هل ينجح المشروع الأوروبي “بيسكو” في الاستقلالية الدفاعية؟

مثلت فكرة بناء جيش أوروبي موحد وقوي، حلماً للرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول، وعليها جاءت قمة سانت مالو بين فرنسا وبريطانيا في ديسمبر 1998  كخطوة أولى هامة في المشروع الأوروبي الجديد (“بيسكو- PESCO”)، حيث تمثلت نتائجها(سانت مالو) في إعادة التأكيد على دور الاتحاد الأوروبي على الساحة الدولية، وضرورة إحراز التقدم باتجاه الدفاع الأوروبي وامتلاك قدرة مستقلة وقوات عسكرية يعتمد عليها والقدرة على استخدام الإمكانات العسكرية داخل وخارج حلف الناتو، إلا أن وجود بعض من العراقيل قد أعاق تحقيق هذا المشروع، منها على سبيل المثال، ضم روسيا لشبه جزيرة القرم من أوكرانيا بالقوة عام 2014، والنزاع شرقي أوكرانيا، وأزمة منطقة اليورو وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وصعود الأحزاب الشعبوية المعادية لأوروبا نفسها، فضلًا عن مشاكل الهجرة والإرهاب.

 لكن نجاح كلا من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا في اتفاقهما التاريخي “بريكست”، الذي يؤطر علاقتهما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بصورة نهائية- كان كفيلاً بإعادة الفكرة إلى الواجهة مرة أخرى، وطرح الآراء الداعية بضرورة العمل بصورة جدية على تقوية ودعم القدرات الدفاعية للاتحاد الأوربي والتنسيق فيما بينها دون الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى بناء هياكل أمنية جديدة يمكن أن تكون موازية ومشابهة لحلف شمال الأطلسي ( الناتو).

ومن هنا أصبح المشروع الأوروبي واقعي متمثل في اتفاقية التعاون الهيكلي الدائم في الأمن والدفاع “بيسكو- PESCO”، لكن يبقى السؤال الأهم، الذي يطرحه التحليل، وهو: هل سيتمكن المشروع الأوروبي من تشكيل تحالف دفاعي وأمني مواز ومشابه لحلف الناتو يكون قادر على تحقيق الاستقلالية الدفاعية، أم انه سيظل في إطار كونه مكملاً لمهام حلف الناتو بشكل فعلي على ارض الواقع؟.

مضمون المشروع والأطراف الموقعة عليه:

قامت 23 دولة عضو بالاتحاد الأوروبي، وهم: (النمسا، وبلجيكا، وبلغاريا، والتشيك، وكرواتيا، وإستونيا، وفنلندا، وفرنسا، وألمانيا، واليونان، والمجر، وإيطاليا، ولاتفيا، ليتوانيا، ولوكسمبورغ، وهولندا، وبولندا، ورومانيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، وإسبانيا، وأيرلندا، والبرتغال)، في نوفمبر 2017 بالتوقيع الرسمي في العاصمة البلجيكية بروكسل على “اتفاقية مشتركة للتعاون الدفاعي الدائم” “التعاون الهيكلي الدائم في الأمن والدفاع “بيسكو- PESCO””، والتزامها بتعاون أمنى ودفاعي استراتيجي طويل المدى ودائم، مما يؤدي إلى خلق فكرة “اتحاد دفاع أوروبي مشترك”، وبالتالي يتيح للدول الأوروبية الموقعة التعاون بشكل أوثق لبناء القدرات الأمنية والعسكرية.

وفي هذا السياق، يتمثل الهدف من الاتفاقية في تحقيق العديد من الأهداف والأولويات الأوروبية المشتركة، منها تمويل تطوير القدرات العسكرية المسلحة، ذلك في محاولة للوصول إلى تكامل دفاعي أوروبي ولتدعيم وحدة الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا منه، كما يتيح للدول الموقعة على الاتفاقية مبادرة مشتركة تهدف إلى إعطاء الاتحاد دورا أكثر تماسكا في التعامل مع الأزمات الدولية والإقليمية على كافة الأصعدة، بالإضافة إلى إلزام دول الاتحاد نفسها بمشروعات مشتركة مع زيادة تعهداتها في مجالات الإنفاق الدفاعي والمساهمة في مهمات الانتشار السريع، إضافة إلى إنشاء مقر للقوة العسكرية الموحدة المقترحة في كل دولة من الدول الموقعة على اتفاقية “بيسكو”.

ووهنا تجد الإشارة إلى هناك بعض الدول الأوروبية لم توقع على الاتفاقية حتى الآن، وهي: بريطانيا، التي كانت تقوم باستكمال إجراءات خروجها الرسمية والنهائية للاتحاد الأوروبي عام 2019، فضلًا عن مالطا والدنمارك، حيث أعلنت الدنمارك، وبشكل رسمي رفضها للمشروع بشكل كامل. وقد أكدت فيديريكا موغريني”، الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، في تصريحات صحفية، أن “الباب مفتوحًا أمام هذه الدول في حال عدولها عن قرارها برفض الانضمام إلى الاتفاقية، التي تهدف حسب تصريحاتها إلى تعزيز الاستقلال الاستراتيجي ومساعدة دول الاتحاد على مواجهة التحديات الأمنية المختلفة”، كما أكدت أيضًا على أن هذه الاتفاقية لن تقوم بإلغاء دور حلف الناتو بل ستكون مكملة وداعمة لمهام الحلف، لا سيما فيما يتعلق بامتلاك أدوات مكافحة الحرب الهجينة والتي تقع بين الأسلحة التقليدية وتلك المتعلقة بالهجمات السيبرانية والإلكترونية.

أهداف مؤثرة ومرحلة جديدة:

تتمثل أهم أهداف مشروع “اتفاقية مشتركة للتعاون الدفاعي الدائم” “التعاون الهيكلي الدائم في الأمن والدفاع “بيسكو-، فيما يلي: (*) تطوير المعدات والأجهزة الدفاعية والعسكرية عبر مشاريع أوربية مشتركة. (*) ضخ 2% من ميزانيات 23 جيش تابع لدول أوربية من التي وقعت على الاتفاقية في البحوث والدراسات المتعلقة بالشؤون الأمنية والدفاعية والتكنولوجيا العسكرية. (*) إنشاء صندوق أوروبي لتحفيز الصناعات العسكرية المشتركة برأسمال 5.5 مليار يورو. (*) تعزيز جاهزية القوات الأوروبية عبر مهام وواجبات عسكرية مشتركة. (*) زيادة الإنفاق  العسكري الأوربي بالتدريج وبعملية منظمة.

وعلى ما سبق، يمكن أن هذه الاتفاقية تمثل مرحلة جديدة في مجالات الدفاع والأمن الإقليمية، خاصة وأنها تأتي للإعلان عن بدأ مرحلة جديدة تقوم فيها الدول الأوروبية بالتركيز على تكثيف عملية التعاون الوثيق فيما بينها في مجالات الأمن والدفاع، وزيادة الاستثمارات في هذا الاتجاه، بالإضافة إلى المساهمة وبشكل كبير في تطوير القدرات الدفاعية لدول الاتحاد كافة، والاستمرار نحو تحقيق المزيد من التكامل وتعزيز التعاون الدفاعي في الإطار الأوروبي لتوفير امن واستقرار أكبر لمواطنيها، في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية.

حدود تهديد “بيسكو” على حلف شمال الأطلسي “الناتو” وتقسيم أوروبا:

بالرغم من التأكيدات والإشارات التي أطلقها أكثر من عضو مؤثر في الاتحاد الأوروبي من خلال تصريحاتهم بأن اتفاقية  “بيسكو” لن يكون لها تأثيراً جوهريًا على مجمل العلاقة مع حلف الناتو بل سيكون تأثيرها تكميليا لعمل الحلف، الذي يضم في عضويته 22 دولة من أعضاء الاتحاد الأوروبي، وأن الهدف من الاتفاق  يتلخص بوضع سياسة أوروبية دفاعية أكثر إلزاما من دون تشكيل جيش أوروبي- إلا أن هناك بعض من التصريحات التي تشير إلى أبعد من ذلك، منها، التصريحات التي أدلت بها المستشارة الألمانية ميركل، والتي أثارت الكثير من علامات الاستفهام، حيث قالت إن “الأيام التي كان يتم اعتماد دول أوروبا على بعضهم البعض قد انتهت وعلى أوروبا أن تأخذ مصيرها بيدها”، فضلا عن تصريحات أخرى أدلت بها وزيرة الدفاع الألمانية “أورسلا فان درلين” والتي قامت بوصف توقيع الاتفاق، بأنه يوم عظيم لأوروبا وأنه، يمثل تأسيس لاتحاد أوربي للأمن والدفاع، الأمر الذي يمكن أن يساعد ألمانيا والبلدان الأوروبية حل المشاكل التي تواجهها بمفردها”، وهو ما يعد مواقف جديدة لم تطرح من قبل.

وفي سياق متصل، وافق مجلس دفاع الاتحاد الأوروبي يوم 6 مايو الجاري، على مشاركة الولايات المتحدة وكندا والنرويج في مشروع PESCO للتنقل العسكري، حيث ستساهم خبراتهم في تطوير المشروع، وفي تحسين التنقل العسكري داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه، وفي هذا الإطار قد صرح “جوزيب بوريل”، الممثل الأعلى للمفوضية الأوروبية، قائلاً إن “هذا مجال له أولوية مشتركة ومصالح مشتركة في العلاقات عبر الأطلسي، وجعل دفاع الاتحاد الأوروبي أكثر كفاءة، فضلًا عن المساهمة في تعزيز الأمن”، كما أكد على أن قرارات المجلس تستوفي الشروط العامة المنصوص عليها في القرار 2020/1639 الصادر في نوفمبر 2020، حيث يعد هذا المشروع منصة استراتيجية تتيح التنقل السريع والسلس للأفراد والأصول العسكرية في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، سواء عن طريق السكك الحديدية أو البر أو الجو أو البحر، وهذا مهم لأمن الاتحاد الأوروبي والدفاع، واستعداده ومرونته، وكذلك لمهام وعمليات الاتحاد الأوروبي.

سيناريوهات مطروحة:

تأسيساً على ما سبق، ووفقا لمضمون المشروع وأهدافه المعلنة، وحدود تهديده على حلف شمال الأطلسي “الناتو” وتقسيم أوروبا، يمكن طرح عدة سيناريوهات حول المسارات المحتمل أن يتخذها هذا المشروع، وهي:

(&) يتمثل السيناريو الأول، في بناء جيش أوروبي موحد يعمل بمعزل عن حلف الناتو، يتولى مهام حماية الدول الأوروبية، ويتم تمويله من ميزانيات الدول المنضمة إليه،  بالإضافة إلى زيادة حصص الدول الأوروبية المتعلقة بالجانب الدفاعي، ليشكل بداية عهد جديد يتم فيه الاستغناء عن الدور الذي يلعبه حلف الناتو، بالإضافة إلى العمل بالتدريج على تجاوز كل أشكال القصور في تعامل الأوروبيين مع أمنهم القومي، ويقلل في الوقت نفسه من اعتمادهم على الولايات المتحدة في مسائل الأمن والدفاع.

لكن هناك ما يعرقل تحقيق هذا السيناريو خاصة فيما يتعلق زيادة حصص الدول الأوروبية المتعلقة بالجانب الدفاعي- وهو ما تم رفضه من قبل لدول الأوروبية في وقت سابق عندما تم طرح الموضوع من قبل الرئيس الأمريكي “دونالد ترمب”.

(&) يتمثل السيناريو الثاني، في حصر مهام اتفاقية “بيسكو” باعتبارها مكملة وداعمة لحلف الناتو، وهو السيناريو الأقرب للتحقيق خاصة في ظل تصريحات مسئولي دول وحكومات الاتحاد الأوروبي _وهو ما تم الإشارة إليه سابقًا_ بأن هذه الاتفاقية مكملة لمهام حلف الناتو، حيث أنه _الناتو_ كان وسيبقى دائما حجر الزاوية في الأمن الأوروبي.

نداء السيد حسن محمد

نائب رئيس وحدة دراسات الأمن الإقليمي . حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومه في الدراسات الأفريقية، وماجستير العلوم السياسية من جامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى