كيف تؤثر زيارة ” السيسي” لـ “جيبوتى” على العلاقات الاقتصادية بين البلدين؟  

في زيارة تاريخية من نوعها، وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي صباح اليوم (27 مايو 2021) إلى جيبوتي، ليكون بذلك أول رئيس مصرى يزور هذه الدولة الأفريقية ذات البعد السياسى والاستراتيجى لمصر، حيث كان على رأس المستقبلين الرئيس ” إسماعيل عمر جيلة “،  فضلاً عن عدد كبير من كبار المسئولين الجيبوتيين .وجاءت تلك الزيارة فى توقيت هام ولحظات فارقة تمر بها العلاقات المصرية الأفريقية ومنطقة حوض النيل، فى ضوء ما تشهده عملية الملء الثانى لسد النهضة من خلافات وتوترات فى المنطقة، وأضرار متوقعة لدولتى المصب ( مصر والسودان). وقد ركز الرئيس عبد الفتاح السيسى من خلال تلك الزيارة على مختلف الملفات المتعلقة بالتعاون المشترك وسبل تعزيز العلاقات الثنائية، خاصةً على الصعيد الأمني والعسكري والاقتصادي.

تعاون متعدد وقضايا متنوعة:

ناقش الجانبان المصرى والجيبوتى خلال جلسة المباحثات، العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، ويتمثل أهمها فيما يلى :-

(*) دعم العلاقات الاقتصادية بين البلدين: حيث أشار الرئيس السيسى إلى اتفاقه مع جيبوتى على أهمية العمل المشترك نحو توفير الدعم اللازم لزيادة الاستثمارات المصرية في جيبوتي، وإتاحة المجال أمام الشركات المصرية للمساهمة في مشروعات البنية التحتية، إضافةً إلى تيسير نفاذ المزيد من الصادرات المصرية إلى السوق الجيبوتية، والمضي قدماً بافتتاح فرع لبنك مصر في جيبوتي. كما اتفقا على أهمية الإسراع بالإجراءات الخاصة بإنشاء المنطقة اللوجستية المصرية في جيبوتي خلال الفترة المقبلة، لتيسير تصدير مختلف البضائع المصرية، حيث أن تلك المنطقة ستكون بمثابة بوابة لتصدير المنتجات المصرية إلى جيبوتي ودول القرن الأفريقي الأخرى وشرق إفريقيا.

(*) من منطقة البحر الأحمر: تكمن الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر في موقعه الجغرافي الوسيط كرابط ما بين المحيط الهندي وبحر العرب من الجهة الجنوبية، والبحر الأبيض المتوسط من الجهة الشمالية عبر قناة السويس التي شكلت منذ إنشائها بعدًا استراتيجيًا هاما لمنطقة البحر الأحمر، كما أن للبحر الأحمر أهمية للأمن القومى العربى والإفريقى العالمى مركزها القرن الإفريقى، فهو يعتبر قناة وصل بين البحار والمحيطات المفتوحة؛ ومن هنا تزيد أهميته الاستراتيجية سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية أو الأمنية. وأكدت تلك الزيارة المصرية إلى جيبوتى على أهمية تعزيز التعاون في مجال النقل وربط الموانىء، ودعم التعاون بين هيئة موانئ جيبوتي وهيئة قناة السويس وذلك لتعظيم الاستفادة من الممر التجاري الذي يربط بين ميناء جيبوتي وقناة السويس عبر البحر الأحمر، وتحقيق المصالح المشتركة فى تحقيق الأمن والاستقرار في منطقتي القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

(*) التعاون فى المجال التنموى: حيث جرى التنسيق بين الجانبين لإنشاء مستشفى مصري في جيبوتي، فضلاً عن التعاون في مجال الاستزراع السمكي. فضلاً عن تكثيف التعاون في مجال بناء القدرات من خلال البرامج التدريبية التي تقدمها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية والتدريب للكوادر من جيبوتي في شتى المجالات المدنية والعسكرية، وما يعكسه ذلك من عمق العلاقات بين البلدين.

(*) استقرار منطقة القرن الأفريقى: من خلال مناقشة الأوضاع السياسية والأمنية في منطقة القرن الأفريقي، والحلول المختلفة لمواجهة مشكلة تنامي الإرهاب والتطرف والقرصنة، وبصفة خاصة الوضع في الصومال، وأهمية الاستمرار في دعم الحكومة الصومالية وتمكينها لمواجهة التنظيمات الإرهابية، والتعاون مع الأزهر الشريف في مواجهة الأفكار المتطرفة.

(*) قضية سد النهضة: حيث تم اتفاق البلدين حول حتمية التوصل لاتفاق عادل ومتوازن حول ملء وتشغيل سد النهضة في أقرب فرصة ممكنة، وبما يحقق مصالح الجميع، ويعزز من أواصر التعاون والتكامل بين بلدان وشعوب المنطقة. وشدد السيسي على رفض مصر لأي مسعى لفرض الأمر الواقع من خلال إجراءات أحادية، لا تراعي مصالح وحقوق دولتي المصب

(*) القضية الفلسطينية: من خلال تبادل الرؤى بشأن أبرز ما شهدته عملية وقف إطلاق النار فى غزة من مستجدات، حيث ثمن رئيس جيبوتى من الجهود المصرية التي أدت إلى التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة. وتم التوافق بين الرئيسين المصري والجيبوتي على أهمية الانخراط في مسار التسوية السياسية للوصول إلى حل عادل شامل ودائم وفقاً للمرجعيات الدولية.

 علاقات اقتصادية مرنة بين البلدين:

(&) العلاقات التجارية :

تتواجد كل من مصر وجيبوتى كأعضاء رئيسيين فى السوق المشتركة لدول الشرق والجنوب الأفريقي ( الكوميسا )، وبموجب هذه العضوية، هناك 14 دولة منها ( مصر وجيبوتى ) تطبق إعفاءً كاملاً من الجمارك (في إطار منطقة التجارة الحرة التابعة للكوميسا) على وارداتها من كافة السلع من باقي الدول الأعضاء؛ الأمر، الذى يسهم فى تعزيز العلاقات التجارية بين مصر وجيبوتى. كما يربط بين البلدين نحو سبع اتفاقيات ومذكرات تفاهم للتعاون تم توقيعها فى عام 2016، فى عدد من المجالات والقطاعات أهمها: مذكرة تفاهم بين البلدين لتصدير واستيراد وعبور المواشى واللحوم، واتفاق تعاون اقتصادى وفنى بين البلدين. وكل ذلك ساهم فى تحسين التجارة بين الجانبين، حيث ارتفع حجم التبادل التجارى بينهم ليسجل 48.01 مليون دولار خلال 2018، مقابل 37.99 مليون دولار خلال 2017، كما ارتفعت الصادرات المصرية إلى جيبوتى لتصل إلى 40.88 مليون دولار خلال عام  2018 ، مقابل 33.99 مليون دولار خلال 2017،  كذلك ارتفاع الواردات المصرية من جيبوتي لتسجل 7.13 مليون دولار خلال 2018 ، مقابل 3.99 مليون دولار خلال 2017. وفى عام 2020، بلغت صادرات مصر إلى جيبوتي 54.55 مليون دولار أمريكي وفقًا لقاعدة بيانات كومترايد التابعة للأمم المتحدة بشأن التجارة الدولية.

وتتمثل أهم الصادرات المصرية لجيبوتي في: المنسوجات والمواد الكيماوية والزجاج والصناعات الغذائية ومنتجات الألبان والحاصلات الزراعية والزيوت العطرية، وأهم الواردات من جيبوتي تتمثل في الحيوانات الحية والحديد.

(&) العلاقات الاستثمارية:

     لا يوجد إحصاء محدد بشأن حجم وقيمة الاستثمارات بين مصر وجيبوتي، حيث أن المشروعات الاستثمارية بين الجانبين مازالت فى مراحل التنفيذ ولم تقدر قيمتها بشكل كامل ونهائي. ومن أهم تلك الاستثمارات ما بدأته مجموعة ( شورى المصرية) من استثمارات مالية ومصرفية فى جيبوتي بافتتاح بنك شورى وبدء العمل به منذ 2010، ومن المقرر أن تصل قيمة استثمارات المجموعة فى جيبوتي 450 مليون دولار أمريكي بعد اكتمال إنشاء مصنعاً للأسمنت ومنتجعاً سياحيا .

كما تم الاتفاق على إنشاء محطات طاقة شمسية بتكنولوجيا الخلايا الفوتو فلطية للقرى النائية فى جيبوتي المتصلة بالشبكة وغير متصلة بالشبكة، فضلا عن المساعدة في تخطيط وتشغيل وصيانة أنظمة توليد ونقل وتوزيع الكهرباء وغيرها من مشاريع الطاقة التي من شأنها أن تُساهم في تخفيض تكاليف إنتاج الكهرباء فى جيبوتي. كما أن هناك فرص كبيرة لمشاركة شركات قطاع البترول المصري في تنفيذ المشروعات الجديدة المقرر إقامتها بجيبوتي في مجالات الغاز الطبيعي واللوجستيات، في ضوء الخبرات المتميزة التي تمتلكها.

وتأسيساً على ما سبق، يمكن القول إن التقارب بين مصر وجيبوتي أمر ليس بجديد، فهو ممتد منذ فترة زمنية طويلة بدأت منذ حصول جيبوتي على استقلالها سنة 1977، ولكن فى عهد الرئيس السيسى انتعشت تلك العلاقات بشكل ملحوظ فى ضوء الاهتمام المصرى بالقارة الأفريقية بشكل عام، ودول القرن الأفريقى وحوض النيل بشكل خاص. وقد جاءت زيارة مصر لجيبوتى لتحمل العديد من الرسائل بالغة الأهمية منها تحقيق التوافق الأفريقي حول الموقف المصرى تجاه سد النهضة، كما سعت مصر من خلال تلك الزيارة إلى بناء علاقات جيدة مع أحد أهم الدول المطلة على البحر الأحمر للحفاظ على الأمن القومي في مصر، بما في ذلك نهر النيل وقناة السويس. ومن المتوقع أن هذه القمة سيعقبها زيادة في التبادل التجاري بين مصر وجيبوتي وتسهيل نفاذ الصادرات المصرية لدول القرن الأفريقي، مع وجود فرصة كبيرة للحاصلات الزراعية المصرية لغزو الأسواق الجيبوتية؛ لاعتمادها الرئيسي على استيراد كافة احتياجاتها من المحاصيل الزراعية والصناعة من الخارج، إضافة إلى سهولة نقل السلع المصرية لجيبوتي لوقوعها على البحر الأحمر مباشرة وقربها الجغرافي من مصر لتستغرق عملية الشحن أيام قليلة، إضافة إلى إمكانية استخدام السوق الجيبوتية كممر لنفاذ الصادرات المصرية لأسواق الدول الأفريقية الأخرى .وذلك إضافة إلى زيادة الاستثمارات المصرية في جيبوتي، وتعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في مجالات النقل البحري  واللوجيستيات وبناء القدرات ونقل الخبرات.

د.جيهان عبد السلام

رئيس وحدة دراسات مصر -أستاذ مساعد الاقتصاد بجامعة القاهرة. -حاصلة على دكتوراه الاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا. -عضو هيئة تحكيم البحوث الاقتصادية لدى المركز الجامعي لترامنست. -عضو هيئة تحكيم لدى كلية الاقتصاد والإدارة وعلوم التيسير. -عضو هيئة تحكيم لدى جامعة الشهيد لخضر. -خبير اقتصادي وكاتبة في العديد من المجلات العلمية ومراكز الدراسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى