“الفرنكوفونية”  في مواجهة “الأنجلوفونية”.. ماذا تفعل فرنسا لضبط نفوذها في إفريقيا؟

د. إدريس الكنبوري.. كاتب وباحث مغربي متحصص في الشؤون الفكرية والسياسية.

بزيارته الأخيرة لرواندا وجنوب إفريقيا، ما بين 27 و 29 مايو الماضي، يكون الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون قد وضع أساسا جديدا لعلاقات بلاده مع القارة الإفريقية، التي ساءت كثيرا في السنوات الماضية بسبب إعادة بعث الخلفية الاستعمارية لفرنسا في عدد من بلدان القارة، وفتح ملفات العبودية أو القنانة التي كانت فرنسا مسئولة عنها خلال القرون الثلاثة الماضية.

ويبدو أن ماكرون حمل على عاتقه، خلال ولايته الحالية، مهمة تصحيح العلاقات بين باريس وإفريقيا، وطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة، خصوصا أمام المنافسة الصينية والروسية بوجه خاص، ومخاطر تهميش الدور الفرنسي، خاصة وأن الفرنكوفونية في تراجع ملحوظ في بلدان القارة، أمام زحف الأنجلوفونية.

وقد فتح ماكرون ملف العبودية في إفريقيا، معترفا بمسؤولية بلاده فيها خلال القرون الماضية، ثم فتح واحدا من الملفات المعقدة في العلاقات بين باريس وشمال إفريقيا، ظل مسكوتاً عنه ومحط خلافات داخلية، وهو ملف الاحتلال الجزائري الذي دام أكثر من 130 سنة، حيث اعترف ماكرون بالمسؤولية الفرنسية في كل ما حصل من مجازر، لكن دون تقديم أي اعتذار، مما يجعل الملف قابلا لإعادة فتحه مرة أخرى؛ ثم فتح ملفا آخر لا يقل أهمية عن الملف الجزائري، بل يعد أصعب ملف يمس الهوية الأخلاقية لبلد الثورة الفرنسية وحقوق الإنسان، وهو ملف المذابح الرواندية في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي. وقد أطلقت الصحافة والباحثون الفرنسيون على الرئيس الفرنسي لقب فيه جانب من التندر، هو “المؤرخ ماكرون”، نظرا لأن جل القضايا التي ركز عليها منذ توليه الحكم عام 2017 ترتبط بماضي فرنسا في القارة الإفريقية.

عودة إلى الماضي:

بعد 27 سنة من المذابح التي تعرضت لها أقلية التوتسي على يد حكومة الهوتو مدعومة من باريس، قررت هذه الأخيرة اليوم النظر إلى الحقيقة وجها لوجه ومحو آثار العار والهزيمة الأخلاقية، بقرار من رئيس الحكومة مانويل ماكرون، الذي يجلس في نفس المكتب الذي كان يجلس فيه فرانسوا ميتران دون أن يفعل شيئا يمنع المجازر الوحشية التي استمرت بين 1990 و 1994.

ماكرون ألقى خطابا في العاصمة الرواندية كيغالي يوم 27 مايو الماضي، وصف بـ”التاريخي”، حيث اعتذر للروانديين وطلب من الذين ّعبروا الليل”، حسب تعبيره، بأن “يتفضلوا علينا بالعفو”، واعترف بالمسؤولية عما حصل في تلك الفترة القاسية من التاريخ الرواندي خاصة والتاريخ الإفريقي المعاصر خاصة.

لكن ماكرون، بحسب المراقبين، بالرغم من لهجة الخطاب الاستعطافية وتقديم نفسه كمن يتسول اعتذارا في اللحظة الأخيرة من الروانديين، لم يعترف بالمشاركة أو التواطؤ في المجازر التي حصلت ضد التوتسي، وإن كان قد اعترف بمسؤولية الدولة الفرنسية. ويرى هؤلاء أن الاعتراف بالمسئولية قد يؤول تأويلات متعددة، خلافا للاعتراف بالمشاركة غير المباشرة لحكومة ميتران في تلك المجازر، من خلال إطلاق يد الحكومة الرواندية آنذاك بكل حرية، وعدم التدخل للحيلولة دون وقوعها من البداية، وكان بإمكانها أن تفعل، بحكم أن الجنود الفرنسيين كانوا بعين المكان. وقد اكتفى ماكرون باللجوء إلى الاستعارة والمجاز في خطابه، لتلافي الاعتراف بالمسؤولية المباشرة، حيث قال مثلا إن فرنسا “لها دور وتاريخ ومسؤولية سياسية في رواندا، ولها أيضا واجب، وهو النظر وجها لوجه إلى التاريخ، والاعتراف بجزء من الآلام التي سببتها للشعب الرواندي من خلال الحفاظ على الصمت حول كشف الحقيقة”.

وكانت فرنسا قد قررت التدخل في رواندا لدعم الحكومة التي يقودها الهوتو، في مواجهة “الجبهة الوطنية الرواندية” التي تتشكل من التوتسي، والتي كانت قد تأسست في أوغندة المجاورة في نهاية السبعينات كجمعية خيرية لدعم أفراد أقلية التوتسي المنفيين في رواندا، قبل أن تتحول إلى حزب سياسي مع نهاية الثمانينات. واتُهمت الجبهة بكونها أداة في يد أوغندة، ووسيلة للتدخل الخارجي في الشؤون الرواندية. وفي أبريل 1994 تم اتهامها، ومن ورائها أقلية التوتسي، بالوقوف وراء إسقاط طائرة الرئيس جوفينال هابياريمانا، الذي لقي حتفه مع مقربيه، لتندلع الشرارة الأولى للإبادة الجماعية التي ذهب ضحيتها ما يزيد على 800 ألف شخصا، غالبيتهم من التوتسي، وخلفت عشرات الآلاف من المعطوبين. وقد أنهت تلك المجزرة اتفاقية السلام المعروفة تحت اسم “أروشا” الموقعة في تنزانيا في الرابع من غشت 1993 بعد عامين من المفاوضات بين الحكومة والجبهة الوطنية الرواندية المتمردة. ونصت تلك الاتفاقية، المشكلة من خمس بروتوكولات، على إنهاء الحرب الأهلية، وإدماج الجبهة في الحياة السياسية وباقي التنظيمات الأخرى، ما عدا تلك التي تتسم بالعنصرية تجاه أقلية التوتسي، ورحيل القوات الفرنسية، ويبدو أن هذا المطلب الأخير هو ما كان وراء التورط الفرنسي في المذابح، لأن باريس كانت ترى في خروجها من رواندا بمثابة قطع وريد حيوي يمدها بالحياة.

تقرير ساخن:

أدرك ماكرون، لدى وصوله إلى قصر الإليزيه قبل ثلاث سنوات، أن عودة العلاقات الفرنسية الإفريقية إلى طبيعتها، ومحافظة باريس على نفوذها في القارة يمثل الرئة التي تتنفس منها، يظل رهين بطي صفحة المجازر الرواندية التي لا تزال تلطخ سمعة فرنسا في القارة، والتي لا تقل عن سمعة الناتو في مذابح سربرنيتشا في بداية التسعينات من القرن الماضي، مع الفارق.

ولهذه الغاية شكل عام 2018 لجنة من المؤرخين يرأسها المؤرخ والباحث فانسنتدوكليرت، اطلعت على الأرشيفات في فرنسا ورواندا، وأصدرت في نهاية أشغالها تقريرا من 1200 صفحة معززا بالوثائق والصور، خلصت فيه إلى أن فرنسا لديها “مسؤوليات ثقيلة” فيما حصل في رواندا، وأن هذه المسؤوليات هي مسؤوليات سياسية لأن فرنسا “غضت الطرف بشكل مستمر في دعهما لنظام عنصري وفاسد وعنيف”.

وقد حرص، خلال ذلك العام، على أن ينحني لعاصفة الانتقادات التي انطلقت من داخل رواندا والقارة الإفريقية وفرنسا نفسها، عبر تقديم “هدية” إلى الحكومة الرواندية، بمناسبة التي قام بها الرئيس الرواندي بول كاغامي لباريس، التي كانت الأولى من نوعها له منذ العام 2011.

هدية ماكرون تمثّلت في إعلانه دعم ترشح رواندا لتولّي الأمانة العامة للمنظمة الدولية للفرانكوفونية، في ما يبدو أنه صفقة سياسية تمتنع بموجبها الحكومة الرواندية عن إثارة مسؤولية فرنسا في المذابح، مقابل دعم فرنسي في ملفات متعددة. واتضح هذا الموقف من خلال سكوت الرئيس الرواندي، أثناء زيارته لباريس، عن الحديث في الموضوع أمام الصحافيين الفرنسيين، بالرغم من أن بول كاغامي ظل طيلة السنوات الماضية يثير الحديث عن تورط الحكومة الفرنسية في عهد الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران.

وأدّى الحديث عن تورط الحكومة الفرنسية في أحداث الإبادة إلى تجميد العلاقات بين البلدين منذ أن بدأت إثارة الموضوع قبل نحو عشر سنوات، حين حمّل الرئيس الرواندي فرنسا مسؤولية ما حصل واتهمها بالتواطؤ مع حكومة كيغالي المشكلة من قبيلة الهوتو في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي.

وقد طفت على السطح مسؤولية باريس في المذبحة في شهر أبريل من العام الماضي، بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لتلك الأحداث، عندما نشر ضابط سابق في الجيش الفرنسي، هو غيوم أنسيل، كتابا تحت عنوان “رواندا، نهاية الصمت”، تحدث فيه كشاهد عيان قضى خمسين يوما ضمن البعثة العسكرية الفرنسية في كيغالي، التي كانت تسمى “عملية توركواز”. واتهم أنسيل باريس بالتورط في الإبادة الجماعية التي طالت قبيلة التوتسي، ودعم حزب الجبهة الوطنية الرواندية الذي كان يقود البلاد وقتها، وتسليح منفذي المجازر، بل ولعب دور في عدم تقديم الجناة أمام العدالة.

وكشف أنسيل في شهادته أن باريس لم تضع الجنود الفرنسيين الذين أرسلتهم إلى رواندا في الصورة الحقيقية للأوضاع في البلاد، وهو ما يخالف الأعراف الجارية في الجيش الفرنسي، حسب تعبيره، بل اكتفت بتذكيرهم بأنهم ذاهبون في مهمة إنسانية، لكنهم اكتشفوا خلال وجودهم هناك أن التعليمات العسكرية التي كانت تعطى لهم كان الهدف الخفي منها هو الحيلولة دون سقوط الحكومة التي كانت تقودها الجبهة الوطنية الرواندية، ومنع انتصار أقلية التوتسي، وهو ما يعني -حسب إفادته- السماح باستمرار المجازر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى