قراءة في تداعيات الاعتداء على غزة

اللواء. عبد الحميد العناني..مستشار مركز رع.

بعد إحدى عشر يوماً من القتال، وبعد انقشاع غبار المعارك وتلاشي رائحة البارود والدخان، يمكن تحليل المشهد المأزوم في فلسطين منذ أكتر من شهر. لقد بدأت الأزمة بتهجير 28 عائلة من أهالي بيت المقدس من منازلهم بحي الشيخ جراح، وهذا الفعل الإجرامي من قبل سلطة الاحتلال، قديم ومتجدد من عشرات السنين.

وبدون التطرق إلى التفاصيل، يمكن القول إن مستوطنون إسرائيليون قاموا بمهاجمة العائلات المقدسية، وطرهم من منازلهم فاغتصبوا بجوار المسجد الأقصى، فقامت قوات الشرطة الإسرائيلية بفض اعتصامهم واقتحام الحرم المقدسي. وعليه ما سبق ذكره اشتعلت الأمور، وبغدها بقليل بدأت حركة حماس برشق تل أبيب وباقي المدن الإسرائيلية بالصواريخ، لتنتقل بؤرة الأحداث من بيت المقدس إلى غزة التي ردت عليها إسرائيل بقصفها بالصواريخ الذكية وبالمدفعية بعيدة المدى (غزة يفصلها عن تل أبيب حوالي 70 كيلومتر فقط)، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه  لولا التحذير والإنذار المصري الحاسم والشديد اللهجة لتل أبيب (خط أحمر جديد) لقام الجيش الإسرائيلي باجتياح بري لقطاع غزة بأكمله.

بعد المرور السريع على مشهد بداية الأحداث وتأجيج الصراع، يبقى السؤال، وهو: من المسئول عن ما سبق ذكره من أحداث دموية، ومن هو الطرف السري في اشتعالها بقوة هذه المرة؟. في الحقيقة، يبدو أن طرفي الأزمة كانا بحاجة لهذا التصعيد، وفي هذا الوقت بالذات لتحقيق مصالح خاصة بكل طرف، من أهمها:

فنتنياهو؛ رئيس الوزراء المأزوم، كان بحاجة لنصر سياسي وعسكري كبير ليغطي بغبار معاركه على أزمته الداخلية التي جعلت منه رئيس وزراء تسيير أعمال من عام 2018، خاصة أنه أجرى عدة انتخابات إسرائيلية مبكرة على مدى ثلاث سنوات، وفي كل مرة كان حليفه الفشل في الحصول على أغلبية مريحة تضمن له تشكيل حكومة حزبية متجانسة، وأيضاً في كل انتخابات تجرى كان يتحايل على الوضع المذكور سابقاً، ويسعى إلى تشكيل حكومات ائتلافية هزيلة مع أحزاب الأقلية، لدرجة أنه في المرة الأخيرة اضطر للتحالف مع عرب 48 (أغلبهم يتبع جماعة الإخوان المسلمين).

إن مشكلة نتنياهو، لا تقتصر فقط في إبعاده عن السلطة، وغيابه عن المشهد السياسي، ولكن مشكلته الأكبر، أنه يتخوف من الفشل، خاصة وأنه في حالة فشله في العودة للسلطة ستوجه لهم  تهم عديدة تتعلق بالفساد، وتعتبر كفيلة بإحالة إلى السجن مدى الحياة، وعليه، أتصور أن اتجاه رئيس وزراء إسرائيل للتصعيد القوى هذه المرة كان بهدف الهروب إلى الأمام، ويرمي قنبلة دخان تعمي عيون منافسيه، وتضمن له البقاء في مقاعد السلطة الوثيرة حماية لنفسه من المحاكمة والسجن الدائم حسب تقديرات المراقبين للشأن الإسرائيلي.

أما الطرف الأخر في الأزمة– حماس- ، فقد كانت، الأخرى في أزمة تهدد وجودها، خاصة بعد الاتفاق على إجراء انتخابات فلسطينية في يونيو المقبل، وهو الاتفاق الذي تم برعاية مصرية خالصة. وبالتالي، يمكن القول إن الظروف التي سبقت الأزمة كانت ستقلص من فرص حماس في الانتخابات المقررة ، بما يعني إزاحتها من السلطة وفقدانها السيطرة على قطاع غزة ، وهو ما لم تسمح به” الحركة” تحت أي ظرف، لذلك جاءت الأزمة الأخيرة كطوق نجاة لها، فإما أن يتم تأجيل الانتخابات لأجل غير مسمى، بما يعني بقاء حماس في السلطة، أو يتم إجراء الانتخابات في موعدها، ووقتها ستجني حماس نتائج مبهرة تضمن لها البقاء في السلطة بعد أن ارتفعت شعبيتها في الداخل الفلسطيني بشكل غير مسبوق على وقع ضرباتها الصاروخية لتل أبيب.

وبالنظر للضربات الصاروخية، يمكن القول إن ضربات حماس هذه المرة كانت مؤثرة إلى حد كبير، فمرة تقصف مطار، وأخرى منشأة نفطية، ومرة مستودع وقود ، وأخرى ميناء ، ومرة محطة كهرباء، وهذا يعنى ويشير في الوقت نفسه إلى حدوث تغير نوعي في دقة التهديف، رغم الفارق الكبير في التسليح بينها وبين دولة الكيان، ورغم الفارق الكبير في عدد الضحايا من الجانبين لصالح إسرائيل بالطبع، وهو النجاح الذي دفع البعض للقول بأن “حماس” ربما تكون قد تلقت مساعدة تقنية من جهة ما خارجية.

المهم، ويجب لتأكيد عليه، وهو أن دخول مصر وبقوة على خط الأزمة أربك حسابات الجميع، خاصةً بعد وقف الهجوم البري على قطاع غزة بفضل التحذير المصري، وبعد عرض إعادة الإعمار المباغت الذي ألقى به الرئيس السيسي في وجه الجميع. وبالتالي يمكن القول أيضاً أنه  تحت الضغط المصري الشديد، وكذلك تحت ضغط الرأي العام الداخلي الإسرائيلي، اضطرت حكومة نتنياهو إلى قبول المبادرة المصرية، بوقف ثنائي وغير مشروط لإطلاق النار، بناءا على توصية الجهات الأمنية الإسرائيلية، ممثلة في رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي ورئيس الشاباك ورئيس الموساد ورئيس هيئة الأمن القومي الإسرائيلي.

وعلى ما سبق ذكره، أعلنت كتائب القسام (الجناح العسكري لحركة حماس)، وسرايا القدس (الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي) عن قبولهم للمقترح المصري بوقف إطلاق النار، ليخرج نتنياهو من تلك الأزمة بهزيمة سياسية كبيرة قد تطيح به للأبد وتذهب به لظلمات السجن، ولتخرج حركة حماس بنصر سياسي وإعلامي كبير سيضمن لها الفوز المريح في أي انتخابات برلمانية قريبة رغم الخسائر العسكرية وخسائر البنية التحتية الفادحة (غزة قد تحتاج أكثر من مليار دولار لإعادة الإعمار)، ولتخرج مصر بنصر سياسي ضخم يرسخ مكانتها في الإقليم ويؤكد للجميع أن مفاتيح تلك المنطقة موجودة في ميدالية مفاتيح إمام مصر المتغلب وزعيمها المتفرد عبد الفتاح السيسي، بدليل اتصال الرئيس الأمريكي جو بايدن به لأول مرة وإعرابه عن شكره وامتنانه للجهود والدور المصري في التوصل لهدنة واحتواء تصعيد الموقف في المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى