أي دور للمحكمة الجنائية الدولية في حماية ضحايا النزاعات المسلحة؟

د. محمد بدرت بدير.. خبير في الشئون الأمنية

إذا كان اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية أو أي نظام عدالة دولي لا يوقف النزاعات المستقبلية، إلا أنه سوف يحمي ضحايا الجرائم الدولية ويذكرنا والأجيال القادمة بضحايا محرضي ومرتكبي الجرائم، وخير توضيح لذلك ما قاله الفيلسوف الإسباني “جورج سانتَيانا” إذا لم نسجل دروس الماضي الأليمة ونتعلم منها فإنه لمحكوم علينا أن نكرر أخطاءنا، فعلى من يستطيع أن يتكلم ناقداً القصور في العمليات السياسية والقانونية التي ظهرت في الماضي، مما يخدم العدالة كما يجب أن تكون عليها في المستقبل.

ونتناول من خلال هذا التحليل أبرز المحاكم والمحاكمات الدولية، ونسلط الضوء على المحكمة الجنائية الدولية منذ تأسيسها في عام 2002م، وأبرز اختصاصاتها من الناحية الموضوعية، والإقليمية، والزمانية، وكذا من حيث تحريك الدعوى.

المحاكم والمحاكمات الدولية:

إن تاريخ وسجل هيئات التحقيق والمحاكم الجنائية الدولية منذ صدور معاهدة فرساي وحتى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا لأبرز دليل على حاجة المجتمع الدولي إلى إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة.

ففي خلال الفترة ما بين عامي 1919 و 1994م، أنشئت خمس لجان تحقيق دولية خاصة، وعقدت ثلاث محاكمات وطنية مفوضة دولياً، وأربع محاكم جنائية دولية خاصة، وهم كالآتي :

  • المحكمة العسكرية الدولية لمحاكمة كبار مجرمي الحرب علي الساحة الأوروبية (في نورمبرج عام 1945م)، لمحاكمة قادة النظام النازي عما إرتكبوه من فظائع بحق الإنسانية في أوروبا.
  • المحكمة العسكـرية الـدولية لمحـاكمة كبار مجرمي الحرب في الشـرق الأقصى (لعام 1946م بطوكيو)، وقد تم استدعاء جميع العسكريين اليابانيين، وقد تم حكم المدانين ما بين السجن لسنوات وحكم الإعدام، وأشرف على المحكمة العسكرية من دول بلدان معادية للمحور.
  • المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة (عام 1993م)، وذلك لمحاكمة الأشخاص المسئولين عن الإنتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والتي ارتكبت في يوغسلافيا السابقة منذ عام 1991م، والتي عرفت تاريخياً بأسم مجازر ميلوسوفيتش.
  • المحكمة الجنائية الدولية لرواندا (عام 1994م)، وعلي الرغم من أن طبيعة النزاع في رواندا كان حرباً أهلية، إلا إنها دخلت ضمن الإنتهاكات المنصوص عليها بالمادة الثالثة من إتفاقية جنيف لعام 1949م، والبروتوكول الإضافي الثاني، حيث تعرض 800.000 شخص للإبادة الجماعية خلال فترة لا تتجاوز 100 يوم، وتعرضت مئات الآلاف من النساء للاغتصاب.

ولقد كان الهدف المعلن من إنشاء تلك المحاكم هو تحقيق العدالة بإتباع إجراءات ووسائل مستقلة ومؤثرة وعادلة، إلا أن ذلك نادراً ما حدث فقد كان إنشاء وإدارة تلك الهيئات خاضعاً لأهداف الواقع السياسي ومدفوعة باعتبارات الإنتقام.([i])

وهو الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى بذل جهود مضنية في الفترة من 1946 إلى 1998م، لتقنين بعض الجرائم الدولية وإنشاء محكمة جنائية دولية دائمة، وفي عام 1947م كلفت الجمعية العامة للأمم المتحدة اللجنة المعنية بتقنين القانون الدولي (لجنة القانون الدولي سابقاً) بصياغة تقنين عام للانتهاكات الموجهة ضد السلام وأمن البشرية.

إلا أن هذه الجهود ظلت مشتتة ومنفصلة، وذلك لوجود الحرب الباردة في تلك الفترة، وأدى ذلك إلى عراقيل سياسية وعرقلة إجراءات تقنين الجرائم الدولية، بيد أن تلك الإجراءات إستعادت حيويتها بعد مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد عام 1990م، حيث طالبت المنظمات غير الحكومية بضرورة الإسراع في إنشاء المحكمة، واستجاب الأمين العام وقررت الجمعية العامة تشكيل لجنة خاصة بإنشاء محكمة جنائية بالتعاون مع لجنة خبراء من المنظمات غير الحكومية بغرض إعداد مشروع نظام أساسي للمحكمة، وتم الإنتهاء من إعداد المشروع في عام 1994م، ودعا الأمين العام دول العالم إلى مؤتمر دبلوماسي لإقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة في العاصمة الإيطالية روما عام 1998م.

لقد شارك في أعمال مؤتمر روما الدبلوماسي وفود تمثل (160 دولة، 31 منظمة دولية، 136 منظمة غير دولية بصفة أعضاء مرافقين)، وصدر عن هذا المؤتمر النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والبيان الختامي وستة قرارات أخرى، وصوت على النظام الأساسي 120 دولة.، وفي التالي نتطرق إلى نظام تأسيس المحكمة الجنائية الدولية، على النحو التالي:

(*) تأسيس المحكمة الجنائية الدولية: تأسست المحكمة الجنائية الدولية سنة 2002م، ومقرها في لاهاي بهولندا، وهي أول هيئة قضائية دولية تحظى بولاية عالمية، وتختلف عن كل المحاكم السابقة (والتي كان إختصاصها يقتصر على جرائم وقعت في فترات ومناطق محددة)، بينما المحكمة الجنائية الدولية آلية قضائية دولية دائمة لنظر الجرائم التي تشكل خطورة على الجنس البشري، تلك الجرائم التي يعتبر مرتكبوها مسئولين مسئولية جنائية دولية، ولو كانوا مجرد أفراد عاديين، أو كانوا مسئولين ذوي حصانات.

وتعد المحكمة الجنائية هيئة مستقلة عن الأمم المتحدة، من حيث الموظيفين والتمويل، وقد تم وضع إتفاق بين المنظمتين يحكم طريقة تعاملهما مع بعضهما من الناحية القانونية.

(*) اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية: نتناول فيما يلي بعض اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية، وذلك من الناحية الموضوعية، والإقليمية، والزمانية، وتحريك الدعوى، على النحو التالي:

(&) الاختصاص الأول: من الناحية الموضوعية: إن السمة الرئيسية لهذه المحكمة تتمثل في أن اختصاصها هو اختصاص تكميلي للاختصاص الجنائي الوطني (الفقرة 10 من الديباجة -المادة 1)([ii])، بحيث لا تستطيع المحكمة الجنائية الدولية ممارسة اختصاصها إلا في حالتين فقط وهما: الأولي: عند انهيار النظام القضائي الوطني. أما الثانية: عند رفض أو فشل النظام القضائي الوطني في القيام بإلتزاماته القانونية.

وعلى ذلك فإن نظام المحكمة يقوم على مبدأ أساسي وهو التزام الدول المنضمة لنظام المحكمة بممارسة اختصاصها القضائي في تعقب ومساءلة مرتكبي الجرائم التي سنتناولها فيما بعد، بحيث تكون المحكمة الجنائية الدولية هي الملجأ الأخير الذي تحتمي به العدالة إذا ما فشلت الدولة المعنية في ممارسة الاختصاص الذي تفرضه عليها أولى اعتبارات العدالة تجاه جرائم من الجسامة بحيث يتجاوز الاحساس بها المجتمع الوطني، فيهتز لها المجتمع الدولي.

وأيضاً يعد اختصاص المحكمة الجنائية الدولية اختصاصاً محدوداً، بمعنى أنه يقتصر على تلك الجرائم المنصوص عليها، فلا يتجاوزها إلى غيرها مما قد يعتبر أفعالاً مؤثمة بالتطبيق لأحكام إتفاقيات أخرى أو لأعراف دولية.

أنواع الجرائم التي تختص المحكمة الجنائية الدولية بنظرها:

تعرض النظام الأساسي للمحكمة لبيان أنواع الجرائم التي تختص بها، فأورد في المادة “5” أن يقتصر اختصاص المحكمة على أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره، وللمحكمة بموجب هذا النظام الأساسي اختصاص النظر في الجرائم التالية:

أ) الإبادة الجماعية: نصت المادة (6) من النظام الأساسي على أن الإبادة الجماعية تعني أي فعل من الأفعال التي متى ارتكبت بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه تمثل إهلاكاً كلياً أو جزئياً([iii])، ومن أمثلتها: قتل أفراد الجماعة، وإلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة.

ب) الجرائم ضد الإنسانية: نصت المادة (7) من النظام الأساسي علي أن أي فعل من الأفعال التالية “جريمة ضد الإنسانية” متى ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم، ومن أمثلتها: القتل العمد، والاسترقاق، والسجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي، فضلاً عن الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء ، أو الحمل القسري، أو التعقيم القسري، أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي على مثل هذه الدرجة من الخطورة، والإختفاء القسري للأشخاص. ([iv])

ج) جرائم العدوان: يعني العمل العدواني -إعمالاً للنظام الأساسي للمحكمة –قيام القوات المسلحة لدولة ما بالغزو أو الهجوم على إقليم دولة أخرى أو الاحتلال العسكري، ولو كان مؤقتاً، أو ضم لإقليم دولة أخرى أو لجزء منه باستعمال القوة، أو ضرب حصار على مواني دولة أو سواحلها من جانب القوات المسلحة لدولة أخرى، أو بأي طريقة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة.

د) جرائم الحرب: نصت المادة (8) من النظام الأساسي على أن يكون للمحكمة اختصاص فيما يتعلق بجرائم الحرب، ومن أمثلتها([v])، القتل العمد، والتعذيب أو المعاملة اللآ إنسانية، بما في ذلك إجراء تجارب بيولوجية، وأخذ رهائن، والهجوم على المدنيين، واستخدام الرصاص المحظور، وتجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر إلزامياً أو طوعياً في القوات المسلحة، وغير ذلك من الوسائل التي تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة.

اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية:

(*) الاختصاص من الناحية الإقليمية: يقوم اختصاص المحكمة الجنائية الدولية على مبدأ الاختصاص الإقليمي، وليس على أساس نظرية عالمية الاختصاص الجنائي، فقد حاولت الكثير من الدول -خلال مفاوضات نظام روما -جعل المحكمة ذات سلطة عالمية، لكن هذا الإقتراح فشل بسبب معارضة الولايات المتحدة، وتم التوصل إلى تفاهم يقضي بممارسة المحكمة لسلطتها فقط ضمن الظروف المحدودة التالية:

  1. إذا إرتكبت الجريمة محل الإتهام في إقليم دولة طرف (المادة 12/2).
  2. إذا كان الشخص المتهم بالجريمة مواطناً لإحدى الدول الأعضاء في المحكمة (المادة 12/2).
  3. عندما توافق دولة ليست طرفاً على اختصاص المحكمة وتكون الجريمة قد ارتكبت في إقليم هذه الدولة أو يكون المتهم أحد رعاياها (المادة12/3).

(*) الاختصاص من الناحية الزمانية: إن اخْتِصاص المحكمة الجنائية الدولية مستقبلي فقط [ المادتان 11، 42(1) ]، ولذلك لا يسري اختصاصها على الجرائم التي ارتكبت قبل سريان المعاهدة، وفيما يتعلق بالدول التي تنضم إلى المعاهدة فإن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ينطبق فقط على الجرائم التي ترتكب بعد انضمام الدولة.

(*) الاختصاص من حيث تحريك الدعوى: تمـارس المحكمة الجنائية الـدولية اختصاصها بشأن إرتكاب جريمة أو أكثر من الموضحة بالنظام الأساسي، وذلك بإحدى وسيلتين:

الوسيلة الأولي: ويطلق عليها إحالة “الحالة”، حيث تحال للمدعي العام عن طريق الآتي:

  1. الدولة الطرف (المادة 13 ب ، 14 ).
  2. مجلس الأمن (المادة 13 ب ، ج ).
  3. الدولة غير الطرف (المادة 12 / 3 ).

وهنا تجدر الإشارة إلى أن مجلس الأمن يمارس اختصاصه بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بمعنى أنه لا يكتفي فقط بضرورة ارتكاب الجـريمة بمعرفة أحد مواطـني دولة طرف أو على أقليم تلك الدولة، ولكن يجب أن تتضمن تلك الحالة “تهديداً للسلم والأمن”.

أما الوسيلة الثانية: فقوامها هو تحرك المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وتدخله من تلقاء نفسه لإجراء تحقيق ودونما إحالة، وقد تكفل النظام الأساسي بتحديد ضوابط وإجراءات هذا التدخل (وفقاً للمادتين 13/ ج، 15).

 

وفي ضوء ما تقدم، يتضح أن إنشاء المحكمة الجنائية الدولية يمثل خطوة حاسمة فارقة في تطور المجتمع الدولي والقانون الذي يحكم هذا المجتمع (القانون الدولي)، وإذا كان من المقطوع به أن إنشاء هذه المحكمة ليس حلاً سحرياً لجميع المشاكل في مجال العدالة الجنائية الدولية، إلا أنه من المؤكد أن إنشاؤها يعتبر إنجازاً حقيقياً في مجال محاولة إضفاء الطابع الإنساني على حضارة العالم المعاصر، ويجب إدراك أن إنشاء هذه المحكمة هو استكمال لبعض جوانب البنيان التنظيمي للمجتمع الدولي الذي أصبح مجتمعاً حقيقياً في المفهوم الإنساني للمجتمع، والذي أصبح معنياً ومهتماً بقمع الجرائم التي تقضي مضاجع السكينة الدولية وتنطوي على استهانة بالقيم الإنسانية السامية.

الهوامش:

[i]) د. محمود شريف بسيوني، المحكمة الجنائية الدولية، مدخل لدراسة أحكام وآليات الإنقاذ الوطني، دار الشروق، القاهرة 2004، ص23.

[ii]) أوسكار سولير: الإختصاص القضائي التكميلي والقضاء الجنائي الدولي –حوارات إنسانية في القانون والسياسات والعمل الإنساني –المجلة الدولية الصليب الأحمر –مختارات من أعداد عام 2002 –إصدار اللجنة الدولية للصليب الأحمر القاهرة – 2002، ص320.

[iii]) القاضي/ أيمن راشد، القضاء الجنائي الدولي وحقوق الإنسان ( الطريق من نورمبرج إلي روما) الطبعة الأولي، 2008، ص161.

[iv]) د/ صلاح الدين عامر: اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بملاحقة مجري الحرب – منشور في (القانون الدولي الإنساني دليل للتطبيق على الصعيد الوطني) – اصدار اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالقاهرة –دار المستقبل العربي – 2003، ص 208.

[v]) القاضي/ أيمن راشد، القضاء الجنائي الدولي وحقوق الإنسان (الطريق من نورمبرج إلي روما)، مرجع سابق، ص 211.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى