منحى مغاير: أي مسار تتخذه العلاقات المصرية القطرية بعد وقف إطلاق النار في غزة؟

مرت العلاقات بين الدوحة والقاهرة بجملة من المتغيرات وصلت لذروتها بعد عام 2013 في ظل عداء واضح وصريح من جانب قطر لمصر، بسبب النهج الذي دأبت عليه الدوحة إزاء دول الإقليم بشكل عام وتجاه مصر بشكل خاص، إلا أن المصالحة التي تم توقيعها في “قمة العُلا” بين قطر ودول الرباعية في شهر يناير 2021 مثلت نقطة مفصلية في إطار العلاقات مع الدوحة. ومنذ ذلك التاريخ بدأ كل طرف يختبر صدق ونوايا الطرف الأخر في محاولة للتأكد من التقيد بالالتزامات التي تضمنها اتفاق المصالحة. وكشفت الرسائل المتبادلة بين البلدين عن أن هناك رغبة في استعادة العلاقات تمثلت في تصريحات المسئولين، والزيارات التي تمت من جانب المسئولين القطريين إلى القاهرة، فضلا عن نجاح جهود التنسيق بين البلدين في وقف إطلاق النيران فيما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي على غزة، لتؤسس بذلك علاقة جديدة بين البلدين، متجاوزة خلافات الماضي.

رسائل إيجابية متبادلة بين القاهرة والدوحة:

منذ توقيع المصالحة بين قطر ودول المقاطعة (مصر والسعودية والإمارات والبحرين) في قمة العُلا التي عقدت بالسعودية مطلع العام الجاري، وبدأت العلاقات بين الدوحة والقاهرة تأخذ منحي مغاير عما كانت عليه في السابق وتحديدا منذ عام 2013، ومن خلال التطورات اللاحقة بدى أن هناك مؤشرات تلوح في الأفق تفيد بتجاوز خلافات السابق وتأسيس علاقات جديدة في إطار من الشراكة والتعاون، خاصة في ظل الظروف والتطورات التي تشهدها المنطقة، مع سعي دول الإقليم لإعادة تقييم التحالفات القديمة سواء من خلال تعزيز تلك التحالفات أو تأسيس تحالفات جديدة تتجاوز القديم. وفي السياق كان هناك رسائل متبادلة كشفت عن الرغبة في استعادة العلاقة بين البلدين.

(*) على الجانب المصري

في منتصف شهر مارس من العام الجاري، قال وزير الخارجية المصري “سامح شكري”- أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري-إن “هناك رسائل إيجابية من قطر، لاستعادة زخم العلاقة بين البلدين، وأن هناك سعيا لتنفيذ ما جاء في قمة العلا بعد سنوات القطيعة بين الرباعي العربي وقطر”. وفي 22 مايو من العام الجاري أكد الوزير أن مصر وفت بكل التزاماتها المرتبطة ببيان العٌلا في حين قطر نفذت عددا من التزاماتها في هذا الصدد، مشيرا إلى أن الاجتماعات بهذا الشأن تسير بالطريق الصحيح. وأكد الوزير المصري أن القاهرة حرصت على ألا تتأثر العلاقات على مستوى الشعبين بأي توتر في العلاقات.

(*)على الجانب القطري

في منتصف شهر إبريل تلقي الرئيس عبد الفتاح السيسي اتصالا هاتفيا من الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر، للتهنئة بحلول شهر رمضان ويُعد هذا الاتصال، هو الأول بينهما منذ المصالحة الخليجية. وفي 25 مايو الجاري كانت هناك زيارة من وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني للقاهرة، التقي فيها بالرئيس السيسي لبحث سبل العلاقات بين البلدين، مع توجيه دعوة من قبل أمير قطر للرئيس السيسي لزيارة الدوحة، وفي أعقاب تلك الزيارة أوضح وزير الخارجية القطري إن بلاده ترى أن مصر من الدول الكبرى في المنطقة وتلعب دورا قياديا في الملفات الإقليمية. مشددا على أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يمثل الشرعية المنتخبة في مصر. ويعد هذا التصريح تغييرًا جذريًا لسياسة الدوحة الخارجية التي دأبت على إتباعها منذ عام 2013 تجاه النظام المصري، ويؤسس لمرحلة جديدة من التعاون بين البلدين. وفي مارس الماضي كانت هناك زيارة من مدير إدارة الشؤون القانونية في وزارة الخارجية القطرية الشيخ محمد بن حمد بن سعود آل ثاني إلي القاهرة لبحث علاقات التعاون بين البلدين.

لماذا عادت العلاقات بين البلدين؟:

تعددت الأسباب والدوافع التي عززت من سعي البلدين نحو استعادة العلاقات بينهما، منها ما يرتبط بالعلاقة المباشرة بين البلدين، ومنها ما يرتبط بالظروف والتقلبات التي يمر بها الإقليم، ومن هذه الأسباب:

(&) تعهد الدوحة بعدم التدخل في الشأن الداخلي المصري: بعد إتمام المصالحة في العلا، تشكلت لجنة من البلدين لبحث سبل استئناف العلاقات بين البلدين، وخلال ذلك تعهدت الدوحة بعدم التدخل في الشأن المصري، والتخلي عن لهجة العداء التي دأبت عليها الدوحة ضد النظام المصري منذ عام 2013، وهو ما اتضح من خلال تصريحات المسئولين هناك، تأكيدًا علي صدق نواياها في استعادة العلاقات مع القاهرة، بالإضافة إلى التعهد بتغيير توجه قناة الجزيرة القطرية التي استُخدمت ضد النظام المصري، وفي المقابل بدأ الإعلام المصري هو الأخر يتبني لهجة أقل حدة ضد قطر.

(&) دور مصر الإقليمي والنجاحات الخارجية: نجحت مصر بشكل كبير في التعامل مع الملفات الخارجية التي شكلت تحديا وتهديدا للأمن القومي المصري، الأمر الذي يؤكد على مكانة مصر باعتبارها قوة إقليمية كبري لا يمكن تجاوزها، وهو ما ساهم بشكل كبير في الدفع بجهود المصالحة نحو الأمام، خاصة بعد فشل المشاريع المناوئة للدور المصري. ويأتي علي رأس ذلك الملف الليبي؛ حيث نجحت مصر في إعادة الاستقرار إلى الداخل الليبي من خلال الانخراط مع الأطراف الفاعلة هناك، والتأكيد على وحدة واستقرار الأراضي الليبية من خلال المبادرة التي أعلنها الرئيس السيسي في يونيو من العام الماضي، مع تأكيد القاهرة على رفض وجود المرتزقة والميلشيات المسلحة كل ذلك ساهم في تعظيم الدور المصري. فضلا عن نجاح القاهرة في ملف غاز شرق المتوسط وتأسيس “منتدى غاز شرق المتوسط” ومقره القاهرة، والذي يضم في عضويته الدول المطلة على شرق المتوسط، ساهم هو الأخر في التأكيد على مكانة مصر الإقليمية.

(&) التغيرات التي يمر بها الإقليم: يمر الإقليم بمجموعة من المتغيرات التي تؤثر بشكل أو بأخر على التحالفات القائمة مع سعي كل دولة لإعادة تموضعها مرة أخري، وإتباع غالبية دول الإقليم سياسة “صفر مشاكل”، حيث تسعي كل من السعودية وإيران لفتح آفاق جديدة من التعاون بينهما، وكذلك إقامة بعض دول الخليج علاقات تطبيع كاملة مع إسرائيل، وتوجه كل من تركيا وقطر لتجاوز خلافات الماضي مع النظام المصري، وإقامة علاقات تعاونية وهو ما رحبت به القاهرة. فضلًا عن ما تمثله قضية سد النهضة من تحدي كبير لكل من مصر والسودان وإمكانية الاستفادة من التحالفات الجديدة في الوصول إلي حلول توافقية بشأن تلك القضية.

(&) رغبة قطر في لعب دور إقليمي أكبر: تُظهر الدوحة طموحها للعمل كوجهة سياسية رئيسية، وترسيخ نفسها كوسيط إقليمي رئيسي في قضايا المنطقة، لتكون الوسيط “رقم واحد”، وتقود قطر جهود الوساطة للتوفيق بين إيران وبين ممالك الخليج، وكذلك تسعي للوساطة بين الولايات المتحدة وبين إيران فيما يتعلق بالملف النووي، وكذلك لعبت الدوحة دور الوسيط بين الولايات المتحدة وحركة طالبان في أفغانستان، وبين طالبان والحكومة الأفغانية وآخرها في عام 2020، وربما تسعي للتوسط بين مصر والسودان من ناحية وبين إثيوبيا من ناحية أخري، وفي الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة علي القدس وغزة بذلت الدوحة جهود حثيثة للتوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية.

تداعيات التقارب المصري القطري:

ثمة تداعيات يعكسها التقارب المصري القطري، قد تنعكس بصورة إيجابية على العديد من الملفات المفتوحة والدول غير المستقرة بالمنطقة، يمكن رصد أهمها على النحو التالي:

(*) إضفاء مزيد من الاستقرار على الملف الليبي: شهد الملف الليبي لفترة طويلة استقطاب وصراع نفوذ بين عدد من القوي الإقليمية حول السيطرة على المشهد هناك، إلا أنه في الأخير نجحت القاهرة في بسط سيطرتها على المشهد عبر المبادرات التي قادتها مع أطراف الأزمة، وفي السياق ألقت المقاطعة العربية مع قطر بظلالها على استمرار تعقد المشهد وإضفاء مزيد من السخونة عليه في محاولة كل طرف حسم الملف لصالحه، إلا أن التقارب المصري القطري ربما يدفع نحو مزيد من الاستقرار في ليبيا.

(*) إحراز نجاحات في ملف سد النهضة: في ظل تصاعد حدة الخلافات بين مصر والسودان من جانب، وبين إثيوبيا من جانب آخر حول ملف سد النهضة، بدأت قطر تحركاتها للتدخل كوسيط لتقريب وجهات النظر وحل الأزمة بشكل دبلوماسي. حيث أنه قبيل زيارته للقاهرة التقي وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مع المسئولين في السودان، كما التقي الوزير القطري في الدوحة مع وزير الدولة للشؤون الخارجية في إثيوبيا، الأمر الذي يشي بمحاولة قطرية جديدة للتقارب في الملف المشترك بين الدول الثلاث ألا وهو سد النهضة، ربما بطلب من مصر والسودان أو بمبادرة ذاتيه منها. خاصة بعد أن سحبت الإمارات مبادرتها بشأن النزاع الحدودي المتصاعد بين إثيوبيا والسودان والتي لم تلقي قبولا سودانيًا، وفي ظل تراجع الدعم المقدم لكل من مصر والسودان من جانب دول الخليج في هذا الملف، وما تمتلكه قطر من علاقات قوية مع دول القرن الإفريقي وإثيوبيا ربما تشهد الفترة القادمة السعي نحو إيجاد حلول توافقية للحيلولة دون تصاعد الأمور بشكل أكبر.

(*) الدفع نحو تقريب العلاقات المصرية – التركية: تتمتع الدوحة بعلاقات قوية مع أنقرة سواء على المستوي السياسي أو الاقتصادي أو العسكري، حيث أنه بعد قرار المقاطعة سارعت تركيا بإعلان دعمها ومساندتها لقطر ضد دول المقاطعة، كما شهدت العلاقات بينهما تنسيق في ملفات مختلفة أبرزها الملف الليبي. ومؤخرا تسعي أنقرة لاستعادة علاقتها مع القاهرة وهو ما رحب به المسئولين في مصر، وربما تشهد الفترة القادمة سعي قطري لتقريب وجهات النظر بشكل أكبر بين البلدين، وهو ما يعنى أن حالة استئناف العلاقات بين مصر وتركيا سوف تنعكس ذلك بشكل كبير على ملفات عديدة في المنطقة لاسيما الملف الليبي والملف السوري والتعاون الاقتصادي.

(*) جذب مزيد من الاستثمارات لصالح الاقتصاد المصري: تعد الاستثمارات القطرية في مصر من أكبر الاستثمارات في المنطقة، حيث تمتلك قطر في مصر العديد من المشروعات الاستثمارية الفندقة والسياحية، وبلغت الاستثمارات القطرية في مصر حوالي 220 شركة ونشاط اقتصادي أهمها النشاط السياحي؛ حيث أنه في مطلع شهر يناير من العام الجاري افتتح وزير المالية القطري فندق “سانت ريجيس” في القاهرة المملوك لشركة “الديار” القطرية والذي بلغ تكلفة إنشاءه 1.3 مليار دولا، ومع استئناف العلاقات بين البلدين فمن المتوقع أن تزيد حجم الاستثمارات القطرية في مصر، وهو ما يؤثر بالإيجاب علي الاقتصاد المصري.

في النهاية، يمكن القول إن ترحيب قطر بالمبادرة المصرية لوقف إطلاق النار في غزة بعد العدوان الإسرائيلي الأخير عليها، ودعمها للجهود المصرية في إتمام عمليه وقف إطلاق النار، وكذلك ما أسفرت عنه الجهود التي رعتها الولايات المتحدة ومصر، ودعمتها قطر إلى النجاح في وقف العدوان علي غزة، والذي يعد أول إنجاز لجهد دبلوماسي مشترك بين القاهرة والدوحة، ومع عودة القضية الفلسطينية إلى المشهد السياسي عالمياً وإقليمياً- يشير إلى احتمال أن تحظى العلاقات القطرية المصرية بمزيد من الزخم، سواء عبر التعاون في عملية إعمار قطاع غزة بعد العدوان، أو عبر الحديث مع حركة حماس. بالإضافة إلى زيارة وزير خارجية قطر للقاهرة ولقاءه الرئيس عبد الفتاح السيسي والتي تعد أول زيارة من نوعها منذ توقيع اتفاق المصالحة، كل ذلك يؤكد أن هناك تسارع من أجل استئناف العلاقات بين البلدين بل وتوثيقها. كما أن دعم قطر لمصر والسودان بشكل صريح في ملف سد النهضة يصب بشكل إيجابي في طريق استعادة العلاقات. وربما تشهد الفترة القادمة رفع تمثيل الدبلوماسي بين البلدين عن طريق تبادل السفراء، وربما عقد قمة مصرية قطرية قريبا على مستوى كبير، مع مزيد من التقارب والتلاقي.

هيثم عمران

باحث بوحدة دراسات الأمن الاقليمي - مدرس مساعد قسم العلوم السياسية كلية السياسة والاقتصاد جامعة السويس. وباحث مشارك مع عدد من المراكز العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى