استراتيجية جديدة.. لماذا لجأ ” تبون” للإعلام في مخاطبة الخارج؟

يبدو أن الرئاسة الجزائرية قد استخلصت الدروس والعبر من ممارسات نظام الحكم السابق خصوصاً في مجال الاتصال السياسي. وهو ما تؤكده إستراتيجية الاتصال الجديدة للرئيس عبد المجيد تبون منذ وصوله إلى السلطة في ديسمبر 2019. فقد تبنت مؤسسة الرئاسة أسلوباً مُغايراً في التعامل مع وسائل الإعلام الوطنية يقوم على فكرة حق المواطن في الإعلام وفي معرفة ما يجري في بلده، إلى جانب أن المقاربة الاتصالية الجديدة من شأنها تحقيق مكاسب إستراتيجية عديدة للنظام، وفي مقدمتها التصدي لحرب الإشاعات التي يشنها الطابور الخامس داخل الجزائر. بالإضافة إلى تنوير الرأي العام حول حقيقة ما تشهده الجزائر من تحولات عميقة في كافة المجالات في إطار الإصلاحات التي يقودها الرئيس عبد المجيد تبون منذ توليه الرئاسة في 12 ديسمبر 2019. فإذا كان الرئيس السابق قد قاطع وسائل الإعلام المحلية، فإن الرئيس تبون قد دأب منذ انتخابه رئيساً للبلاد على لقاء شهري مع الصحافة الوطنية، وهي الخطوة التي لاقت استحسان الرأي العام الوطني.

 وفي ظرف أيام قليلة أجرى الرئيس عبد المجيد تبون حوارين مع وسيلتين إعلاميتين أجنبيتين؛ الأول مع أسبوعية “لوبوان” الفرنسية نشر يوم الخميس  03 جوان 2021، والثاني مع قناة “الجزيرة” القطرية بتاريخ 8 جوان 2012، تطرق فيهما إلى جملة من القضايا السياسية والأمنية والدبلوماسية، إلى موقف الجزائر من قضايا إقليمية كالوضع في ليبيا ومالي والصحراء الغربية.

وهو ما يؤكد وجود نوع من الإدراك بأهمية الانفتاح على الرأي العام الوطني والدولي، قصد إيصال رسائل هامة لأطراف داخلية وخارجية راهنت على سقوط النظام الجزائري في أعقاب موجة الربيع العربي، وأعادت الكرة عقب اندلاع الحراك الشعبي في 22 فبراير 2019، بعد أن اختطفه اللوبي الفرنكو- بربري المدعوم خارجياً من قبل قوى إقليمية تربطها عداوة تاريخية مع الجزائر.

وتكمن أهمية هذه الخطوة أنها تأتي في ظرف حساس تمر به الجزائر داخلياً وإقليمياً، وتنامي الوعي بأهمية الإعلام في محاربة الإشاعات المغرضة التي يروجها اللوبي الفرنكو- بربري عبر قناة “فرانس-24″، ومن يراهنون على حروب الجيل الرابع (المغرب وإسرائيل) لإسقاط النظام، والتحريض ضد رموز الدولة. ولا شك أن تجربة الحراك قد كشفت طبيعة مخططات الأعداء واستراتيجياتهم في استهداف الدولة والمجتمع.

تجربة جبهة الإنقاذ لن تتكرر:

وفي والوقت الذي بدأت تظهر بعض التوقعات باحتمال اكتساح الإسلاميين للبرلمان القادم، خرج الرئيس تبون قاطعاً الشك باليقين في حواره مع أسبوعية “لوبوان” الفرنسية ليؤكد بأن التجربة المريرة للجبهة الإسلامية للإنقاذ لن تتكرّر في الجزائر مرة أخرى. وهذا رداً مع ما ذهبت إليه بعض وسائل الإعلام الناطقة بالفرنسية حين حذرّت من مخاطر عودة التيار السلفي المتشدد في الجزائر، ومحاولة اختراقه للمسيرات في الأشهر الأخيرة، ورفع أنصاره شعارات معادية للمخابرات وللجيش ولقيادته العليا.

وتقف وراء هذه المحاولات حركة رشاد الإرهابية التي تضم كوادر سابقة في جبهة الإنقاذ الإسلامية المحظورة، ويقيم هؤلاء في أوربا وبريطانيا ويترددون على تركيا، كما تربطهم علاقات وطيدة بدولة قطر في إطار منظمة الكرامة للدفاع عن حقوق الإنسان.

وكانت مجلة الجيش لسان حال المؤسسة العسكرية الجزائرية قد نشرت في عدد مايو 2021 سلسلة مقالات حول طبيعة المؤامرة التي تحاك ضد الجزائر من قبل تنظيمين إرهابيين هما حركة “انفصال القبائل” المعروفة اختصاراً بـ”الماك” وحركة “رشاد” ذات التوجه الإسلامي. وهي الحركة التي وصفتها المجلة بالحركة المنبثقة من حزب تسبب في مقتل ربع مليون جزائري في التسعينيات، وما زال بعض المنتسبين إليها يمنون النفس بالعودة إلى الساحة السياسية الجزائرية بكل الطرق والوسائل، لتصفية حسابات تاريخية مع المؤسسة العسكرية. وهو ما يؤكد أن الحركة المتطرفة لم تتعلم من دروس الماضي وما زالت تصر على تبني سياسة المغالبة في صراعها مع النظام.

ومن جهة أخرى، كشفت الأحداث الأخيرة في الجزائر عن وجود تنسيق بين حركة رشاد وبين العناصر العلمانية المحسوبة على التيار الفرنكو- بربري، حيث يرمي إلى إثارة الفوضى في الشارع باستخدام العنف المسلح والتخطيط لشن هجمات مسلحة ضد المتظاهرين، مع العلم أنه لا يوجد أي قاسم مشترك بين التيارين، لا في المرجعية الفكرية أو في المنطلقات الأيديولوجية.

الإسلام السياسي لا يُعيق تطورنا:

أكد الرئيس تبون أن الأحزاب الإسلامية ومنذ إطلاق التعددية السياسية في 1990، لم يسبق أن شكلت خطراً على النظام الجمهوري، وليست فوق القانون، بل إن الخبرة الجزائرية في مجال التعامل هذه الأحزاب كشفت على أنها حليف قوي للدولة وقت الأزمات، وحين تحول أطراف خارجية التدخل في الشأن الداخلي الجزائري، مثلما يحاول البرلمان الأوروبي في كل مرة استصدار لائحة تدين النظام الجزائري في مجال حقوق الإنسان. وفي كل مرة كانت الأحزاب الإسلامية المعتدلة تحشد مناضليها في مؤتمرات شعبية وتصدر بيانات تنديد واستنكار ضد محاولات التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر.

ووفقاً لهذا المعنى، فإن الإسلام السياسي الذي ظهر في السنوات الأخيرة في تركيا وتونس، لا يشكل أي تهديد على الجزائر، كما أنه هذا التيار ليس فوق القانون الجزائري. فالأحزاب الإسلامية الجزائرية المنضوية تحت هذا التيار تدور في فلك السلطة وفي أحيان كثيرة هي متماهية مع السياسات العليا للدولة، دون أن تكون في مراكز القرار.

ولا تخفي الأحزاب الإسلامية الجزائر إعجابها بالنموذج التركي ممثلاً في “حزب العدالة والتنمية” بقيادة رجب طيب أردوغان، لكنها بالرغم من ذلك لم تستطع استعادة بعضاً من قواعدها النضالية التي انفضت من حولها بسبب تأييدها للسياسات الاقتصادية للدولة في فترة حكم الرئيس السابق، وهو ما جعل المواطنين ينفضون عنها بسبب تقاربها مع النظام.

 استهداف معلن:

 اغتنم الرئيس عبد المجيد تبون وجود صحفي الجزيرة أمامه ليذكره بما قاله نائب رئيس مجلس الوزراء القطري ووزير الخارجية السابق الشيخ حمد بن جاسم في اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب عام 2011، حين هدّد وزير الخارجية الجزائري الأسبق مراد مدلسي الذي رفض تجميد عضوية سورية في الجامعة العربية، ودعا نظرائه إلى التريث في هذه القضية، فرد عليه المسئول القطري بالقول :”توقفوا عن دعم سورية لأن دوركم آت لا محالة وستحتاجوننا”. وقد سبق لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن حذر السلطات الجزائرية أثناء زيارته تونس عام 2014، من وجود مخطط  تقوده أطراف إقليمية لزعزعة استقرار الجزائر بواسطة تصدير “الربيع العربي” إليها؛ عبر فتح جبهات عديدة بالقرب من الحدود الجزائرية انطلاقاً من ليبيا، تونس ومالي، حتى تسهل عملية تسلل العناصر الإرهابية إلى داخل التراب الجزائري وشن عمليات إرهابية ضد أهداف حيوية.

 أما عن أسباب استهداف الجزائر، فقال الرئيس الجزائري إنه بسبب مواقفها الثابتة من بعض القضايا وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مشيراً إلى الإجماع العربي حول ما أسماه “أم القضايا” والذي ينص على الأرض مقابل السلام. وتابع بالقول إن ما يجري اليوم في الأراضي الفلسطينية المحتلة هو “لا سلام ولا أرض”، متسائلاً عن الجدوى من إقامة علاقات مع الاحتلال الإسرائيلي في ضوء هذا الوضع. مؤكداً بأن موقف الجزائر من القضية الفلسطينية لا يتغير لا بالتقادم ولا بالتخاذل.

الجزائر وسقوط طرابلس:

أكد الرئيس الجزائري أن بلاده كانت على استعداد للتدخل بطريقة أو بأخرى في ليبيا لمنع سقوط العاصمة طرابلس في يد من أسماهم بـ”المرتزقة”، مؤكداً رفض الجزائر لاحتلال المرتزقة أي عاصمة في شمال أفريقيا. وتابع بالقول إن ما يجري في مالي حالياً هو امتداد لسيناريو “الربيع العربي” ويرمي إلى زعزعة استقرار المنطقة. وكشف أن الأقمار الاصطناعية رصدت قوافل محملة بالأسلحة الثقيلة والخفيفة متجهة نحو منطقة الساحل دون أن يعترض طريقها أحد، ملمحاً إلى تواطأ إقليمي ودولي لنشر الفوضى الخلاقة في المنطقة في إطار ما يعرف بسايكس بيكو -2. وكل هذه المناورات الغرض منها تطويق الجزائر بقوس من الأزمات والحروب الأهلية ومحاولات استنزاف قدرات جيشها وتشتيت جهوده. ثم بالموازاة مع ذلك استهداف مجتمعها بحروب الجيل الرابع. لذلك فإن الجزائر، يضيف الرئيس تبون، تحرص على تسليح جيشها بأحدث الأسلحة لمواجهة التهديدات اللاتماثلية.

 ختاماً، يمكن القول إن الرئاسة الجزائرية قد أدركت محاسن الانفتاح على الرأي العام الوطني والدولي، باعتبار أنه يحقق مكاسب إستراتيجية عديدة للدولة، من بينها التصدي للإشاعات المغرضة التي تستهدف الرأي العام عبر منصات التواصل الاجتماعي وتروج لها أطراف إقليمية ودولية.

د.فتحي بولعراس

خبير مشارك خريج معهد الدراسات السياسية بتولوز- فرنسا (2002)، وحاصل على شهادة الماستر في الأمن الدولي والعلاقات، وعلى شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة العلوم الاجتماعية بتولوز – فرنسا (2007). مدير برنامج التكوين في الدكتوراه تخصص "دراسات سياسية مقارنة"، مدير مخبر "الدراسات السياسية والدولية" بجامعة بومرداس سابقاً (2014-2018)، عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة بومرداس سابقاً (2014-2017)، مؤسس مجلتي "السياسة العالمية" (2014-2018)، و"الدراسات السياسية والقانونية" (2014-2017). يعمل حالياً مدرساً بالمدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية بالجزائر العاصمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى