيداً عن بحث موضوع القوات التركية في ليبيا، وشرعنة تواجد قواتها باعتبارها داعمة للحكومة الشرعية.

(*) ثانياً: للرئيس الأمريكي “جو بايدن”: حيث جاءت زيارة الوفد التركي إلى ليبيا قبيل اللقاء الذي أجراه الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” مع نظيره الأمريكي “بايدن” على هامش قمة الناتو في 14 من يونيه الجاري، والذي يُعد اللقاء الأول بينهما منذ تولي “جو بايدن” الحكم في البيت الأبيض، وفعلياً يستهدف الرئيس التركي تحسين العلاقات بين أنقرة وواشنطن والتي أصابها فتوراً ملحوظاً منذ مجئ “بايدن”، ويسعى “أردوغان” بالأساس من هذا التقارب تعزيز الاقتصاد التركي الذي يشهد انكماشا حاداً، إضافةً إلى محاولة تركيا تغيير الموقف الأمريكي بشأن إلغاء عملية شراء تركيا لـ 100 طائرة مقاتلة من طراز F35 واستبعادها من عملية تصنيع هذه الطائرة، وهي الخطوة التي تمخض عنها تداعيات سلبية كبيرة للجانب التركي على المستوى الاقتصادي والعسكري والسياسي.

وبالتالي، جاءت زيارة الوفد التركي إلى ليبيا لتمثل رسالة للجانب الأمريكي كخطوة استباقية على اللقاء الذي جمع “بايدن” وأردوغان”، مفاد هذه الرسالة هو أن تركيا لا تزال تمتلك عدة أوراق حيوية في المنطقة، أبرزها الملف الليبي والسوري – فضلاً عن عرض أنقرة للتعاون مع واشنطن في أفغانستان- الذي تمثل تركيا فاعلاً محورياً في كلهما، ومن ثم فمن مصلحة واشنطن إعادة ترتيب علاقاتها بأنقرة، وفي هذا الإطار يجب الأخذ في الاعتبار التقارير التي صدرت عن الأمم المتحدة خلال الأيام الأخيرة والتي أشارت إلى أن أنقرة قامت بنقل مجموعة جديدة من المرتزقة السوريين إلى داخل ليبيا، في إشارة إلى استمرار تركيا في تعزيز دورها في ليبيا.

 (*) ثالثاً: الإتحاد الأوروبي: فقد تضمنت زيارة الوفد التركي إلى ليبيا رسالة أخرى إلى الإتحاد الأوروبي، مفادها التلويح بورقة المهاجرين من ليبيا تجاه القارة الأوروبية، وأن التواجد التركي في ليبيا يجب اعتباره بمثابة حماية لدول الإتحاد من عمليات الهجرة، وفي هذا الإطار يجب الأخذ في الاعتبار إعلان الأمم المتحدة قبل أيام قليلة أنه تم اعتراض أكثر من 1000 مهاجر في يوم واحد إلى أوروبا قبالة السواحل الليبية، وربما تعكس زيارة وزير الدفاع التركي إلى صقلية الإيطالية ولقائه بنظيره البريطاني قبيل زيارته إلى ليبيا مؤشرات بشأن هذا الأمر، ويضاف لذلك الانخفاض الملحوظ في حدة التوتر بين تركيا وفرنسا خلال الأشهر الأخيرة، والتي تبلورت بشكل أكبر خلال اللقاء الأخير الذي جمع “أردوغان” و “ماكرون” على هامش اجتماعات حلف الناتو، والتي حملت مؤشرات قوية بشأن تفاهمات “نسبية” بين البلدين، يتوقع أن تنعكس أبعادها على الملف الليبي (وكذلك منطقة الساحل الإفريقي).

دلالات أخرى:

يجب عدم استبعاد وجود أهداف أخري لزيارة الوفد التركي إلى ليبيا، خاصةً في التطورات الداخلية في الملف الليبي، حيث لا يزال هناك استمراراً للخلافات بين الأطراف الليبية بشأن تسمية شاغلي المناصب السيادية والاتفاق على الموازنة الموحدة للبلاد، وفي هذا الإطار تسعى تركيا لتعزيز تواجدها وانخراطها في ليبيا.

كذلك، شهدت الفترة الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في حدة التوتر بين المليشيات العسكرية في الغرب الليبي، كان آخرها قيام جماعات مسلحة من مدينة الزاوية بحرق مركز للشرطة بمدينة العجيلات (غرب العاصمة طرابلس) وسبقها هجوم آخر على مقر الإسناد الأمني سابقاً وتم نهب ممتلكاته، وبالتالي تعمل أنقرة على استمرار سيطرتها على هذه المليشيات بما يضمن الحفاظ على مصالحها وشرعنة تواجدها.

في الأخير، يجب الأخذ في الاعتبار أن زيارة الوفد التركي إلى ليبيا لم يكن يحمل –في الغالب- أية رسائل لمصر، فأهدافها ارتكزت بالأساس إلى محاولة توصيل رسائل إلى الولايات المتحدة (قبل لقاء بايدن) والإتحاد الأوروبي (قبل مؤتمر بيرلين2)، ومحاولة التأكيد على شرعية تواجدها في ليبيا، وأن هذا التواجد يمكن أن يحقق مصالح للقارة الأوروبية بشان ملف الهجرة غير الشرعية وكذلك لواشنطن في مواجهة التواجد الروسي، وربما يدعم هذا الطرح التصريحات الإيجابية التي لا تزال تخرج عن المسئولين في القاهرة وأنقرة، وفي هذا الإطار لا يمكن استبعاد وجود تنسيق تركي- مصري قبل زيارة الوفد التركي. ومن ناحية أخرى يجب الإشارة إلى أن أنقرة لن تتنازل بسهولة عن استمراريتها في ليبيا، بل وأنها تخطط لتواجد طويل الأجل يخدم مصالحها في ليبيا والبحر المتوسط وكذلك أهدافها في القارة الإفريقية، ومن ثم تحاول تركيا استمرار بقاء عناصرها (بما في ذلك المرتزقة السوريين) في ليبيا لحين الانتهاء من الانتخابات المقبلة واتضاح الصورة بشأن مستقبل الأوضاع الداخلية في ليبيا، قبل أن تشرع في سحب المرتزقة السوريين، إلا أنه من غير المرجح أن تتنازل عن بقاء قواتها في القواعد التي أنشأتها في الغرب الليبي.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى