استخلاصات غزة

محمد كمال

أزمة غزة، التى استمرت أحد عشر يومًا، كانت لها تداعيات ضخمة على القطاع والإقليم والعالم، ويمكن تلخيص أهمها فيما يلى:

أولًا: أثبتت الأزمة مصداقية مقولتين، الأولى «أنك لو حاولتَ أن تتجاهل الشرق الأوسط، فإن الشرق الأوسط لن يتجاهلك»، والثانية «أن ما يحدث فى الشرق الأوسط لا يبقى فى الشرق الأوسط»، بل يمتد أثره إلى خارجه. اتضحت هاتان المقولتان فى سلوك إدارة الرئيس الأمريكى بايدن، والتى جاءت إلى البيت الأبيض بأهداف واضحة تركز على الداخل (كورونا والاقتصاد)، وقضايا الصين وروسيا خارجيًا، واقتصر اهتمامها فى الشرق الأوسط على عودة الاتفاق النووى مع إيران فقط، مع تجاهل باقى قضايا المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ولكن أحداث غزة أثبتت أن الواقع يختلف عن الرغبات والأمانى، وأن القضية الفلسطينية قادرة على فرض نفسها، حتى على مَن يتجاهلها، حيث فوجئت إدارة بايدن بتصاعد الأحداث وتزايد الضغوط عليها للتحرك، بما فى ذلك من الداخل الأمريكى، وسائل الإعلام والحزب الديمقراطى الذى ينتمى اليه الرئيس، بالإضافة إلى الضغوط الخارجية من جانب العديد من الدول، مع تزايد التظاهرات والاحتجاجات حول العالم، والتخوُّف من تحول بعضها إلى أحداث عنف وإرهاب. وهكذا وجد الرئيس بايدن نفسه فى خضم أحداث غزة، حيث أجرى العديد من المكالمات مع زعماء المنطقة، ومنها ست مكالمات لرئيس الوزراء الإسرائيلى «نتنياهو»، خلال الأحد عشر يومًا، وأوفد وزير خارجيته «بلينكن» إلى المنطقة، والذى أجّل زيارة كان يزمع القيام بها لدول آسيا، التى كانت من الناحية النظرية تحتل الأولوية فى أجندة الرئيس بايدن. وهكذا أثبتت القضية الفلسطينية أنه يمكنك أن تحاول الابتعاد عنها، ولكن هذا لا يعنى بالضرورة أنها سوف تبتعد عنك.

ثانيًا: أوضحت أحداث غزة حجم التغير الذى يشهده الداخل الأمريكى تجاه إسرائيل، وخاصة فى إطار ما يُعرف بالتيار التقدمى فى الحزب الديمقراطى، أو حتى بين اليهود الأمريكيين ووسائل الإعلام وكُتاب الرأى، الذين أصبحوا أكثر تفهمًا للحقوق الفلسطينية، وفى هذا الإطار شهدنا انتقادات غير مسبوقة لإسرائيل فى قاعات الكونجرس الأمريكى، ونشرت صحيفة النيويورك تايمز، فى صفحتها الأولى، صور الأطفال الفلسطينيين، الذين سقطوا ضحية القصف الإسرائيلى لغزة، وجاءت دعوة «ستيفن والت»، أستاذ العلاقات الدولية الشهير بجامعة هارفارد- فى مقال نُشر، منذ أيام، بالموقع الإلكترونى لمجلة السياسة الخارجية- إلى وضع نهاية للعلاقة الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة، والتعامل معها كدولة عادية.

ثالثًا: أكدت أزمة غزة وجود تحولات فى مواقف عدد من الدول الأوروبية، وخاصة فى أوروبا الشرقية، التى أصبحت أكثر تأييدًا لإسرائيل، ولكن فى نفس الوقت كشفت الأحداث عن تزايد التأييد فى الرأى العام العالمى والأمريكى للقضية الفلسطينية، وخاصة بين الأجيال الشابة، التى أصبحت أكثر تأييدًا للقضية الفلسطينية.

رابعًا: أسقطت الأزمة عددًا من المقولات التى روج لها اليمين الإسرائيلى والأمريكى أيضًا، ومنها أن القضية الفلسطينية لم تعد تحتل الأولوية لدى الشعوب العربية، وخاصة الأجيال الشابة، وأن السلام بين إسرائيل والدول العربية يمكن أن يكون مقابل السلام، ودون تقديم أى تنازلات فى القضية الفلسطينية، كما أوضحت الأزمة أن جيل الشباب الفلسطينى هو الذى يحمل الآن شعلة القضية، وبعيدًا عن التنظيمات الدينية والسياسية، وأن مستقبل القضية أصبح مرتبطًا بإرادة هذا الجيل.

خامسًا: أحْيَت الأزمة الحديث عن حل الدولتين، وبدأت الإدارة الأمريكية تتكلم عن حق الفلسطينيين فى الأمن والكرامة، وبشكل متساوٍ مع الإسرائيليين، وتبنت عددًا من الخطوات الإيجابية، منها الدعوة إلى جهد دولى لإعادة إعمار غزة والتعامل مع الأوضاع الإنسانية بها، وفتح القنصلية الأمريكية بالقدس لتسهيل التواصل المباشر مع الفلسطينيين، وكلها خطوات طيبة، ولكن من المهم انتهاز هذه الفرصة، كما ذكر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبوالغيط، «للانتقال بجرأة من ذهنية إدارة الصراع إلى ذهنية العمل على حله»، وأن البديل عن حل الدولتين سيكون «استمرار الوضع القائم كما ترغب إسرائيل: دولة واحدة تقوم على نظام من التمييز العنصرى الفاضح والمُشين ضد خمسة ملايين إنسان. إنه وضعٌ سيستحيل الدفاع عنه سياسيًا، أو تبريره أخلاقيًا».

سادسًا: أوضحت الأزمة حدود الدور الذى يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة، وأنه بدون الاستعانة بقوة إقليمية مهمة، هى مصر، ما كان يمكن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل، وهو ما أعاد الدفء إلى العلاقات المصرية الأمريكية، وأكد أن العلاقات الدولية تقوم بالأساس على المصالح وليس على الاعتبارات الأيديولوجية.

سابعًا: أكدت أزمة غزة أهمية تبنى مصر دورًا دوليًا نشطًا، وخاصة على مستوى الإقليم ودول الجوار، وأن الحديث عن الانكفاء على الذات والتركيز فقط على الداخل لا محل له من الإعراب، وأن الدور المصرى النشط يعود على البلاد بفوائد ضخمة تتجاوز المكانة المعنوية، وأن هناك طلبًا وحاجة إلى الدور المصرى من القوى الدولية والإقليمية، وأن «اللحظة المصرية» لا تزال مستمرة فى العديد من الملفات الإقليمية، وعلى رأسها الملف الفلسطينى.

نقلا عن المصري اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى