الإصلاحات الهيكلية والصناعات التحويلية

عبد الفتاح الجبالي

تلعب الصناعة دورا مهما وحاسما فى عملية التنمية عموما والاقتصادية على وجه الخصوص، من حيث قدرتها على توفير الاحتياجات الأساسية للسكان. ولهذا فإن التجارب التنموية الناجحة هى التى يتوجه فيها الجزء الأكبر من الاستثمارات إلى الصناعة، باعتبارها الأكثر قدرة على إضافة قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد القومى،نظرًا للآثار الإيجابية الكثيرة والمتعددة لهذا القطاع وعلاقته التشابكية القوية مع العديد من القطاعات الإنتاجية والخدمية الأخرى مثل الزراعة والسياحة والخدمات. وهنا يصبح التساؤل كيف تعامل برنامج الإصلاح الهيكلى الجديد مع هذه المسالة؟ حيث أشار إلى انه سيركز على الصناعات التحويلية الكثيفة التكنولوجيا بالإضافة إلى الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وقطاع الزراعة وهى بالفعل قطاعات حاكمة للنمو الاقتصادى خلال  المرحلة المقبلة. خاصة فى ظل الإهمال الجسيم الذى لحق بها خلال الفترة الماضية لمصلحة القطاع العقارى الأمر الذى أدى إلى تراجع مساهمة الصناعة فى النمو من 1.5% عام 2017/2018 إلى -0.1% عام 2019/2020 وذلك نتيجة لتراجع الصناعات التحويلية (دون تكرير البترول) من 0.6% إلى -0.4% خلال الفترة نفسها. كما أن مساهمتها فى الناتج لم تزد على 17% ويعمل بها 13% من إجمالي المشتغلين. هذا فضلا عما تتصف به الصناعة التحويلية من قاعدة صناعية ضعيفة، مصحوبة بانخفاض فى الإنتاجية، بل والمشكلة الأكثر تكمن فى كون القيمة المضافة منها مازال مبنيا على الموارد الطبيعية وهو مالا يشجع على النمو الاقتصادى المرتفع. لذلك لم يكن مستغربا أن تظل نسبة السلع الصناعية فى الصادرات المصرية منخفضة للغاية، يضاف إلى ذلك تحيز هيكل الصادرات تجاه عدد محدود من السلع الأولية. كما تتميز الصناعة المصرية بدرجة عالية من الاعتماد على الخارج لتوفير احتياجاتها من المدخلات الرئيسية. ويعود ذلك بالأساس إلى النمط التكنولوجى المستخدم والذى يؤدى إلى تحيزها نحو استيراد السلع الوسيطة وإرتفاع نفقة مايتم استيراده من عناصر الإنتاج لمعظم الصناعات الرئيسية بالنسبة للقيمة النهائية. وهو ما يؤدى إلى التقليل من كفاءة استخدام الموارد المحلية وتزايد الاعتماد على الواردات، ولا يخفى ما لذلك من آثار سواء على سعر الصرف أو على هيكل الواردات المصرية. وبالتالي فإن الأوضاع الحالية للصناعة المصرية، لن تمكنها من مواجهة التحديات المفروضة عليها إلا عن طريق إعادة صياغة السياسة الصناعية الحالية، ومن حسن الطالع أن التطورات الحالية قد أدت إلى انخفاض قيمة الواردات المصرية من 80 مليار دولار خلال عام 2018 إلى نحو 69 مليارا خلال عام 2020، مع ملاحظة أن الواردات غير البترولية قد هبطت من 68 مليار دولار إلى 63 مليارا، خلال الفترة نفسها، معظمها من السلع الوسيطة والسلع الاستهلاكية غير المعمرة، الأمر الذى يشير إلى إمكان قيام الصناعة بالإحلال محل الواردات. وهو ما يؤدى إلى وفر فى العملات الأجنبية المُنفقة على الواردات التى ينتج بديل محلى لها. وتوجيه هذه الحصيلة لشراء السلع الاستثمارية التى يصعُب تصنيعها محلياً. وإحداث تحويلات هيكلية فى البُنيان الصناعي، وتشغيل الطاقات العاطلة واستغلال الموارد المتاحة ومعالجة العجز فى الميزان التجارى والإقلال من انعكاسات التقلّبات والأزمات العالمية على الاقتصاد المحلي. ومن هنا أصبح التساؤل المطروح ماهى آليات تحقيق ذلك؟ وما هى أنواع الصناعات التى تتمتع فيها مصر بقدرة تنافسية؟ فعلى الرغم من القول بأن ما يتمتع به الاقتصاد من عمالة وموارد طبيعية ورأس المال، يحدد ميزته النسبية، فإنها مقولة فضفاضة تحتاج إلى المزيد من الإيضاح فالعبرة هنا بأى صناعات تعتمد عليها الدولة وماهى أساليب الإنتاج المتوقع استخدامها؟ وهنا توجد عِدّة قضايا رئيسية فى التنمية الصناعية تحتاج إلى التركيز، فى ظل الأوضاع الموسسية القائمة حاليا، فوزارة الصناعة لا تملك من الأدوات والآليات ما يمكنها من تحقيق الأهداف التنموية التى نصبو إليها، لسبب بسيط للغاية يكمن فى تشتت الهيكل الإنتاجي المصرى بين العديد من الوزارات. هذا فضلا عن ضرورة تحديد علاقة الزراعة بالصناعة فى ظل الصلة الوثيقة بينهما، فإذا تباطأت معدلات النمو فى القطاع الزراعى فإنها بلا شك تخلق صعوبات محسوسة أمام إنتظام عجلات الإنتاج فى الصناعة المحلية التى يعتمد إنتاجها على المواد الخام التى يُنتجها القطاع الزراعي. كما أن أى اختناقات فى أحدهما تؤدي، بلا شك، إلى اختناق فى القطاع الآخر.وبالتالي، فإن محدودية الإنتاج الزراعى من القطن وقصب السكر والجلود وبعض الزيوت والخضراوات تضع قيوداً شديدة على إمكان التوسّع فى الصناعات الاستهلاكية الرئيسية التى مازالت عصب الصناعات المصرية. وتُشير تحليلات المُدخلات والمُخرجات للصناعة المصرية إلى أن درجة اعتماد الصناعة على الزراعة أكثر من درجة اعتماد الزراعة على الصناعة، وذلك لأن صناعة الغزل والنسيج والصناعات الغذائية مازالت تُمثل العمود الرئيسى للصناعات التحويلية وهى تعتمد اعتمادا كاملاً على الزراعة فى تلبية احتياجاتها من المواد الأولية. أما التشابكات الأمامية للصناعة المصرية أو درجة مساهمتها فى تلبية احتياجات الزراعة فهى محدودة حيث لا تكفى الصناعة احتياجات الزراعة من الأسمدة ولا تُنتج الطلمبات أو منتجات البلاستيك أو الكيماويات اللازمة لزيادة إنتاجية الزراعة وهو ما يوضّح أن إجراءات تغييرات جذرية فى الزراعة تؤدى إلى تكوين المقدمات الضرورية لتطوير الصناعة  وضمان توريد المواد الغذائية والمواد الخام وما يُشابه ذلك. وهكذا يصبح من الضروري وجود استراتيجية متكاملة للتنمية الصناعية تضمن التنسيق والتكامل التام بين القطاعات المختلفة..إلخ. وتسهيل بناء القواعد الإنتاجية وتعبئة الموارد المحلية واستخدامها أفضل استخدام ممكن من خلال التوسع المنظم والفعال فى بناء القواعد الإنتاجية، وتمكن الاقتصاد المصري من الدخول إلى الثورة الصناعية الرابعة الأخذة فى التطور.

نقلاً عن الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى