منهج الخشت فى تجديد الخطاب الديني

د. حسن حماد ‏

ينطلق الدكتور محمد الخشت أستاذ فلسفة الأديان ورئيس جامعة القاهرة فى رؤيته لتجديد الخطاب الدينى من نقطة محورية يؤكد عليها دائمًا فى كتاباته وفى محاضراته، وهي: أن تجديد الخطاب الدينى أمر غير ممكن، لأن ما نعنيه بالخطاب الدينى هو هذا التراث المتراكم القديم الذى نشأ حول المُتن المقدس (القرآن)، هذا المُتن اكتمل عندما قال الله لعباده: «اليوم أكملت لكم دينكم» هنا اكتمل الدين، واكتملت دائرة الكلمات المقدسة، وكل ما جاء بعد ذلك من علوم التفسير والفقه وأصول الفقه وعلوم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل… كلها جُهد بشرى قابل للمراجعة والنقد والتفكيك والرفض.

ويرى الخشت فى كتابه: «نحو تأسيس عصر دينى جديد» أن الإسلام السائد اليوم هو إسلام زائف، ولا يُعبر عن الصورة النقية للإسلام، ويُصدر للعالم صورة مشوهة لدين إرهابى يقوم على العنف والقتل والسبى والقهر وإقصاء الآخر، لذلك فقد باتت الضرورة مُلحة للعودة للإسلام المنسى أو المهجور، إسلام الوحى، الإسلام فى منابعه الصافية المشرقة، بوصفه رسالة جاءت لكل البشر، رسالة هدفها الحب والسلام والحرية، وليس البُغض والعدوان والعبودية.

ويذهب الخشت أنه لا جدوى من محاولة ترميم التراث التقليدى القديم أو محاولة إحيائه كما يدعو إلى ذلك البعض، لأن هذا التراث هو الذى أدى بالمسلمين إلى الجمود الفكرى والفقهى، وألقى بهم خارج التاريخ، وجعلهم أسرى للنظرة الأحادية التى تجعل صاحبها لا يرى سوى ذاته أو ظل ذاته. إن هذا التراث هو سبب تراجع المسلمين وتخلفهم عن ركاب التقدم والحداثة. لهذا لا يتردد الخشت فى المطالبة بتجاوز التراث، والسعى إلى تأسيس تراث دينى جديد يقوم على مفاهيم جديدة ومناهج وأدوات جديدة مُستمدة من العلوم الإنسانية التى أبدعها العقل البشرى.

ويقوم منهج الخشت فى تأسيس خطاب دينى جديد على نقطتين أو بُعدين: بُعد سالب أو نافى بلغة هربرت ماركيوز يتمثل فى مجموعة من المهام العاجلة مثل: تفكيك الخطاب الدينى، وتفكيك العقل المنغلق، ونقد العقل النقلى، وفك جمود الفكر الإنسانى الدينى المتصلب والمتسلح بأقنعة دينية، حتى يُمكن كشفه أمام نفسه وأمام العالم. ولا يستهدف هذا المنهج التفكيكى الدين نفسه، وإنما ينصب على البنية العقلية المغلقة للفكر الدينى. وغنى عن القول إن المنهج التفكيكى الذى يقول به الخشت مختلف تمامًا عن المنهج التفكيكى الذى استخدمه «جاك دريدا» الفرنسى فالخشت يستخدم التفكيك كمرادف لمعنى النقد.

أما الجانب الثانى أو الجانب الإيجابى فى تأسيس الخطاب الدينى الجديد، فيعتمد على تغيير طرائق التفكير لدى المسلمين، وتغيير رؤية العالم لديهم، وتأسيس مرجعيات جديدة، العودة إلى إسلام الوحى.

وكى يتحقق ذلك لابد من توظيف عددٍ من الآليات لتحقيق حلول قصيرة ومتوسطة المدى تشمل: التعليم والإعلام والثقافة والاقتصاد والاجتماع والسياسة، وذلك من أجل صناعة عقول جديدة منفتحة ومستنيرة وتكون مهيأة للعودة إلى المنابع الصافية للإسلام (القرآن وما صح من السنة) وتكون قادرة على تغيير المرجعيات التقليدية، وتأسيس فقه دينى جديد، وتفاسير جديدة، وعلم حديث جديد، واستبعاد كافة المرجعيات التراثية الوهمية التى اكتسبت بمرور الوقت طابع القداسة، رغم أنها من صُنع بشر مثلنا، كانت لهم أفكارهم وأوهامهم وأحلامهم ومخاوفهم وأطماعهم ونقاط ضعفهم… الخ، إن هذا التراث علينا أن نحترمه لأنه جزء من ذاكرتنا التاريخية، لكن لا يجب أن نرفعه لمصاف المقدس أو المُطلق، لأنه فى نهاية الأمر مجرد اجتهاد بشرى يُمثل مرحلة من مراحل التاريخ، مرحلة عابرة، ولى زمانها، وانتهى عصرها، وليس من المعقول أو المقبول أن نتوهم بأن هذا التراث الذى تركه لنا السابقون يمكن أن يرتقى لمستوى قواعد ومبادئ وقيم مطلقة تكون صالحة لكل زمان ومكان.

إن تأسيس خطاب دينى جديد لن يكون إلا بالخلاص من هذه الدائرة الوهمية المقيتة لكهنوت صنعه البشر، وتلقفه المقلدون وأصحاب المصالح، فصادروا الدين لحسابهم، وأصبحوا هم أوصياء على الناس، وأغلقوا باب الاجتهاد، وأصبحوا هم بمفردهم مُلاك الحقيقة المطلقة!

نقلاً عن صحيفة الوفد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى