خطوة مفاجئة: هل ينتهي “كورونا” بعد دعم واشنطن التنازل عن حقوق براءات لقاحاته؟

أثار إعلان إدارة بايدن يوم 6 مايو الجاري، دعمه التنازل عن براءات اختراع لقاحات كوفيد-19، صدمة كبرى نظراً لأن الولايات المتحدة تعتبر من أشد المدافعين عن حقوق الملكية الفكرية على الساحة الدولية، حيث أكد الرئيس الأمريكي أن البيت الأبيض سوف يدعم اقتراح التنازل عن الملكية الفكرية لمنظمة التجارة العالمية.

وتأتي الخطوة الأمريكية في وقت ارتفعت فيه الإصابات بفيروس كورونا إلى أعلى مستوياتها في البلدان التي كافحت لشراء اللقاحات أو توزيعها، الأمر الذي سلط الضوء على التفاوت الشاسع في الحصول على لقاحات كوفيد-19 بين البلدان ذات الدخل المرتفع والبلدان منخفضة الدخل.

فوفقًا لبيانات اليونيسف، تمتلك الدول ذات الدخل المرتفع والمتوسط 86 ٪ من جرعات لقاحات كوفيد-19، في حين تمتلك الدول ذات الدخل المنخفض 1 ٪ فقط من الجرعات، وفي سياق ذلك يحاول هذا التحليل تسليط الضوء على حدود قرار تنازل الولايات المتحدة عن حقوق براءات الاختراع، لاسيما في ظل جهود لوبي صناعة الأدوية الكبرى من أجل الحفاظ على ملكية براءات اختراع لقاحات كوفيد-19 وانقسام الموقف الأوروبي حيال ذلك القرار في ظل وجود معارضة ألمانية شرسة، وحدود تأثيره في تسريع وتيرة صنع وتوزيع اللقاحات للدول الأكثر احتياجاً.

ما الذي وافقت إدارة بادين على دعمه؟:

واجهت الدول الأكثر ثراءً وعلى رأسها الولايات المتحدة ضغوطًا من أجل دعم  مبادرات التنازل عن حقوق براءات اختراع لقاحات كوفيد-19، على النحو التالي:

(*) اقتراح الهند وجنوب أفريقيا: في أكتوبر الماضي، خوفًا من أن تهيمن الدول الغنية على تصنيع لقاحات كوفيد-19، قدمت الهند وجنوب إفريقيا اقتراحًا في منظمة التجارة العالمية للتنازل عن براءات الاختراع الخاصة بلقاحات كوفيد- 19 وغيرها من التقنيات، وذلك بموجب الاتفاق حول الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية المعروف باسم “اتفاق تريبس”، وقد أيد الاقتراح أكثر من 100 دولة، لكنه واجه معارضة من قبل الدول الأكثر ثراءً التي تتواجد بها مقرات كبرى شركات الأدوية بما في ذلك المملكة المتحدة وكندا وأستراليا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

(*) الولايات المتحدة تتخذ مساراً مختلفاً: في السادس من مايو الجاري، أشارت ممثلة التجارة الأمريكية كاثرين تاي في بيان إلى أن إن واشنطن، سوف التنازل عن براءات اختراع  لقاحات كوفيد-19″، ولكن ليس على العلاجات أو التكنولوجيا الأخرى المستخدمة لمكافحة المرض، و بالتالي إذا تم تبني التنازل من قبل منظمة التجارة العالمية، سيتيح ذلك صناعة اللقاح للشركات في جميع أنحاء العالم دون الاضطرار إلى شراءها من الشركات الكبرى المصنعة، و دون خوف من أن تتم مقاضاتها من قبل كيان آخر لديه بالفعل براءة اختراع على المنتج.

موقف لوبي صناعة الأدوية:

انتقدت شركات صناعة الأدوية تلك الخطوة بحجة أن المشكلة تكمن في توفير المواد الخام وسلاسل التوريد المزدحمة ونقص الخبرة الفنية التي تحد من عدد جرعات اللقاح، وليس الملكية الفكرية، ويمكن تسليط الضوء على تحركات تلك الشركات في النقاط التالية:

(&) التشكيك في جدوى هذه الخطوة: دعمت شركات الأدوية الكبرى موقفها المعارض من خلال ثلاثة حجج، حيث أفادت الحجة الأولى، بأن التنازل عن براءات اللقاحات لن يسرع الإنتاج، على سبيل المثال أفاد رئيس الاتحاد الدولي لرابطات منتجي الأدوية “توماس كويني”، أن التنازل عن براءات اختراع لقاحات كورونا لن يؤدي إلى زيادة الإنتاج، ولن يوفر الحلول العملية اللازمة لمحاربة هذه الأزمة الصحية العالمية. كذلك أكد الرئيس والمدير التنفيذي للبحوث الصيدلانية ومصنعي أمريكا “ستيفن أوبل”، على أن هذا القرار لا يفعل شيئًا لمعالجة التحديات الحقيقية للحصول على المزيد من الجرعات، بما في ذلك الحواجز الجمركية والتوافر المحدود للمواد الأولية.  وتتمثل الحجة الثانية في أن هذه الخطوة تقوض الابتكار، نظراً لأن حقوق براءات الاختراع ضرورية لتحفيز الابتكار والاستثمار الذي يؤدي إلى منتجات جديدة، على سبيل المثال شركات مثل Pfizer و Moderna بحثت وطوّرت هذه اللقاحات في وقت قياسي، والتي عادة ما يستغرق تطويرها من خمس إلى عشر سنوات، لكنهم فعلوا ذلك في غضون بضعة أشهر، ومن أجل هذا الجهد يجب أن يكونوا قادرين على التمسك بملكيتهم الفكرية و نقل التكنولوجيا يجب ألا يتم فرضه. أما الحجة الثالثة، فقد تمثلت في أن الشركات قد شاركت بالفعل التكنولوجيا مع شركاء مؤهلين في جميع أنحاء العالم، ويمكن أن تنتج مليارات اللقاحات هذا العام – وهو ما يكفي لتطعيم العالم، إذا ساعدتهم الحكومات على تخفيف الحواجز التجارية وإزالة ضوابط التصدير على المكونات الخام المطلوبة لإنتاج الجرعات، كما إن الدول الغنية تخزن أيضًا اللقاحات ، وإذا وافقت على مشاركتها بشكل أكثر إنصافًا ، فستكون الأزمة أقل حدة.

(&) ممارسة الضغوط على حكومة بايدن: وفقاً لتقرير صادر عن موقع Intercept بتاريخ 24 أبريل ، حاول أكثر من 100 من جماعات الضغط في مجال الأدوية التي تمثل شركات كبرى مثل فايزر وجونسون وجونسون وأسترا زينيكا- جمع التوقيعات من المشرعين لحمل الرئيس الأمريكي جو بايدن على عكس سياسته، كما تم مؤخرا توجيه رسالة تحذيرية إلى رئيس الولايات المتحدة، مفاداها أن تقاسم الخبرة في مجال اللقاحات سيقلص الوظائف الأمريكية، وسيسمح للصين بالاستفادة من “الابتكار الأمريكي وابتلاع إمدادات اللقاح والتكنولوجيا”، كما وصفت الرسالة التنازل بأنه تهديد للأمن القومي.

موقف أوروبي منقسم:

أثار قرار بايدن حفيظة الاتحاد الأوروبي ونتج عنه استجابة فاترة من قبل بعض الدول الأعضاء في مقابل ترحيب دول أخرى، على النحو التالي:

  • تردد داخل أروقة الاتحاد الأوروبي: أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، على أن “الاتحاد الأوروبي مستعد أيضًا لمناقشة أي مقترحات تعالج الأزمة بطريقة فعالة وعملية، لكن في السياق ذاته أكد فالديس دومبروفسكيس، نائب الرئيس التنفيذي للمفوضية الأوروبية، أنه يتعين على أعضاء منظمة التجارة العالمية استخدام القواعد الحالية لتسهيل مشاركة الملكية الفكرية لفيروسات كورونا، بدلاً من توسيع قدرة الحكومات على تجاوز براءات الاختراع ، على النحو الذي اقترحته الولايات المتحدة.
  • تحفط ألماني: أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بعد قمة لزعماء الاتحاد الأوروبي استمرت يومين في بورتو بالبرتغال، على أن تعليق براءات حقوق الملكية الفكرية ليس حلاً لنقص الإمدادات، لكن بدلاً من ذلك لابد من التركيز على زيادة الإنتاج، وأشارت إلى أنه مع تلقي جزء كبير من سكان الولايات المتحدة الآن اللقاح، قد يكون الوقت قد حان لواشنطن لزيادة التدفق الدولي لكل من مكونات اللقاح والمنتجات النهائية.
  • انفتاح فرنسي: غير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موقفه، مشيراً إلى أنه يؤيد المقترح الأمريكي من خلال تطبيق تعليق محدود، لكنه أكد على أن الإجراءات الأخرى ستساعد في إنتاج المزيد من اللقاحات على المدى القصير، وفي سياق ذلك دعا الولايات المتحدة إلى إنهاء حظر التصدير ليس فقط على اللقاحات، ولكن على مكونات تلك اللقاحات.
  • ترحيب إيطالي: اتفق رئيس الوزراء الايطالي “ماريو دراجي”، مع الرئيس الأمريكي جو بايدن على أهمية التنازل عن براءات الاختراع، لكنه شدد على أنه لا ينبغي عدم تحفيز البحث والتطوير، مؤكداً أنه يجيب قبل التفكير في التنازل عن براءات اختراع اللقاح، إزالة حظر تصدير الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وتعزيز الإنتاج، والإسراع في تحرير صادرات اللقاحات إلى جانب التفكير في تحرير براءات الاختراع.

خلاصة القول، على الرغم من إيجابية خطوة الولايات المتحدة بالتنازل عن براءات اختراع لقاحات كوفيد-19، إلا أنها تنطوي على تنازل ضيق لن يفي بمقتضيات الجائحة التي تواجهها دول العالم، نظراً لأن واشنطن لا تزال تواصل منع تصدير المواد الخام التي تشتد الحاجة إليها بموجب قانون الإنتاج الدفاعي، الذي يمنح صانعي اللقاحات الأمريكيين أولوية الوصول إلى المواد والمعدات المتخصصة، بينما تحتاج البلدان الأفقر إلى الوصول إلى المواد المطلوبة لصنع اللقاحات، وقد اتضح حجم هذه المشكلة في الهند حيث أعرب أدار بوناوالا، الرئيس التنفيذي لشركة معهد مصل الهند ” سيروم” أكبر منتج للقاحات في العالم، عن مخاوفه بشأن نقص في المواد الخام نتيجة الحظر الأمريكي على تصدير المواد الخام إلى دول أخرى، بالإضافة إلى التنازل الضيق الذي أعلنت عنه إدارة بايدن، تشكل معارضة ألمانيا عقبة أساسية أمام خطوة تعليق حقوق الملكية الفكرية للقاحات.

لكن في غضون ذلك يمكن توصيف الدافع الحقيقي وراء قرار إدارة بايدن، انطلاقاً من رغبة واشنطن في توفير طريقًا خلفيًا لتحسين المكانة الجيوسياسية الأمريكية في الخارج، بالنظر إلى الدور الرئيسي الذي أصبحت تلعبه دبلوماسية اللقاحات في سلسلة المنافسة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين، وإلى حد ما روسيا ولقاح سبوتنيك الخاص بها، وبالتالي تستهدف هذه الخطوة تقويض الجهود الصينية لنشر لقاحها والتأثير على مستوى العالم، خاصة بين حلفاء وشركاء الولايات المتحدة مثل الهند.

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية، الرئيس السابق لبرنامج الدراسات الأمريكية، باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى