إلى أين يصل مستوى التوترات بين تركيا وألمانيا بسبب حركة ” الخدمة”؟

تشهد العلاقات الأوروبية التركية، وخاصة الألمانية التركية توترًا شديدا بسبب اتهام أنقرة لبرلين، زعمها بقيام ألمانيا بمساعدة إرهابيين والتواطؤ معهم، وعدم استجابتها للعديد من الملفات التي قامت _أنقرة_ بإرسالها حول عدد من الأشخاص التابعين لحركة “الخدمة”، التي يتهمها النظام التركي بالتورط في الانقلاب الفاشل في 2016.

وما يزيد الأزمة بين الدولتين خلال الفترة المقبلة، هو صعوبة تخلى ألمانيا عن مؤسسات حركة ” كولن”، حيث تمتلك هذه الحركة العديد من المؤسسات داخل الدول الأوروبية، خاصة ألمانيا. بالإضافة إلى قيام نظام أردوغان بإتباع استراتيجية مربكة في الداخل الألماني، تقوم على استخدام الأئمة والمنظمات غير الحكومية.

 تأسيسًا على ما سبق، يقوم هذا التحليل بإلقاء الضوء على ماهية حركة الخدمة، والشبكات الأردوغانية في الغرب لمناهضة أعمال تلك الحركة، بالإضافة إلى التدابير الأوروبية من تلك الشبكات.

وقبل التطرق إلى تفاصيل التحليل، تجدر الإشارة إلى أن حركة ” الخدمة”، هي حركة صوفية يرأسها الداعية التركي فتح الله كولن، وتمتلك العديد من المؤسسات الاجتماعية والتعليمة في مختلف دول العالم، كما أن مؤسسها محمد فتح الله كولن، الذي يعيش في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، يُتهم من قبل أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، وتطالب-أنقرة- الولايات المتحدة منذ هذا التاريخ بتسليمه، وترفض أمريكا هذا الطلب بسبب عدم تقديم أنقرة أدلة موثوقة. ومنذ تسليم ” بايدن” السلطة، تسعى أنقرة إلى إصلاح العلاقات المتوترة مع واشنطن، التي فرضت عقوبات على تركيا العام الماضي لشرائها أنظمة دفاع جوي روسية، وأيضا مع الاتحاد الأوروبي، لكن تظل أهم شروط تركيا للطرفين الأمريكي والأوروبي، هو تسليم “جولن”.

حماية ألمانية وإدانة تركية:

بداية، منذ عام 2016 تقوم حركة “الخدمة”  بالترويج في وسائل الإعلام الألمانية لصورتها كمشروع مضاد لنظام أردوغان، وهو ما يلقى قبول عند بعض المؤسسات الألمانية الرسمية وغير الرسمية، بالإضافة إلى الكنائس في ألمانيا،  حيث صرح رئيس جمعية الحوار والتعليم إركان كاراكويون، بأن قيمها الدينية تتوافق مع الغرب، وصرح أيضًا بأن ألمانيا في طور التحول إلى مركز الخدمة الجديد، في إشارة منه إلى أن حتى الكنائس في ألمانيا لا تجد أدنى مشكلة في التعامل مع الحركة، حيث أن دار هردر للنشر الكاثوليكية تقوم بإصدار العديد من الكتب منذ سنوات من تأليف فتح الله جولن وأنصاره.

وفي هذا السياق، فإن الهدف من دعم الحكومة الألمانية لتلك الحركة، يتمثل في إبعاد الشباب عن التوجهات المناهضة للديمقراطية التي تتبناها أذرع أردوغان، فقد أعلنت وزارة شؤون الأسرة الألمانية أنه خلال عامي2017، 2019، تلقى مشروع “الشباب الاجتماعي النشط” (Jusa) التابع لحركة جولن، دعما ماليا يقدر بـ180 ألف يورو، من البرنامج الفيدرالي “الديمقراطية الحية”، الذي يهدف إلى زرع قيم الحرية وسيادة القانون في نفوس الشباب، وحمايتهم من التنظيمات المناهضة للديمقراطية، وفي المقابل قامت برلين بتصنيف منظمات خاضعة للنظام التركي مثل ديتيب وميللي جورش والذئاب الرمادية، على أنها “مناهضة للديمقراطية”.

وبالتالي، تدين الحكومة التركية السلطات الألمانية بحماية حركة “خدمة”، وتمويلها، بالإضافة إلى عدم أخذ أي إجراء يدين أعمالها بالرغم من العديد من طلبات الإحاطة التي تم تقديمها إلى البرلمان، والتي تفيد بأن بنية حركة جولن غير شفافة، ولا بد من محاكمتهم وتسليمهم إلى تركيا، بيد أن قام جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني بالرد على ضرورة توجيه الإدانة إلى تلك الحركة بأنه لا توجد أدلة كافية على وجود تطلعات معادية للدستور من جانبها بعد القيام بمراقبة عملها.

وهنا تجدر الإشارة، إلى أن حركة ” الخدمة” تشكل قوة كبيرة داخل المجتمع الأوروبي، خاصة ألمانيا، لما لها من دور في برعاية الأتراك الهاربين إلى ألمانيا من تركيا، من بينهم موظفون حكوميون سابقون، ومعلمون ورجال أعمال، ففي عام 2017 قام نحو 8000 مواطن تركي بتقديم طلب الحصول على اللجوء، وفي عام 2018، خاصة الثلاث شهور الأولى، كما أن نحو 2000 مواطن طلبوا اللجوء أيضًا، حيث تقوم المؤسسات التابعة لـ “جولن” بتقديم الرعاية لهم، بالإضافة إلى الحصول على المشورة القانونية والمساعدة للالتحاق بدروس اللغة، وإيجاد فرص عمل، ومنازل للسكن، وفي سياق متصل، فإن نسبة الاعتراف بحق اللجوء لهؤلاء عالية، وذلك وفق ما يصدر عن الحركة، ففي برلين تصل إلى نحو 90 %.

تدابير أوروبية:

صرحت النائبة الألمانية عن حزب اليسار، سيفيم داجديلين، أثناء إلقائها كلمة بالبرلمان في أكتوبر 2020، بأن شبكة أردوغان تشكل تهديدا للأمن العام في ألمانيا ولا بد من تفكيكها بدلا من دعمها، ذلك في إشارة منها إلى تمويل مساجد يديرها الاتحاد الإسلامي التركي “ديتيب” بأموال دافعي الضرائب في بعض الولايات الألمانية. وفي هذا السياق قامت بعض الدول الأوروبية باتخاذ بعض من التدابير للتخلص من الشبكات الأردوغانية منها:

(&) الاستغناء عن توظيف الأئمة الأتراك في مساجدها: حيث ساد اتجاه عام في كثير من الدول الأوروبية، إلى الاستغناء عن توظيف الأئمة الأتراك في مساجدها، ذلك منعًا لترويج نسخة الإسلام السياسي المتطرفة وتورط أو ضلوع أئمة مساجد في عمليات التجسس على المعارضين، وتجنيد مقاتلين وإرسالهم لأماكن الصراع في سوريا والعراق وليبيا.

(&)  حظر التمويل الخارجي لأئمة المساجد: قامت الحكومة النمساوية في فبراير 2019 بتفعيل قانون، يتم من خلاله حظر التمويل الخارجي لأئمة المساجد، ذلك لمنع تمويل الكثير من الاتحادات الإسلامية والمساجد من تركيا. وفي مارس 2020، قامت المحكمة العليا في النمسا بتأييد قرار الحكومة النمساوية بطرد الأئمة المسلمين الذين يتم تمويلهم من تركيا، بيد أن لم تكن هذه الإجراءات هي الأولى التي تقوم النمسا باتخاذها، ففي فبراير 2015، قد وافق البرلمان على مشروع قانون ينص على إخلاء البلاد من الأئمة الأتراك العاملين في مساجد تابعة لفرع الاتحاد الإسلامي التركي بالنمسا، بالإضافة إلى الامتناع عن استقبال المزيد من الأئمة الجدد من تركيا.

 (&) إنشاء “معهد أوروبي لتدريب الأئمة”: أعلن رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشال، خلال مؤتمر القمة الأوروبية المصغرة لمكافحة الإرهاب نوفمبر 2020، التي شارك فيها كلًا من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، أنه لا بد من إنشاء “معهد أوروبي لتدريب الأئمة”، حيث أن تلك الهيئة ستقوم بالأشراف على تدريب الأئمة وتضمن أيضًا عدم مساهمة خطابهم في نشر “أيديولوجية الكراهية” و”قبول سيادة القانون المدني”.

تأسيساً على ما سبق، ولإجابة السؤال المركزي- إلى أين تصل التوترات بين تركيا وألمانيا بسبب حركة ” الخدمة”؟- يمكن القول، إن الدور الهام الذي تلعبه حركة “الخدمة” الصوفية داخل المجتمع الأوروبي، خاصة في ملف اللاجئين الأتراك، وقيامها بإمدادهم بالعديد من المساعدات، بالإضافة إلى تأسيسها للعديد من المشروعات التنموية التي تسهم في إنعاش الاقتصاد الألماني- يصعب من تخلي ألمانيا عن هذه الحركة، بالتالي فإن التوتر بين الجانبين التركي والألماني سيظل في تصاعد مستمر، وإن كانت مجريات الأمور بينهما تسير في اتجاه المصالح المشتركة خاصة المصالح الاقتصادية والسياسية، ورغبة تركيا في الدخول كعضو في الاتحاد الأوروبي، وهذا لن يحدث في ظل سياسة النظام التركي الحالي.

وعلى ما سبق، يكون موافقة ألمانيا، وغيرها من الدول الأوربية على طلب النظام التركي، المُتمثل في “إعلان حركة فتح الله جولن منظمة إرهابية”- من الصعوبة. وبالتالي، فإن هذا الطلب مؤجل بالنسبة للحكومة الألمانية، خاصة وأن اعتبار “الخدمة ” منظمة إرهابية، يحتاج إلى تنسيق دولي، وبناءاً عليه، وفقا لمقربين من النظام الألماني، فإنه يصعُب على ألمانيا وحدها أن تصنفها منظمة إرهابية، خاصة في ظل رفض الولايات المتحدة تسليم زعيم الحركة” فتح الله جولن ” المقيم على أراضيها منذ ما يقرب من ست سنوات.

خلاصة القول، بالرغم من التوترات الأوروبية التركية وخاصة الألمانية التركية، إلا أن العلاقات تستمر بين البلدين من خلال المصالح المشتركة. وهذا يشمل العلاقات الاقتصادية، والمصلحة المشتركة بإنهاء الحرب في سوريا، خاصًة أن كل من ألمانيا وتركيا يقومون باستقبال عددًا كبيرًا من اللاجئين السوريين، الذين يأملون في العودة إلى ديارهم في أقرب وقت ممكن، كما تلعب تركيا دور الحليف الأساسي لألمانيا والاتحاد الأوروبي لمكافحة الهجرة غير الشرعية.

 

نداء السيد حسن محمد

نائب رئيس وحدة دراسات الأمن الإقليمي . حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومه في الدراسات الأفريقية، وماجستير العلوم السياسية من جامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى