بعد موافقة البرلمان: ما هي المستهدفات الاقتصادية من إصدار مصر للصكوك السيادية؟

عقب موافقة مجلس النواب المصري فى جلسته المنعقدة في الـ 6 من يونيو 2021، على مشروع قانون مُقدم من الحكومة بإصدار قانون الصكوك السيادية- أكد وزير المالية الدكتور محمد معيط، أن مصر تستعد لإصدار أول طرح من الصكوك السيادية فور موافقة البرلمان النهائية على مشروع القانون. وأشار الوزير إلى أن هذا القانون يُسهم في تحقيق المستهدفات المالية، الاقتصادية، والتنموية من خلال تنويع مصادر تمويل عجز الموازنة العامة للدولة، وتوفير المخصصات المالية اللازمة للمشروعات الاستثمارية، على نحو يتسق مع جهود الدولة في تعزيز أوجه الإنفاق على تحسين مستوى معيشة المواطنين.

ووفقا لمشروع القانون المقدم للبرلمان فإن الحد الأقصى لمدة الصك السيادى يكون ثلاثين عامًا، ويجوز إعادة التصكيك بعد نهاية مدته الأصلية لمدة أو لمدد مماثلة وفقًا لأحكام هذا القانون ، ويتم إصدار الصكوك في شكل شهادة ورقية أو إلكترونية بالمواصفات التي تحددها اللائحة التنفيذية، وتكون اسمية، ومتساوية القيمة، وتصدر لمدة محددة بالجنيه المصري أو بالعملات الأجنبية عن طريق طروحات عامة أو خاصة بالسوق المحلي أو الأسواق الدولية.

وسيشمل هذا القانون الجديد إنشاء شركات تسمى ” شركات التصكيك السيادي “، ستتولى تلك الشركات إدارة وتنفيذ عملية إصدار الصك، وإبرام العقود بصفتها وكيلاً عن ملاك الصكوك، على أن تكون هناك لجان متخصصة من الخبراء المعنيين لتقيم قيم حق الانتفاع أو تأجير الأصول التي تصدر الصكوك بناء عليها، وتحديد القيمة السوقية للصك وقيم الاسترداد أو البيع. كما يتضمن مشروع قانون الصكوك حوافز تشريعية ، وضريبة و ضمانات الحصول على العائد وتحويله للمستثمر المصرى أو الأجنبي مباشراً ، كلك سبل التعويض عن التقصير وجبر الضرر.

مفهوم الصكوك السيادية وأنواعها:

تعرف الصكوك السيادية على أنها أحد أنواع الأوراق المالية المتعارف عليها، والتي تستخدم في تمويل الاحتياجات المالية في المشروعات وسد احتياجات الموازنة العامة مثلها مثل السندات وأذون الخزانة، وتأتي الصكوك السيادية لتلبية رغبة وطلب شريحة عريضة من المستثمرين الذين يرفضون التعامل مع البنوك أو الاستثمار في الأوعية الادخارية الاستثمارية التقليدية، وإصرارهم على البحث عن منتجات استثمارية تتوافق مع مبادئ الشريعة، وهو من أهم ما تتميز به الصكوك السيادية الجديدة وتوفره لهم.

(*) أهم أنواع الصكوك

  • صكوك سيادية، وهي عبارة عن مجموعة من الإجراءات تبدأ بالدراسات واختيار الأصول وتقويم حق الانتفاع بها؛ واستصدار الموافقات المطلوبة، ويأتى هذا النوع فى إطار سعى الدولة لتحسين الأداء المالى وتحقيق المستهدفات قصيرة وطويلة الأجل والحد من عجز الموازنة العامة .
  • صكوك المشاركة: وهي اتفاق يقضى بالمشاركة في الأرباح التي يدرها المشروع أو الأصل وفقا لشروط اتفاقية المشاركة، بينما تتم المشاركة في الخسائر وفق النصيب المشاركة في رأس المال.
  • صكوك الإجارة: وهي المعاوضة على المنفعة دون العين، وفي الإجارة يتم تمليك المستأجر منفعة مقصودة من الشيء المؤجر لمدة معينة لقاء مقابل معلوم كإجارة المساكن والأراضي الزراعية ويشترط فيها أهلية المؤجر والمستأجر والقدرة على استيفاء المنفعة.
  • صكوك الاستصناع : يتم الاستصناع وفقا للشريعة الإسلامية بتمويل مشروع معين تمويلا كاملا بواسطة التعاقد مع المستصنع (طالب الصنعة) على تسليمه المشروع كاملا بمبلغ محدد ومواصفات محددة وفي تاريخ معين ، ومن ثم يقوم المصرف بالتعاقد مع مقاول أو أكثر لتنفيذ المشروع ، ويمثل الفرق بين ما يدفعه المصرف و ما يسجله على حساب المستصنع الربح الذي يؤول إلى المصرف
  • صكوك المرابحة: أحد صور بيوع الأمانة، حيث يتم الاتفاق بين البائع والمشتري على ثمن السلعة أخذا في الحسبان الثمن الأصلي للسلعة، ويكون بيع المرابحة في حالة زيادة ربح معين على الثمن الأصلي. والمرابحة واحدة من أكثر أساليب التمويل شيوعا بين المصارف الإسلامية، ويقدر أن ما بين70-80% من إجمالي التمويل الذي تقدمه المصارف الإسلامية يتم عن طريق المرابحة.
    – صكوك المزارعة: وهي عقد شركة على زراعة أرض زراعية، وفيها طرفان صاحب الأرض وهو شريك بالأرض أساسا، وصاحب العمل وهو المزارع الذي يقوم بالعمل في الأرض بجهده وخبرته، وقد يتفق الطرفان على أن يقدم أي منهما ما تبقى من عناصر الزراعة الأخرى، ويوزع الخارج من الأرض (المحاصيل الزراعية) بينهما حسب الاتفاق.
  • صكوك الخدمات: والمتعهد التي يصدرها ملزم بتوفير أو بيع خدمات ليصبح حاملوها ملاك تلك الخدمات ، ويحصلون على عوائد بيعها في الأسواق مثل توفير برامج تعليمية أو صحية في الجامعات أو المستشفيات، وصكوك الخدمات المتاحة التي يصدها تعهد أو وكيل تتوفر لديه خدمات تباع لحاملي الصكوك ويصبح من حق مالكيها بيعها.

الأهمية الاقتصادية للصكوك السيادية:

تحقق الصكوك العديد من المزايا الاقتصادية لمختلف المتعاملين فى مجالها، أهمها ما نتطرق له فى النقاط التالية :-

  • تعبئة المدخرات وتلبية رغبات المستثمرين: تتميز الصكوك السيادية بقدرتها على تعبئة أموال المدخرين نظراً لتنوع أجالها وفئاتها وطريقة الحصول على العائد ، فضلا عن عدم تعرضها لمخاطر تقلبات سعر الفائدة مما يجذب المدخرين بشكل كبير، كذلك الحال بالنسبة المستثمرين حيث يعتبر مشروع قانون الصكوك السيادية، أداة لتلبية رغبات المستثمرين الأجانب والمحليين ممن يفضلون هذا النوع من الاستثمار أو الادخار المتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية؛ وبالتالى تجذب مصر شريحة من المستثمرين ذوى هذه الميول.
  • تمويل المشروعات الاستثمارية: حيث أن الأهمية الرئيسية للصكوك السيادية هو ليس فقط تعبئة الموارد المالية ولكن توجيهها إلى الأغراض الاستثمارية للدولة وفقا لخطتها التنموية، وخاصة المشروعات الضخمة التي تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة بدلاً من الاعتماد على سندات الخزانة وأدوات الدين العام .كما أن هدف مشروع الصكوك السيادية النهوض وإتمام المشروعات التنموية والاستثمارية اللازمة لتحقيق التنمية الاقتصادية، وتنفيذ خطة الدولة للوصول إلى رؤية مصر 2030، حيث أصبح الأمر ملحًا وضروري بعد تداعيات أزمة فيروس كورونا.
  • تمويل عجز الموازنة العامة للدولة: حيث تعتبر الصكوك السيادية أداة مهمة في هذا التمويل نظرا لكونها تفتح الأبواب لكل فئات الشعب لسد الاحتياجات التمويلية لعجز الموازنة العامة ، فيمكن على سبيل المثال أن تصدر الدولة صكوك لسد العجز فى موازنتها، واستثمار حصيلتها فى المشروعات المدرة للدخل مثل مشروعات البنية التحتية. حيث أن زيادة احتياجات الدولة التمويلية وتوجهاتها لخفض معدل الدين العام، دفعها للتفكير فى إصدار أداوت مالية جديدة، خاصة أن احتياجات الدولة التمويلية مرتفعة خلال الموازنة الجديدة 2020\2021 ، كما أن الدولة تخطط خلال الموازنة الجديدة للاعتماد على الاقتراض الداخلي بشكل أكبر، مقارنة بالأعوام السابقة، في إطار خطتها للتقليل التكلفة التمويلية.
  • دعم وتنشيط أسواق الأوراق المالية، من خلال مساهمتها في توسيع وتنوع قاعدة الأوراق المالية واجتذاب المزيد من المتعاملين، مما يساعد على تحقيق العمق المالي بتلك الأسواق، وزيادة عدد الشركات المدرجة بالسوق مما يساعد على كبر حجمه وتنشيطه ، ورفع مستوى كفاءته فنجد أن الصكوك الإسلامية تساهم فى تحقيق ذلك من خلال مساعدتها على تحقيق الشفافية وتحسين البنية المعلوماتية للسوق ، وتحد من المضاربات الهدامة التى تؤدى الى سوء تخصيص الموارد بتلك الأسواق.

وتأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن مصر، بصدور هذا القانون، سوف تدخل سوق التمويل الإسلامي لأول مرة الذى يصل حجم إصدارات الصكوك به إلى 2.7 تريليون دولار، والذى حققت فيه العديد من الدول نجاحات ملحوظة مثل : ماليزيا – السعودية – إندونيسيا – إنجلترا – تركيا – البحرين – الإمارات، الأمر الذى سوف يساعد مصر على جذب قاعدة متنوعة من المستثمرين والمدخرين، بما يُسهم فى توفير سيولة نقدية إضافية للاقتصاد المصرى وخفض تكلفة تمويل الاستثمارات. كما أن إصدار الصكوك السيادية خلال الفترة الحالية، يأتي تماشيًا مع الاستراتجية التى تهدف إلى تنوع محفظة الدين العام لتشمل أدوات تمويلية جديدة ذات تكاليف أقل، ومخاطر محدودة. ومن المتوقع أن تشهد عملية إصدار الصكوك السيادية رواجا ملحوظا يساعدها فى ذلك استقرار الأوضاع المحلية، والنمو الذى يشهدهُ الوضع الاقتصادي المصري خلال الفترة الحالية رغم تداعيات وباء كورونا.

د.جيهان عبد السلام

رئيس وحدة دراسات مصر -أستاذ مساعد الاقتصاد بجامعة القاهرة. -حاصلة على دكتوراه الاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا. -عضو هيئة تحكيم البحوث الاقتصادية لدى المركز الجامعي لترامنست. -عضو هيئة تحكيم لدى كلية الاقتصاد والإدارة وعلوم التيسير. -عضو هيئة تحكيم لدى جامعة الشهيد لخضر. -خبير اقتصادي وكاتبة في العديد من المجلات العلمية ومراكز الدراسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى