منطلقات فكرية: لماذا لم يستهدف “داعش” إسرائيل رغم الاعتداءات المستمرة على غزة؟

تمتلك الجماعات التكفيرية فصائل متعددة تابعة لها داخل فلسطين، يعد أهمها جيش الإسلام، ولواء التوحيد والجهاد. وعلى الرغم من أن الفصيلين الجهاديين المذكورين بايعا “داعش” عام 2015، إلا أنه لم يشاهد عملية داخل الأراضي الفلسطينية تابعة لتنظيم داعش ضد إسرائيل، أو حتى “بيان” صادر عنهما يدين الاعتداء المستمرة على غزة منذ أيام، وذلك رغم إعلان المتحدث باسم التنظيم-داعش- في تسجيل تم بثه بداية عام 2020، قائلاً فيه إن ” زعيم التنظيم أبا إبراهيم الهاشمي القرشي (المتولي القيادة بعد البغدادي)، عزم على مرحلة جديدة، أهم ملامحها تتمثل في قتال اليهود واسترداد ما سلبوه من المسلمين”.

ومع تصاعد أعمال العنف في غزه من قبل إسرائيل في هذه الأيام يبقى السؤال؛ لماذا لم تستهدف الجماعات التكفيرية مع تباين مصالحها وايديولوجيتها إسرائيل؟، وهل تمتلك هذه الجماعات القدرة لتنفيذ عمليات داخل تلك الدولة؟، وما هي الخلفيات العقائدية التي تتعلق بحرب إسرائيل لدى هذه الجماعات؟. وقبل التطرق إلى التفاصيل، تجدر الإشارة، إلى أن هذا التحليل لا يدعو إلى العنف بل يتطرق إلى استراتيجية التنظيمات الإرهابية ومنطلقاتها الفكرية نحو القضية الفلسطينية وإسرائيل.  

تراجع مستمر وتوافقات غير معلنة:

على الرغم من تمركزت “داعش” لسنوات طويلة في الجولان(سوريا)، وفى أوقات مضت في مساحة ضيقة من سيناء(مصر) على الحدود مع إسرائيل، فإنه لم يستهدف إسرائيل إلا في مرات قليلة وعمليات غير مؤثرة، كان الهدف منها، هو جذب الحلفاء وعدم خسارة المزيد من عناصر التنظيم، بعد ما مُزقت أوصاله على يد التحالف الدولي، ولم يبقى له إلا بقايا فلول، لذلك لم يكن أمامه في هذا التوقيت إلا استنهاض عزيمة أتباعه، بتوجيه خطاب لمعاداة إسرائيل، والقيام بأعمال غير مؤثرة ضدها( إطلاق صاروخ تجاه هضبة الجولان) عام 2017، فقد قال تأكيدا لهذا موشيه يعالون وزير الدفاع الإسرائيلي السابق في أبريل 2017 إن ” تنظيم ” داعش” أطلق النار مرة واحدة بالخطأ فقط باتجاه الجولان ثم اعتذر عن ذلك على الفور”.

كما تنفى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والأجهزة الأمنية الفلسطينية، وجود فعلى لخلايا ناشطة تابعة لـ “داعش” داخل إسرائيل، وما يشهد أيضاً على عدم وجود نية لداعش في إحداث أي تأثير معادا لإسرائيل، هو العلاقة المتأزمة للتنظيم مع حماس. كما أن الفصائل التي تنتمي إلى “داعش” السابق ذكرها في داخل فلسطين، لم تعد قائمة تنظيميا وغير ذات تأثير، حيث تم القضاء عليها بعد استهداف هذه التنظيمات للشرطة الفلسطينية التابعة لحماس، في تفجيرات أغسطس 2019 في قطاع غزة. كما أنه في ظل السيطرة الأمنية التي تفرضها حماس، قد يكون من الصعب تواجد خلايا نائمة لداعش داخل فلسطين، وتأتى هذه العلاقة المتأزمة بين داعش وحماس، على خلفية تكفير تنظيم داعش لحماس، حيث أعلن التنظيم ذلك في شريط مسجل عام2015، واصفا الحركة بـ” حماس الردة والعمالة “، كما نشر التنظيم عام 2018، فيديو أخر يظهر إعدام أحد عناصر كتائب عز الدين القسام الجناح العسكرى لحماس.

كل ما سبق، وتمت الإشارة إليه يدعم استبعاد استهداف إسرائيل من قبل “داعش”، هذا بالإضافة إلى أن هناك أسباب أخرى تدلل على عدم استهداف “داعش” وأخواته لإسرائيل، منها العلاقات البينية بين التنظيم وتلك الدولة، حيث تواردت أنباء عن دعم تل أبيب لـ “داعش” بطرق عده منها، شوهد منذ فترة معالجة عناصر تابعة لـ “داعش” بمستشفيات عسكرية، تابعة لإسرائيل في الجولان، إضافة إلى قيام إسرائيل بشراء النفط من داعش عبر شبكة من الوسطاء، فضلا عن تسرب أنباء حول وجود مفاوضات بين الطرفين، من أجل تسليم ما يقرب من 100 شخص من عرب 48، انضموا إلى التنظيم في وقت سابق، ويأتي هذا التعاون بين داعش وإسرائيل دعما للمصالح المشتركة التي تجمع الطرفين، التي تتمثل في معاداة إيران وحزب الله وقوات الجيش السورى، وربما يتغير الوضع في وقت لاحق تبعا للمصالح.

دوافع عقائدية متجذرة:

تعطى هذه التنظيمات الإرهابية الأولوية، لقتال النظم العربية الكافرة بوصفها مرتدة وفقا لأدبياتهم، فتدعوا هذه التنظيمات إلى قتال العدو القريب، وصولاً إلى حلم إقامة الخلافة، ثم التوجه بعد ذلك إلى قتال العدو البعيد متمثلا في إسرائيل وأمريكا، من الشواهد التاريخية على هذا الفكر، تأسيس جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية والتكفير والهجرة في مصر عقب هزيمة 1967. حيث كان الهدف الأول لهذه التنظيمات قتال النظم الحاكمة، وبعد أن انتصرت مصر عام 1973 في حربها ضد إسرائيل واستردت أرضها، ظهرت ما يعرف بتنظيم الفنية العسكرية، للتخطيط لانقلاب ضد الرئيس الراحل السادات، ولم يكن انتصار السادات على إسرائيل بشافع له عندهم، فمضوا في تكفيره ومحاولة إسقاط الدولة، وفشلت المحاولة بعد أن ارتكبوا  عددا من الجرائم البشعة، التي انتهت بقتل الرئيس السادات.

ومما يدعم عقيدة تأجيل قتال العدو البعيد إلى بعد مرحلة التمكين وإقامة الخلافة، الإيمان الراسخ عند هذه الجماعات بحديث ورد في صحيح مسلم، عن أبى هريرة “لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودى من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودى خلفى، فتعال فاقتله.. إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود”. فقد رسخ الأصوليون الأخذ بهذا الحديث باعتباره عقيدة لدى أتباعهم، تؤكد محاربة المسلمين لليهود أخر الزمان وإنتصارهم عليهم، مما يبرر فكر التنظيمات التكفيرية بتأجيل معاداة إسرائيل، وتوجيه عملياتهم الإرهابية إلى الأنظمة والشعوب المسلمة. والجدير بالذكر، أن الحديث المذكور أعلاه حديث آحاد غريب، وفقا لتصنيفات علماء الحديث، مما يعنى أنه روى عن راوى واحد، وعليه فلا تقام عليه عقيدة، فضلا عن ورود حديث في البخارى، الذى يعتبره العلماء أكثر تدقيقا من مسلم، مخالفاً لنص هذا الحديث عن بن عمر، يقول ” تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم، ثم يقول الحجر يا مسلم هذا يهودى ورائى فاقتله” (رواه البخاري برقم 3593). وباستقراء الروايتين نستنتج الأتي:

 (*) أولا- رواية البخاري لم تبدأ بعبارة “لا تقوم الساعة”، كما لم يحدد مكان الحرب في الروايتين، عليه فالرواية ربما حدثت في عهد النبي، وليس لها علاقة بزمن ( قيام الساعة)، وذهبت بعض الآراء أنها موقعة(خيبر وبنى قريظة) في عهد النبى، إذن الوضع بين الفلسطينين وإسرائيل لا ينطبق علي تلك الروايات.

(*) ثانيا- المعطيات والسياق في الرواية لا ينطبق على الوضع الحالي بين فلسطين وإسرائيل، فالرواية الواردة فى صحيح مسلم حرب شاملة بين المسلمين واليهود- أي أنها حرب على أساس دينى، وهى حرب تنتهى بإبادة جماعية لليهود، سواء كان مؤيدا للدولة الصهيونية أو غير مؤيد، سواء كان طفلا أو بالغا مدنيا أو عسكريا، مما يرسخ لمبدأ عنصري ظالم، فاتباع الديانة اليهودية موجودون في الكثير من الدول، وليس كل يهودي مؤيد للفكر الصهيوني، فبعض اليهود يرفضون ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينين، ويخرج في مظاهرات دعما لحق فلسطين في استعادة وطنهم وتقرير مصيرهم. وعليه، فتعميم الحكم بالحرب والإبادة الجماعية لليهود جميعهم، يأتي على غير مراد الله، قال تعالى ” وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا أن الله لا يحب المعتديين”، وقوله تعالى “ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلو أعدلوا هو أقرب للتقوى” صدق الله العظيم.

(*) ثالثا- بقراءة نص الرواية، نجد حديث عن حرب بدائية تعتمد على الحجر والشجر، وهذا لا ينطبق على التطور التكنولوجي والعسكري والإستخباراتى الذى يشهده العالم اليوم، ودعا الأصوليون أن العالم سوف يرتد قبل قيام الساعة إلى الوضع الذى يجعل هذا المشهد(ما قبل الحداثة) جائز، يناقض قوله تعالى” حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتها أمرنا ليلا او نهارا فجعلنها حصيدا كأنها لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ” صدق الله العظيم (يونس 24). تؤكد لنا الآية الكريمة، أن التطور العلمى والتكنولوجى مستمر إلى قيام الساعة، ولن تتوقف استمرارية تطور الحياة أبدا، أو تعود عقارب الساعة إلى الوراء.

عليه؛ فإن هذه الرواية التي يعول عليها الأصوليين، لتبرير التحالف مع إسرائيل وعدم استهدافها، بزعم أن هذه المعركة مؤجلة، رواية لم تثبت عن النبي (ص الله عليه وسلم)، والوضع على الأراضى الفلسطينية لا تحكمه هذه العقيدة المزعومة، التي تستنتج من كلام وجدي غنيم، الإرهابى الهارب إلى تركيا عبر فيديو، يؤكد فيه بأنه لا يملك سوى الدعاء لفلسطين في الوقت الحالي، والضحايا التي تسقط من الفلسطينين هم شهداء، لا نملك سوى التسليم بما يحدث من استشهاد للفلسطينيين باعتبارهم مجاهدين، ولم يوجه خطاب عدائى من قبيل الإدانة الكلامية لإسرائيل .

في النهاية، يمكن القول إن الوضع في فلسطين لا تحكمه معتقدات دينية، بل حق شعب اغتصبت أرضه، وعودة هذا الحق يتوقف على توازن وإلزامية المنظومة الدولية ومدى فاعليتها، وتأثير موازين القوى الدولية. وعليه، فالاعتراف بأحقية الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، لا يأسس على مرجعية دينية معينة، ولكن يؤسس على الأعراف والمواثيق الدولية، ومن قبل مبادئ العدل والإنصاف والإنسانية، فالاعتراف بحق الفلسطينيين في التمسك بأرضهم تأسيسا على خلفية دينية، يفتح الباب بتمسك إسرائيل بنفس الحق، فالصهاينة أيضا يؤمنون بأحقيتهم في أرض فلسطين، تأسيسا على روايات دينية يهودية، فالفكر الأصولى موجود لدى بعض المنتمين إلى كل الديانات.

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في الشريعة الاسلامية . - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - كاتبة في العديد في الصحف والمواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى