تأرجح في رابطة الآسيان: هل تمرر واشنطن استراتيجية المحيطين “الهندي” و”الهادئ” لاحتواء الصعود الصيني؟

دراسة تحليلة:

عكست رحلة الرئيس الأمريكي ترامب إلى شرق آسيا في أوائل نوفمبر 2017  التحول في استراتيجية أمريكا القادمة تجاه أسيا، حيث حلت “استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ” محل “استراتيجية إعادة التوازن لآسيا والمحيط الهادئ” من أجل التعامل مع اختلال توازن القوى في المنطقة واحتواء صعود الصين وإضعاف نفوذ الصين من أجل ضمان و ترسيخ الهيمنة الأمريكية- تتبنى هذه الاستراتيجية جميع التدابير التي تنفذ سياسات القيم الديمقراطية ودبلوماسية تشكيل تحالفات والتعاون العسكري الذي يشمل  التدريبات العسكرية، ومبيعات الأسلحة وغيرها من الأساليب الشاملة.

اختلال توازن القوى في المنطقة:

وبالنظر إلى اختلال توازن القوى في المنطقة، يمكن القول بأن هناك ثلاثة متغيرات: المتغير الأول، صعود الهند، حيث صنفت بيانات الناتج المحلي الإجمالي للهند بين الخامس والسابع عالميا من عام 2017 إلى عام 2020، بالإضافة إلى تطوير التقنيات العالية مثل صناعة البرمجيات التي تعتمد على المزيد من الدعم الغربي، وتعميق علاقاتها مع الدول الغربية بشكل متزايد، وفرص إمكانات نموها أصبح كبير جدًا، كما أن موقعها الجغرافي المميز في المحيط الهندي، يعد سبباً وراء رغبة الولايات المتحدة في تعزيز نفوذ الهند في المنطقة. ناهيك عن طموحات الهند في أن تصبح اللاعب المهيمن في جنوب آسيا.

أما المتغير الثاني، فيتمثل في صعود الصين، وهذا بلا شك أكبر تحدي وتهديد واجهته الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. حيث تتنامى قوتها الاقتصادية  والعسكرية الشاملة بسرعة كبيرة، ويمتد نفوذها أيضًا إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ بأكملها.

فقد أقامت الصين علاقات تعاون اقتصادي وتجاري وثيقة مع معظم دول المنطقة  والمنظمات الإقليمية، مثل اليابان وآسيان. ومع انطلاق مبادرة “الحزام والطريق”، زاد الاستثمار الأجنبي لبكين تدريجياً، وأصبحت الصين من الدول المؤثرة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ويتوقع أن تكون من صانعي قواعد منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وقد هدد هؤلاء بشكل خطير نظام التحالف الآسيوي الأمريكي وزاد من إلحاق الضرر بالهيمنة الأمريكية. لذلك، تريد الولايات المتحدة إعادة بناء نظام التحالف من خلال “استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ” لمواجهة صعود الصين  والحفاظ على هيمنتها.

أما المتغير الثالث، فهو يتمثل في منظمة رابطة دول جنوب شرق أسيا أو الآسيان، ففي السنوات الأخيرة تمتعت عملية تكامل منظمة الآسيان بزخم جيد، وأصبحت العلاقات الداخلية بين الدول أوثق، كما شهدت سنغافورة وتايلاند وفيتنام ودول أخرى نموًا اقتصاديًا سريعًا. والسبب هو التزم الآسيان دائمًا بمفهوم التعاون المفتوح، فقد أصبحت لديها المزيد  من العلاقات الاقتصادية مع الدول الأخرى، مثل الصين والولايات المتحدة واليابان ودول رئيسية أخرى. وكمنظمة دولية إقليمية، أصبحت الآسيان قوة لا يمكن الاستهانة بها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتوسع نفوذها تدريجياً في العالم.

مع ذلك، لا تزال استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ في مرحلة التطور وغير واضحة، ولم تتحكم الولايات المتحدة بشكل فعال وسريع في هذه المتغيرات، وهذا يمثل أيضًا تحديًا كبيرًا للجهات الفاعلة المهمة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

انقسام داخل الآسيان:

في الواقع، تبدو هناك اختلافات في الرأي بين دول الآسيان حول استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ، ويمكن القول أن هذه الاستراتيجية قد فاقمت الخلافات بين دول الآسيان، كما عادت التناقضات الخفية داخل المنظمة للظهور. ويمكن تحديد تلك الاختلافات في اختلافات في المصالح الوطنية، وأخرى إيديولوجية، وذلك على النحو التالي:

(*) الاختلافات في المصالح الوطنية داخل الآسيان:

ينعكس تباين المصالح الذي جلبته هذه الاستراتيجية للمنظمة بشكل رئيسي في ثلاثة جوانب، هي المصالح الأمنية والاقتصادية، والسياسة والتي يمكن أن تؤثر بشكل أكبر على قرارات السياسة الخارجية لمختلف البلدان.

(&) المصالح الأمنية: في 20 نوفمبر 2018، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة التنمية الدولية على “الاستراتيجية الإقليمية المشتركة لشرق آسيا والمحيط الهادئ”، وفي 1 يونيو 2019 ، أعلن وزير الدفاع الأمريكي بالإنابة شاناهان في “حوار شانغريلا، أن ” الولايات المتحدة ستعمل في السنوات الخمس المقبلة على تعزيز العلاقات العسكرية بشكل شامل مع دول الآسيان، وستكون الفلبين وتايلاند وإندونيسيا وسنغافورة شركاء أساسيين للتحالف الأمني الأمريكي”. كما أن واشنطن تخطط أيضا لتوسيع القواعد العسكرية البحرية وقواعد الإمداد اللوجيستي في جنوب شرق آسيا، وستجري تدريبات عسكرية مطلة على المحيط الهادي كل عامين، وهناك أيضًا تدريبات عسكرية متنوعة أخرى كل عام وتشمل فيتنام وتايلاند والفلبين. هذا بالإضافة إلى أن إندونيسيا توصلت في عام 2018 إلى اتفاقية مع الولايات المتحدة لتعزيز التعاون في القضايا الأمنية، وتشمل أيضا حماية حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي .

ورغم ما سبق، فإن هناك دول لديها شكوك حول استراتيجية التعاون الأمني ​​الأمريكية، مثل، تصور ماليزيا أن التدخل الأمريكي في بحر الصين الجنوبي سوف يتسبب في خلافات إقليمية خطيرة. فعلى الرغم من أن الفلبين لديها علاقة تعاون أمني مع الولايات المتحدة، إلا أن التدخل المفرط من قبل الولايات المتحدة في الأمن والدفاع في الفلبين يجعل الفلبين غير راضية، كما ترى أن الولايات المتحدة تفرض نفسها ضد الصين بشأن قضية بحر الصين الجنوبي وتقوض العلاقات بين الصين والفلبين.

بشكل عام، لا يمكن للدول التي لديها احتياجات أمنية عالية من الولايات المتحدة الاعتماد فقط على التعاون العسكري الذي توفره الولايات المتحدة لتعزيز قوتها العسكرية وضمان الأمن القومي، ولكن أيضًا الاعتماد على الفرص التي توفرها الولايات المتحدة لتعزيز نفوذها في المنظمة. ومن منطلق السعي وراء مصالحها الخاصة، فإن هذه الدول لديها متطلبات أمنية عالية تجعلها تظهر استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة. كما تستخدم الولايات المتحدة “استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ” لمصالحها الخاصة في محاولة للتدخل في قضايا السيادة الصينية، مثل التدخل في نزاعات بحر الصين الجنوبي لقمعها.

(&) المصالح الاقتصادية: لدى دول الآسيان مصالح اقتصادية مختلفة مع الولايات المتحدة، ومن المؤشرات على ذلك درجة الاعتماد التجاري الناشئ عن التبادلات الاقتصادية مع الولايات المتحدة. فكلما زادت النسبة، زاد الاعتماد التجاري لدول الآسيان على الولايات المتحدة، وكلما زاد التأثير الاقتصادي، زاد الطلب على التعاون الاقتصادي. على سبيل المثال، تأمل سنغافورة في استخدام “استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ” لتعزيز التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة في الاقتصاد الرقمي والطاقة؛ وتناقش تايلاند والولايات المتحدة المزيد من قواعد التجارة المتبادلة بهدف تقليل عجز السلع التجارية الأمريكية. بالإضافة إلى المصالح التجارية، حيث تأمل الدول الأخرى في استخدام مساعدة الولايات المتحدة لحماية مصالحها الاقتصادية في مجالات أخرى. على سبيل المثال،  تعتقد فيتنام أن “استراتيجية الهند والمحيط الهادئ” الأمريكية هي فرصة مهمة لعرقلة تقدم استراتيجية الصين البحرية، فهي بحاجة إلى اغتنام الفرصة للحفاظ على الفوائد الاقتصادية لفيتنام من السيطرة على جزر بحر الصين الجنوبي  وتنمية الموارد في بحر الصين الجنوبي.

 وبشكل عام، تميل سنغافورة وفيتنام وتايلاند ودول أخرى إلى التعاون مع الولايات المتحدة بسبب اعتمادها الاقتصادي الكبير على الولايات المتحدة. وعلى النقيض، لا تهتم دول بروناي ولاوس وميانمار بتعزيز مصالحها الاقتصادية والأمنية مع الولايات المتحدة، فهي ليست على استعداد للانخراط كثيرًا في “استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ” لتجنب النزاعات مع الدول الأخرى. عندما يكون لدولة ما مصلحة أمنية أكثر من اقتصادية أو العكس، فإن موقفها تجاه الولايات المتحدة سيكون أكثر غموضًا، وستظل على اتصال مع الولايات للتعاون. وبالنسبة لمثل هذه البلدان، فإن “استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ” هي مزيج من الفرص والمخاطر. هذا هو الحال في الفلبين، فهي تحافظ على التحالف الفلبيني الأمريكي للحصول على الدعم العسكري من الولايات المتحدة .ومن منظور المصالح الاقتصادية، تشهد التجارة بين الفلبين والصين نموا كبيرا في السنوات الأخيرة. وهذا يدل على أن الاحتياجات الاقتصادية للفلبين من الولايات المتحدة ليست كبيرة كما هي الحال بالنسبة للصين، وبالتالي فإن الفلبين لا ترغب في أن تكون بيدق للولايات المتحدة ضد الصين.

(&) المصالح السياسية: هناك صراع بين الأيديولوجيات الاشتراكية والرأسمالية داخل الآسيان، على الرغم من أن فيتنام ولاوس دولتان اشتراكيتان في المنطقة،  فإن البلدان الثمانية المتبقية (إندونيسيا، ماليزيا، الفلبين، سنغافورة، تايلند، بروناي، بورما وكمبوديا) هي دول رأسمالية. فعلى الرغم من أن الأيديولوجية الرأسمالية تتمتع بالميزة من حيث الكمية، ولكن من وجهات نظر أخرى، وخاصة فيتنام، فإن قوتها العسكرية قوية نسبيًا  ولا يمكن أن تشكل تهديدًا صغيرًا. علاوة على ذلك، فإن هذين البلدين عضوان حديثان في رابطة الآسيان، وهناك بعض القيود في القدرة على التكيف مع آلية عمل الآسيان والشعور بالهوية.

كما أن الأنظمة السياسية لدول جنوب شرق آسيا متنوعة أيضًا، حيث تطبق فيتنام ولاوس نظام الحزب الواحد بقيادة الحزب الشيوعي، وسنغافورة جمهورية برلمانية، وإندونيسيا والفلبين جمهورية رئاسية، وتايلاند وكمبوديا نظامًا ملكيًا دستوريًا، وماليزيا نظامًا فيدراليًا، وروناي نظام ملكي مطلق، وميانمار دولة اتحادية تخضع لحكم الحكومة العسكرية، وبالتي قد يؤدى التنوع في النظام السياسي حتما إلى مستويات مختلفة من الديمقراطية في مختلف البلدان. كما تمر حالياً بعض الدول بفترة انتقالية من هيكل سلطة مركزي إلى هيكل سلطة ديمقراطي لامركزي، والتناقضات والصراعات الداخلية معقدة وتنتمي إلى مرحلة عالية من عدم الاستقرار السياسي. وبمجرد تقويض الاستقرار السياسي، من المرجح أن تنتشر الأزمة من الداخل إلى الخارج، مما يعرض الأمن الإقليمي للخطر، ويجعل تكامل الآسيان يواجه تحديات كبيرة.

 هذا بالإضافة إلى أن المنطقة تواجه العديد من النزاعات بين دولها، على سبيل المثال، ادعت فيتنام والفلبين السيادة على نانشا، كما تطالب ماليزيا بالسيادة على بعض الجزر والشعاب المرجانية في نانشا وطورت العديد من حقول النفط والغاز، وفي الوقت نفسه، هناك نزاعات على الأراضي بين ماليزيا والفلبين. كما لا تزال الخلافات على السيادة بين كمبوديا وفيتنام على بعض الجزر في عرض البحر قائمة، والنزاع الحالي بين كمبوديا وتايلاند، هو معبد قديم يسمى معبد برياه فيهيار، فمنذ إعلان كمبوديا أن المعبد تراثًا ثقافيًا عالميًا في عام 2008، اشتد الصراع بين البلدين.

لكن، على الرغم من أن هذه النزاعات لم تتطور إلى حروب واسعة النطاق، فمعظمها مجرد صراعات جزئية أو تم وضعها على الرف مؤقتًا، إلا أنها لم يتم حلها بشكل نهائي، ومع تأثير استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ، قد تتفاقم المشاكل بشكل أكبر، وهو ما يؤدي إلى تفاقم التناقضات السياسية بين دول الآسيان، ويجعل من الصعب بشكل متزايد على الآسيان تكوين رأي موحد.

(&) التناقضات الأيديولوجية: منطقة المحيطين الهندي والهادئ هي منطقة متنوعة ومعقدة، ويرجع ذلك أساسًا إلى التناقضات الأيديولوجية والاختلافات في نماذج التنمية، ومن الصعب على المنطقة تشكيل قيم قوية وموحدة مثل المنطقة الأوروبية. وهذه الهشاشة في القيم المشتركة جعلت التوازن الجيوسياسي في آسيا أكثر عرضة للاضطراب، وينعكس هذا الاختلاف في الآسيان .لقد حافظت الآسيان دائمًا على التوازن بين الصين والولايات المتحدة من أجل الحصول على تنمية أكثر استقرارًا للمنظمة، ولكن تنفيذ استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ قد عطل التوازن الجيوسياسي في المنطقة، وزاد من تقسيم المصالح بين دول الآسيان.

وبالتالي، يمكن القول إن التناقض الأهم في القيم بين دول الآسيان هو الخلاف حول وضع حقوق الإنسان والسيادة، وهذا يعطي لاستراتيجية الولايات المتحدة أيضًا فرصة لاستغلال هذا التناقض .فقد كانت تسعى الولايات المتحدة بشكل دائم لترويج  قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة من منظور الأيديولوجيا التي تستند إلى الثقافة الغربية وليس الثقافة الأسيوية، لذا كان تأثيرها محدودة. ولكن، بعد “استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ”، لم تخترق الولايات المتحدة قيمها من منظور أيديولوجي بحت فحسب، بل اندمجت أيضًا مع البلدان الأخرى من خلال التعاون الاقتصادي والعسكري والتفاعل مع دول المحيطين الهندي والهادئ، وتسللت قيمها بطريقة مقبولة أكثر ويتوقع توسعها تأثيرها على مختلف المجالات. على سبيل المثال، في نوفمبر 2018 ، اقترح نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس إنشاء “شراكة المدن الذكية بين الولايات المتحدة والآسيان” (شراكة المدن الذكية بين الولايات المتحدة ورابطة دول جنوب شرق آسيا) لتعزيز التحول الرقمي للأنظمة الحضرية في دول الآسيان وزيادة المشاركة التجارية بين الولايات المتحدة ورابطة دول جنوب شرق آسيا في الاقتصاد الرقمي.

وفيما يتعلق بالشؤون العسكرية، أصبحت التدريبات العسكرية بين الولايات المتحدة ورابطة دول جنوب شرق آسيا متعددة الأطراف، فمنذ عام 2019، أجرت الولايات المتحدة تدريبات بحرية مشتركة مع دول الآسيان مثل تايلاند وماليزيا وإندونيسيا على نطاق واسع، فقد تضاعف عدد القوات الأمريكية المشاركة في تدريبات “كوبرا جولدن” مقارنة بالعام الماضي، كما وقعت خطة تعاون عسكري لمدة عامين مع كمبوديا لاستئناف الأنشطة العسكرية المشتركة التي سبق تعليقها. وفي الوقت نفسه، زادت الولايات المتحدة باستمرار مبيعاتها من الأسلحة إلى دول الآسيان، حيث باعت طائرات استطلاع بدون طيار، ومركبات مدرعة بعجلات إلى ماليزيا وإندونيسيا والفلبين وفيتنام وتايلاند ودول أخرى، كما عزز خفر السواحل الأمريكي وجوده في بحر الصين الجنوبي.

كما يخصص قانون مبادرة التطمين الآسيوية لعام 2018 سنويا 210 ملايين دولار أمريكي من 2019 إلى 2023 لتعزيز الديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان وسيادة القانون والشفافية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. فقد استجابت إندونيسيا ولاوس ودول أخرى بشكل إيجابي لقيم الولايات المتحدة، معربة عن استعدادها لتعزيز التعاون في مجال حقوق الإنسان للروهينغيا في ميانمار وبناء المجتمع المدني في ظل سيادة القانون، وتعزيز الحرية والانفتاح والازدهار المشترك في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولكن لا تتفق جميع البلدان مع المفهوم الأمريكي لحقوق الإنسان، فالديمقراطية على النمط التايلاندي مع القوة الملكية التي دعت إليها حكومة برايوت في تايلاند تختلف تمامًا عن “الديمقراطية على النمط الغربي” التي تنادي بها الولايات المتحدة.

وقد حاولت الولايات المتحدة الاتحاد التدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى في جنوب شرق آسيا، مثل قضية حقوق الإنسان للروهينجا في ميانمار، الأمر الذي تسبب في استياء في ميانمار، ودول أخرى باسم حقوق الإنسان مثل الفلبين وماليزيا لديهما نفس عدم الرضا تجاه سياسة الولايات المتحدة في هذه المسألة. وبشكل عام، تغلغلت استراتيجية الولايات المتحدة في القيم الداخلية لرابطة دول جنوب شرق آسيا، مما جعل القيم المشتركة للآسيان أكثر هشاشة وزاد من التناقض المتأصل بين حقوق الإنسان والسيادة.

(&) التناقضات في التجارب التاريخية: تختلف دول جنوب شرق آسيا من حيث البر والبحر، نظرًا لارتباطها بالبر الرئيسي للصين وشبه القارة في جنوب آسيا ، حيث تتمتع دول مثل ميانمار وفيتنام بسمات قارية أكثر وضوحًا مثل السياسة والثقافة والمناخ، في المقابل، تعد الفلبين وإندونيسيا وماليزيا ودول أخرى أكثر محيطًا لأنها مرتبطة ببحر الصين الجنوبي. إن هذا التقسيم للبر والبحر، هو الذي يعطي بلدان جنوب شرق آسيا البرية والبحرية تجارب تاريخية مختلفة، ويؤثر أيضًا على ميلهم للاختيار عند مواجهة استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ.

 فبعد مجيء العصر البحري العظيم، زار المستعمرون الغربيون جنوب شرق آسيا، وبسبب الاختلافات الجغرافية، تم استعمار دول جنوب شرق آسيا البحرية قبل بلدان جنوب شرق آسيا البرية. فجزء من أراضي دول مثل ماليزيا والفلبين وإندونيسيا تم استعمارها من قبل البرتغال وهولندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة منذ القرن السادس عشر، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية حصلت هذه الدول على استقلالها تدريجيا.

لقد بدأت دول جنوب شرق آسيا البرية أساسًا تاريخها الاستعماري بعد تدمير وانهيار نظام الروافد الصيني بسبب الغزو الغربي في منتصف وأواخر القرن التاسع عشر. لذلك، نجد أن دول جنوب شرق آسيا البحرية متأثرة بشكل أعمق بالسياسة والثقافة الأوروبية والأمريكية، وستتسم طرق تفكيرها جميعها بخصائص أوروبية وأمريكية، مما أدى إلى اتجاهها المؤيد لاستراتيجية أمريكا.

ومن ناحية أخرى، فإن دول جنوب شرق آسيا البرية، بغض النظر عن موقعها الجغرافي أو خبرتها التاريخية، تتأثر بشكل أكبر بالصين، فهي الآن بين الصين والولايات المتحدة وتميل إلى الاقتراب من الصين. ومن منظور تشكيل الجغرافيا السياسية للحرب الباردة، خلال حرب فيتنام، كانت البحرية الأمريكية متمركزة بشكل أساسي في بحر الصين الجنوبي لتسهيل العمليات، وكان هذا يمثل تهديدًا كبيرًا لدول جنوب شرق آسيا البحرية التي حصلت على استقلالها حديثا. كما أن الدولتين الكبيرتين الصين والاتحاد السوفيتي، لم تنشر قواتهما العسكرية كثيرًا في جنوب شرق آسيا، لذا فإن دول جنوب شرق آسيا هذه ضعيفة ومعزولة نسبيًا، وأفضل طريقة لهم لتعزيز التنمية المحلية هي المواءمة دبلوماسياً مع الولايات المتحدة.

في الواقع، إن إتباع المسار الموالي للولايات المتحدة ليس مطلبًا دبلوماسيًا فحسب، بل هو أيضًا الخيار الأفضل لتحقيق الاستقرار الداخلي وتعزيز التنمية الاقتصادية من خلال المساعدات الاقتصادية والدعم الدبلوماسي اللذان يتقدمهما  الولايات المتحدة لهذه الدول. لقد عانت دول جنوب شرق آسيا التي لم تختر طريقًا مواليًا للولايات المتحدة من التدخل العسكري أو تخريب النظام من قبل الولايات المتحدة، مثل اندلاع حرب فيتنام وإنشاء حكومة موالية للولايات المتحدة من خلال انقلاب في إندونيسيا من خلال ” حادثة 30 سبتمبر .

في المقابل ، “لم تؤسس الصين ورابطة دول جنوب شرق آسيا تفاهمًا استراتيجيًا متبادلًا حقيقيًا ومباشرًا خلال الحرب الباردة، لكنهما نظرتا إلى بعضهما البعض بشكل غير مباشر من خلال الهيكل الاستراتيجي للمثلث الصيني-الأمريكي-السوفياتي”. ومع تطور الاقتصاد الصيني، أخذت الفوائد الاقتصادية التي جلبتها الصين، مثل الفرص التجارية، زمام المبادرة أيضًا في تعزيز وتعميق علاقاتها مع دول جنوب شرق آسيا البرية. لذلك، عندما تكون هناك خلافات في الرأي في جنوب شرق آسيا، مثل قضية بحر الصين الجنوبي، ستبقى معظم هذه الدول صامتة أو تميل إلى دعم الصين.

وفي هذا التوقيت أدى أيضاً الهيكل الاستراتيجي للمثلث الصيني – الأمريكي – السوفياتي، إلى تكثيف العداء الأيديولوجي، حيث كانت الصين والاتحاد السوفييتي معاديين للغاية لدول جنوب شرق آسيا البحرية بسبب موقفهما الدبلوماسي الثابت اتجاه الولايات المتحدة، مما شكل صورة نمطية سلبية نسبيًا من بعضها البعض. لذلك، من منظور التجارب التاريخية المختلفة لدول جنوب شرق آسيا،  ستصبح دول جنوب شرق آسيا البحرية، هي الخيار الأول للولايات المتحدة، ودول جنوب شرق آسيا البرية هي الخيار الأول للصين، وستؤدي الاختيارات ذات الاتجاهات المختلفة إلى انقسامات داخل منظمة الآسيان.

(&) التناقضات الجغرافية للآسيان: تتمتع دول الآسيان بموقع استراتيجي مهم للغاية فهي تربط المحيط الهندي والمحيط الهادئ و نقطة ارتكاز استراتيجية مهمة للقوى الكبرى مثل الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا. وبالنظر إلى خريطة التناقضات الجغرافية لرابطة دول جنوب شرق آسيا في إطار استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ، نجد أنه في ظل العلاقة الجغرافية لاستراتيجية المحيطين الهندي والهادئ، فإن الدول التي لديها تفاعل عميق مع الآسيان هي الولايات المتحدة والهند والصين واليابان. ومع ذلك، نظرًا لأن اليابان تتبنى سياسة إتباع الولايات المتحدة تمامًا، يمكن أيضًا اعتبار التأثير الجغرافي لليابان جزءًا من التأثير الجغرافي للولايات المتحدة.

أولاً، بقياس القوة الوطنية الشاملة للصين والولايات المتحدة والهند، نجد أنه كلما زادت قوة القوة الوطنية الشاملة، كان ذلك مفيدًا في العلاقات الجغرافية، وكلما زادت التبادلات الاقتصادية والسياسية والثقافية في تفاعلاتهما مع الآسيان، كلما زاد الجذب الجغرافي لرابطة دول جنوب شرق آسيا وزادت المعضلة الأمنية التي ستجلبها إلى الآسيان. فعلى سبيل المثال، يعود تأثير الهند على الآسيان بشكل أساسي إلى القرب الجغرافي من دول جنوب شرق آسيا، ولكن بالمقارنة بالصين والولايات المتحدة، فإن تأثير الهند على الآسيان وقدرتها على الفوز بالآسيان ضعيف. لذلك، فيما يتعلق برابطة دول جنوب شرق آسيا، فإن الأولوية القصوى هي كيفية التعامل مع الصين والولايات المتحدة، تليها العلاقة مع الهند والقوى الكبرى الأخرى، فعندما تبدأ دولة كبرى تمددها الجيوسياسي مع دول من الآسيان، تبدأ هذه الدول في تكوين علاقة تبعية معها، ويتم التحكم في الآسيان تدريجياً من قبل القوى الكبرى، وهنا خسارة الآسيان الناجمة عن التهديدات الأمنية سوف تصبح أكبر، وتتجاوز تدريجياً الفوائد التي يمكن أن تحصل عليها الآسيان من هذه التعبية.

يرجع توليد القوة الدافعة إلى التغيرات الديناميكية في الاحتياجات المشتركة بين الآسيان والقوى الكبرى، والتي ستؤدي إلى التحول من وضع مربح للجانبين إلى وضع محصلته صفر. وعندما يكون للجانبين احتياجات مشتركة، بما في ذلك المصالح الاقتصادية والأمنية ومصالح أخرى، فضلاً عن التقارب الثقافي والاحتياجات الأخرى- يمكن لرابطة دول جنوب شرق آسيا وهذه الدول الكبرى تحقيق “منافع للجميع”، مثل تنفيذ التعاون الاقتصادي والحماية المتبادلة لأمن الطرف الآخر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتلبية الاحتياجات السياسية، ويمكن أن يطلق على هذه الفترة “فترة التعايش السلمي”.

كما أنه مع “التعايش السلمي” سيزداد الجذب الجغرافي الذي تمارسه القوى الكبرى في الآسيان تدريجياً، مما يجعل الآسيان تعتمد تدريجيا على القوى العظمى. ووفقًا لنظرية المعضلة الأمنية، المجتمع الأمني للدول المتجاورة أو تعاني من الفوضى، تعني زيادة أمن عضو ما تناقصًا مقابلًا مع أمن عضو آخر، ويمثل أمن جميع البلدان علاقة محصلتها صفر، فالأمن هو أساس وجود الفاعل في المجتمع الدولي. فعندما يصبح أمن الآسيان  “محصلة صفرية”، وتفقد الآسيان مبادرتها بسبب اعتمادها على القوى الكبرى، فالاحتياجات المشتركة للطرفين تصبح أصغر بكثير، ومنافع التعايش السلمي بين الطرفين أقل بكثير من التهديدات التي تشكلها المعضلة الأمنية. وسيقوض ظهور معضلة أمنية إلى ثقة الآسيان في القوى الكبرى، ويؤدي إلى تدهور العلاقات السياسية ، ويؤثر سلبًا على التعاون الاقتصادي والتجاري بين الجانبين، الأمر الذي لن يؤدي إلا إلى خسارة أكبر في الفوائد الشاملة لرابطة دول جنوب شرق آسيا. في هذا الوقت، يعني مقدار الفوائد التي تكسبها القوى الكبرى من الآسيان يساوى مقدار الفوائد التي ستخسرها الآسيان. أي ستعطي دولة محصلتها الصفرية هذه بلا شك دفعة جغرافية لرابطة دول جنوب شرق آسيا، فمن منطلق المساعدة الذاتية واكتساب المزيد من الفوائد، ستختار الآسيان التخلص من معضلات التبعية والأمن من خلال تطوير العلاقات مع الدول الأخرى الكبرى والمتوسطة الحجم.

الواضح أنه قبل استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ، كانت رابطة دول جنوب شرق آسيا قادرة على الحفاظ على التوازن والحياد بين القوى الكبرى، ولكن مع تنفيذ استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ، نظرًا لأن القيمة الجغرافية المرتفعة نسبيًا لرابطة دول جنوب شرق آسيا، يمكن أن تجلب فوائد سياسية واقتصادية ضخمة أو تشكل تهديدًا كبيرًا للقوى ذات الصلة، فقد أصبحت الآسيان هدفًا أو ساحة للتنافس بين للدول الكبرى.

على سبيل المثال، في عام 2017، تم اقتراح “اقتراح عقوبات بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي”، مما جذب انتباه الدوائر السياسية الأمريكية، وحاولت تكثيف نزاعات بحر الصين الجنوبي وتصعيد التناقضات، مما دفع الصين إلى مواجهة الولايات المتحدة ودول جنوب شرق آسيا التبعية لها، وهذا يسمح لرابطة دول جنوب شرق آسيا بالاقتراب أكثر من الولايات المتحدة. ومع ذلك، هناك اختلافات داخلية في الآسيان، فليست كل الدول لديها مصالح مباشرة في قضية بحر الصين الجنوبي، ولا تأمل كل الدول في استخدام الولايات المتحدة للحفاظ على التوازن الجغرافي بين الهند والمحيط الهادئ ضد الصين، لذلك، لا تزال الآسيان في حالة تأرجح ولم تقرر حتى الآن إتباع الولايات المتحدة.

وفقًا لخريطة التناقض الجغرافي، يمكن القول أنه بمجرد أن تتخلى الآسيان بشكل إيجابي أو سلبي عن وضعها المحايد وتفشل في الحفاظ على التوازن بين القوى الكبرى، سيواجه معضلات أمنية أكبر وتحديات في المصالح الإقليمية. فإذا اختارت الآسيان الميل نحو الولايات المتحدة، فسيختبر الجانبان “فترة التعايش السلمي” في البداية والمنفعة المتبادلة والوضع المربح للجانبين. ومع ذلك ، فإن التفاوت بين القوة الوطنية الشاملة لرابطة دول جنوب شرق آسيا والقوة الوطنية الشاملة للولايات المتحدة يعني أنه لا يمكن للجانبين أن يكونا في وضع متساوٍ على المدى الطويل، وسيعتمد الجانب الأضعف تدريجياً على الجانب الأقوى.

ومع تزايد اعتماد الآسيان على الولايات المتحدة، ستكون قضية البقاء الأساسية هي قضية أمن دول الآسيان أيضًا تحت سيطرة الولايات المتحدة، وبالتالي، ستكون الآسيان في معضلة أمنية، ويعتمد أمن الدول الصغيرة والضعيفة بشكل أساسي على ضبط النفس من جانب القوى الكبرى وتدخل ومساعدة القوات الدولية، ووفقًا للهيمنة للولايات المتحدة، لن تخفف سيطرتها على الآسيان ، مما يعني أن الآسيان لديها خيار واحد فقط ، وهو البحث عن المساعدة من البلدان الأخرى. ومع ذلك ، فإن الدول التي يمكن أن تساعد الآسيان ، وخاصة الدول الكبرى، تدرك أن الآسيان لا تمتلك القدرة في الاعتماد على الذات، فلا يزال أمن الآسيان غير قادر على أن يكون مستقلاً، وبالتالي تقع في حلقة مفرغة. بشكل عام ، من الصعب على رابطة دول جنوب شرق آسيا الحفاظ على علاقات وثيقة ومستقرة وطويلة الأمد مع قوة واحدة،فبمجرد التخلي عن الحياد والتوازن ، فإنها ستشهد تغييرًا من “فترة التعايش السلمي” إلى فترة ” المحصلة الصفرية “، مما تجلب لنفسها الخسائر الكثيرة. ففي الوقت الذي واجهت فيه جهود الآسيان تحديات للحفاظ على سياسة توازن محايدة لسنوات عديدة، فالأولوية القصوى لرابطة دول جنوب شرق آسيا هي تغيير طريقة تفكيرها وإعادة تشكيل التوازن الجغرافي بين القوتين الرئيسيتين الصين والولايات المتحدة.

 تدابير استجابة الآسيان:

(*) أولا، يتعين على الآسيان بناء مجتمع جنوب شرق آسيا، على أساس أن منطقة جنوب شرق آسيا مجتمع دولي إقليمي، لذلك يمكن اعتبار النظام والقيم الأيديولوجية المشتركة بمثابة متطلبات أساسية لبناء مجتمع جنوب شرق آسيا. فالمنطقة تمتلك مساحة صغيرة ومناخ وظروف طبيعية مماثلة، مما يؤدي إلى تكوين بيئات معيشية وظروف وطنية متشابهة. وفي الوقت نفسه، لديهم أيضًا تقاليد تاريخية مماثلة. فعلى سبيل المثال، تم تضمينهم في نطاق نظام “روافد الصين” في العصور القديمة، وقد عانوا من أزمات استعمارية في العصر الحديث، وبعد الاستقلال كانوا جميعًا أهدافًا للقوى العظمى.

وتعد النقطة الأكثر أهمية، هي أن لديهم جميعًا حاجة مشتركة – لتعزيز قوتهم ، وضمان الأمن القومي، وتجنب التحول إلى أداة تتلاعب بها القوى الكبرى. كل هذه الظروف تضيف قربًا جغرافيًا من دول جنوب شرق آسيا، مما يؤدي إلى بناء قيم مشتركة، وبالتالي دمج المصالح المشتركة لدول جنوب شرق آسيا، مما يجعل الآسيان أكثر اتحادًا وفاعلية، وتشكل تدريجيًا مجتمعًا أكثر استقرارًا في جنوب شرق آسيا.

وتنظر دول هذه المنطقة إلى نفسها على أنها دول صغيرة، ويتطلعون إلى حماية أمنهم وزيادة صوتهم في المجتمع الدولي، وأفضل مسار هو التعاون والتوحيد بينهم، ​ لذلك تحتاج جميع هذه البلدان إلى أرضية مشتركة مع الاحتفاظ بالاختلافات والبحث عن القيم والاحتياجات المشتركة. ومن خلال البدء بالتعاون الاقتصادي، وتوسيع المصالح المشتركة، والانطلاق على الساحة الدولية بصورة رابطة آسيان قوية ومتحدة، يمكنها اكتساب المزيد من الفرص للتنافس مع القوى الكبرى. علاوة على ذلك، عندما تتطور القوة الاقتصادية الشاملة لرابطة دول جنوب شرق آسيا، يمكنها أيضًا توفير أساس مادي لقوتها العسكرية، وتعزيز الأمن الشامل لمنطقة جنوب شرق آسيا، وزيادة الثقة السياسية في المنطقة. فتحقيق المصالح المشتركة وتحسين مستوى التعاون داخل الآسيان سيؤدي في النهاية إلى بناء مجتمع جنوب شرق آسيا منظم. أن تعزيز المنظمة قوتها من خلال التحالفات الداخلية يرفع من نفوذها في المجتمع الدولي، ويضمن أمنها ويمنع وقوعها في دوامة صراع القوى اللانهائية مع الدول الأخرى.

(*) ثانيا، حل مشكلة النزاعات الجغرافية لرابطة أمم جنوب شرق آسيا. ففي القريب، يمكن لرابطة أمم جنوب شرق آسيا أن تنظر في التعاون الاقتصادي والتجاري المكثف مع البلدان ذات الروابط الجغرافية المهمة لتحقيق التجارة الحرة قدر الإمكان، وبالتالي تحقيق الربح للجميع. وقد طبقت الآسيان بعض هذه التدابير، مثل إنشاء إطار منطقة تجارة حرة “10 + 1″، وشراكة اقتصادية شاملة، و”الآسيان + الصين واليابان وكوريا الجنوبية” وغيرها من التدابير في إطار منطقة التجارة الحرة. وهذا يثبت أن رابطة دول جنوب شرق آسيا يمكنها الحفاظ على التوازن بين العديد من البلدان، وخلق مصالح مشتركة في ظل بيئة جيوسياسية فوضوية، وتحويل انتباه الدول الأخرى إلى التعاون الاقتصادي، بدلاً من السماح لها باستخدام المنظمة لتهديد أمن دول الآسيان بشكل غير مباشر. ويمكن أن يسمح هذا أيضًا لدول الآسيان بحل النزاعات الدولية أو تخفيفها بطريقة أكثر عقلانية، وتخفيف أيضا خلافاتها مع الدول الأخرى، وتعميق التفاهم المتبادل، وحل المعضلات الأمنية. ومع ذلك، نظرًا لعلاقة التعاون الاقتصادي الواسعة بين الصين والآسيان، فقد استفاد الجانبان كثيرًا منها. فتعتبر التنمية الاقتصادية أكثر إرضاءً لمصالح الطرفين أكثر من اندلاع النزاعات العسكرية، ويمكن لكلا الطرفين تعظيم فوائدهما بأقل تكلفة.

 من المنظور الطويل المدى، يمكن للتعاون الاقتصادي والتجاري أن ينشر مفهوم التنمية الاقتصادية بطريقة سلمية، ويحسن البيئة الخارجية للآسيان والتهديدات التي تسببها المعضلات الأمنية، ويمكّن الآسيان تحقيق التنمية بشكل مستقل؛ و يؤدي تشكيل هذا المفهوم إلى بناء نظام القيمة الموحدة المذكور أعلاه داخل الآسيان، وتشكيل هوية داخل الآسيان، وبالتالي تعزيز التطوير الإضافي لعملية التكامل في منطقة جنوب شرق آسيا.يجب أن تركز الآسيان على التعاون الاقتصادي والتجاري ، لأن التنمية الاقتصادية هي الأسهل لتكوين مصالح مشتركة. ويجب تنفيذ جوانب التعاون الأخرى قدر الإمكان، مثل التبادلات الأمنية، وتعميق محتوى التعاون، وتنفيذ التعاون الشامل. ووفقًا لخريطة التناقضات الجغرافية، يمكن ملاحظة أنه إذا فعلت الآسيان ذلك، فإنها ستساعد في تقليل الجذب الجغرافي للقوى الكبرى في الآسيان، وبالتالي تقليل مخاطر اعتماد الآسيان على القوى الكبرى والوقوع في معضلة أمنية.

في النهاية، يمكن القول إنه يتمثل الهدف الأكثر أهمية لاستراتيجية الولايات المتحدة في المحيطين الهندي والهادئ في احتواء الصين والحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة في المنطقة. وتحاول الآسيان العمل كوسيط لتحقيق توازن ثابت للقوة بين القوى الكبرى من خلال آليات ثنائية ومتعددة الأطراف. لكن نفوذها وتغطيتها الجغرافية أعطتها موقعًا استراتيجيًا مهمًا للغاية، مما جذب انتباه آسيا والمجتمع الدولي. حاولت الولايات المتحدة الفوز بل وحتى استيعاب الآسيان في عملية البحث عن حلفاء، مما قوض الحياد الذي كانت الآسيان تحاول الحفاظ عليه من خلا سياسة الحفاظ على التوازن بين القوى الكبرى، لذلك يمكن وصف آفاق التنمية للآسيان على حد سواء بالفرص والتحديات.

ونظرا لما تواجه الرابطة من خطر التمايز والتحديات الناجمة عن تضخم التناقضات الجغرافية، فإنها قد تختار –الرابطة- الوقوف على الهامش، أو قد تعيد تشكيل توازنها بين القوى الكبرى. ومن منظور الآسيان، لديها مشاكل معقدة مثل الاعتماد المفرط على اقتصادات القوى الإقليمية والقيود في توحيد وتنسيق مصالح دول الأعضاء الداخلية.

 وتحتاج الآسيان لتعظيم نقاط قوتها وتجنب نقاط الضعف، ومواجهة التحديات، واغتنام الفرص، إلى إجراء المزيد من التحسينات. يتمثل الأول، في: تنسيق المصالح الداخلية وتعزيز التنمية السليمة لعملية التكامل. أما الثاني، فإنه يجب تقليل الاعتماد المفرط على بعض القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة والصين والهند وغيرها، وتخفيف المعضلة الأمنية، والبحث عن أرضية مشتركة للتعاون الاقتصادي المثمر مع التحفظ على  الخلافات مع الدول الأخرى، والسعي للمصالح المشتركة، وتوسيع آليات ونتائج التعاون الإقليمي القائمة لتجنب سيطرة القوى الفردية. ثالثا، بالتعاون مع منطقة آسيا والمحيط الهادئ، يمكن لرابطة دول جنوب شرق آسيا أن تلعب دورها كمنظمة دولية، وأن تتولى بنشاط دور المنظم والمستضيف، وتزيد من تأثيرها وتكسب المزيد من فرص التعاون.

 باختصار، ينبغي لرابطة دول جنوب شرق آسيا أن تتمسك بمفهوم التنمية السلمية، وأن تنفذ التعاون الدولي بموقف مستقل ، وأن تبني بنشاط مجتمع الرابطة، وتعزز تماسك الرابطة وقدرتها التنافسية، وبهذه الطريقة فقط يمكن الاستفادة من التعاون مربح للجميع والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة وعدم انزلاقها نحو الفوضى أو المعضلة الأمنية.

 

 

 

 

 

 

 

د. هند المحلى سلطان

رئيس برنامج الدراسات الآسيوية، و هي باحثة زائرة بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان وجامعة شنغهاي للدراسات الدولية. حاصلة على درجة الدكتوراه والماجستير في العلاقات الدولية تخصص شؤون صينية من جامعة شنغهاي للدراسات الدولية وجامعة شاندونغ. ترجمت العديد من الكتب والتقارير الرسمية للحكومة الصينية من اللغة الصينية إلى اللغة العربية في مجال السياسة والاقتصاد، ونشرت بعض الأبحاث الأكاديمية المتعلقة بالسياسة الخارجية للصين.
زر الذهاب إلى الأعلى