ما بعد السلفية: ما هي التحديات التي تواجه السعودية في مرحلة المراجعات الدينية؟

منتصر حمادة- خبير مشارك بالمركز

أطلقت السعودية مشروعاً إصلاحياً كبيراً بعنوان: “السعودية: رؤية 2030″، ولأننا نتحدث عن سياق استراتيجي، فواضح أن المشروع يتضمن عدة جبهات إصلاحية، تطال الحقل السياسي والديني والثقافي وغيره، إلا أننا سنتوقف بالتحديد عند الجبهة الدينية.

ومعلوم أن ما يُميز التديّن السعودي، أنه ينهل من مرجعية سلفية، ومعلوم أيضاً أن صناع القرار في السعودية يؤكدون منذ ثلاث سنوات تقريباً، بأن التديّن السلفي أصبح عائقاً أمام السعودية: مجتمعاً ودولةً ونظاماً، وهذا اعتراف كان يُصنف في خانة اللامفكر فيه إلى وقت قريب- أي إلى زمن ما قبل الإعلان عن مشروع “السعودية: رؤية 2030″، بما يُفيد أن ولوج الجبهة الدينية في المشروع، يتطلب بشكل أو بآخر، طرق “باب ما بعد السلفية”، وواضح أن هذا طموح مشروع، وطموح لا يسع الأقلام الإصلاحية في المنطقة إلا أن تؤيده، ولكن واضح أيضاً، أن تفعيل مقتضيات هذا المشروع لن يكون سهلاً، وحتى لو افترضنا جدلاً أنه تحقق منذ اليوم، فإن نتائجه لن تظهر بين ليلة وضحاها، لأسباب معقدة وشائكة، ولكن نتوقف عند أهمها في هذا التحليل.

وعلى ما سبق، نتوقف في هذا التحليل عند بعض عراقيل هذا المشروع، ونوجزها في عائقين اثنين على الأقل، وكيفية حلحلتهما، خاصة وأنه مؤكد وجود مجموعة متشابكة منها- أي التحديات، يصعب حصرها من فرط تشابكها، لذلك ارتأينا التوقف عند عائقين منها.

عراقيل دينية في مواجهة ما بعد السلفية:

 إن أولى العراقيل التي تواجه طرق السعودية لـ “باب ما بعد السلفية”، تتمثل في العراقيل الدينية، وهذه عراقيل متوقعة، ما دمنا نتحدث عن ملف ديني يهم العقيدة والمذهب والسلوك، وبيان ذلك، أن التديّن السلفي حظي بترويج رسمي من الدولة السعودية منذ عقود مضت، في حقبة كانت توزع فيها الأدبيات السلفية مجانياً على دول المنطقة العربية والعالم الإسلامي، وحتى على بعض الدول الغربية، وهذه إحدى أسباب انتشر الظاهرة السلفية.

صحيح أن هناك عوامل خاصة بكل دول عربية ساهمت في انتشار التديّن السلفي، وفي مقدمتها فشل مشاريع التنمية البشرية، وفشل حكومات ما بعد الاستقلال، ولكن لا يمكن صرف النظر عن تأثير المد السلفي الذي انتشر عبر تلك الأدبيات المجانية وعبر الفضائيات في مرحلة ثانية، وعبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في مرحلة ثالثة.

والحال أن هذا التديّن حاضر في المؤسسات الدينية الرسمية، ليس في السعودية وحسب، ولكن في أغلب دول الحليج العربي، إضافة إلى تغلغله في أدبيات أغلب الحركات الإسلامية التي تنهل من مرجعية سلفية، أو تأثرت بها، دون الحديث عن انتشاره في العديد من المؤسسات الدينية الرسمية خارج المجال الخليجي العربي، لولا أن رغبة صناع القرار في السعودية، بولوج مرحلة “ما بعد السلفية”، لن يكون مرُحبٌ بها بإطلاق في السعودية، لأنه من الصعب إقناع عقل سلفي بجدوى هذا الخيار، بسبب تأثره بهذا التديّن، إن لم نزعم أنه يؤمن بأن هذا التديّن، يُجسد الإسلام، بمقتضى التماهي بين الدين (الإسلام) والتديّن (السلفية)، بما يُفيد أننا قد نعاين ما يُشبه مقاومات دينية من داخل المؤسسة الدينية، وهذا لوحده عطب ذاتي ينبغي الانتباه إليه قصد التفكير في سُبُل التفاعل الذكي والنافع معه، حتى لا تتكرر أخطاء تفاعل الدولة السعودية من التبعات الدينية لمرحلة ما بعد الغزو العراقي للكويت، بكل نتائجها الكارثية على المنطقة.

عراقيل مجتمعية وتفعيل العلاج بالصدمة:

أما ثاني العراقيل التي تواجه مشروع طرق “باب ما بعد السلفية”، في السعودية، فتتمثل في العراقيل المجتمعية، وذات صلة بتأثر المجتمع السعودية، عقيدة ومذهباً وسلوكاً، بما كان يصدر عن المؤسسة الدينية الرسمية، بل ازداد الأمر استفحالاً، عندما تمت تغطية تقاليد مجتمعية متجاوزة برداء الفتاوى، من قبيل الرفض الديني الرسمي لقيادة المرأة للسيارة، إلى غاية صدور قرار رسمي عن صناع القرار يضع حداً لهذا المأزق الذي تسبب في مشاكل مجانية للدولة السعودية، كانت في غنى عنها. وهذا نموذج يكشف عن أهمية المحدد السياسي في التسريع من وتيرة الإصلاح الديني في سياقه الإسلامي، وهذا مالا نعاينه في دول أخرى، من قبيل مصر والمغرب.

الشاهد هنا، أن تطبع المجتمع السعودي، ومعه بعض المجتمعات العربية والإسلامية، بتبعات الفتاوى السلفية، ترك أثاراً على الجهاز المفاهيمي لهذه المجتمعات ــ أو على “إبستيمي” هذه المجتمعات، إذا استعرنا مصطلحاً شهيراً لميشيل فوكو ــ وبالتالي، لا يمكن أن نتوقع التحرر من الآثار السلبية لهذا التطبع، عبر صدور قرارات رسمية، على جرأتها ونوعيتها، بما يُفسر على الأرجح، لجوء الدولة السعودية خلال السنين الأخيرة لما اصطلحنا عليه بـ”العلاج بالصدمة”، عبر اتخاذ قرارات ذات صلة بالفن والرياضة والترفيه والدين وقطاعات أخرى، ولكنها كانت إلى وقت قريب قرارات صادمة للمخيال المجتمعي السعودية، لولا أن إكراه اللحظة الإصلاحية السعودية الراهنة، اقتضى اللجوء إليها.

تحركات ضرورية:

توقفنا أعلاه عند بعض التحديات التي تواجه مشروع “السعودية: رؤية 2030” في شقه الديني حصراً، وأحصينا تحديان اثنان على الأقل: تحدي العراقيل الدينية، وتحدي العراقيل المجتمعية، ونتوقف في الفقرات التالية عند بعض المفاتيح التي نعتقد أنها ستساعد صناع القرار هناك على التسريع من وتيرة الإصلاح المرجو في الشق الديني من هذا المشروع الإصلاحي الكبير، والذي يجب يقتضي التنبيه إلى أنه لا يهم السعودية وحسب، وإنما يهم دول المنطقة من جهة، وخاصة دول الخليج العربي، بمقتضى الثقل السياسي والديمغرافي للسعودية، مقارنة مع باقي دول مجلس التعاون، ويهم أيضاً العديد من الدول الإسلامية التي طالها فيما مضى، تأثير ما اصطلحنا عليه في “نقد العقل السلفي” [2014]، بـ”تصدير التديّن السلفي”.

بمقتضى المرجعية الكبيرة التي تحظى بها أدبيات ابن تيمية، نرى أن طرق بوابة “ما بعد السلفية” يقتضي الانخراط في مشاريع علمية ضخمة، عنوانها “تحرير ابن تيمية” من الاختطاف الذي تعرض له من طرف التديّن السلفي، على أن يتم التعامل مع هذا المشروع من منظور شامل ومتكامل، وألا يقتصر على أهل العمل الديني، في المؤسسات الدينية مثلاً، بل يجب أن يطال أهل العمل الفكري والإعلامي وغيرهم. نقول هذا أخذاً بعين الاعتبار أن ابن تيمية يكاد يُقدس عند بعض أتباع التديّن السلفي، على غرار التقديس التي تحظى بها شخصية الخميني عند بعض الشيعة.

ما سبق، يشير إلى أننا نتحدث نتحدث عن معضلة كبيرة، لأنها تتطلب بداية البحث عن أقلام مؤهلة لهذه العملية، ومعلوم أننا نُعاين خصاصاً كبيراً في الموضوع؛ كما تتطلب إقناع أتباع المرجعية السلفية، بأن ابن تيمية تعرّض فعلاً للاختطاف، وهذا أمر ليس هيناً، لأن مجرد التفكير في الرد على بعض اجتهادات ابن تيمية، الذي يُؤخذ من كلامه ويُرد أمر لا زال لا مفكراً فيه عند العديد أو أغلب أتباع التديّن السلفي.

لا نتحدث عن أقلام بحثية لديها حسابات سياسية مع الدولة السعودية، لأن هذه الأقلام، بمقتضى التجربة التاريخية، أكدت أنه لا ثقة في خطابها، وأنها مستعدة لبيع خدماتها الإعلامية والبحثية بمجرد الانخراط في تحالف سياسي جديد، على غرار ما نُعاين مع بعض المشاريع الإسلاموية في المنطقة، والتي كانت حليفة السعودية بالأمس القريب، ولكنها انقلبت عليها اليوم، لأنها منخرطة في توظيفات سياسية وأمنية.

“تحرير ابن تيمية” عنوان معركة معرفية كبيرة ومصيرية تنتظر صناع القرار في المنطقة، وفي مقدمتهم صناع القرار في السعودية، بمقتضى نتائج عملية “اختطاف ابن تيمية” التي استمرت طيلة عقود من “تصدير التديّن السلفي”، وشملت العديد من دول العالم الإسلامي، بل شملت حتى الدول الغربية التي تضم جاليات مسلمة، بما في ذلك أستراليا، فالأحرى أوربا أو الولايات المتحدة.

والغريب أن أعمال ابن تيمية، تعج بالتأليف في عدة حقول معرفية، ولكن التديّن السلفي تورط في اختزالها وتقزيمها من خلال ترويج “مجموع الفتاوى” التي حُرّرت في سياقات تاريخية مغايرة للسياقات التاريخية التي تمر منها المنطقة العربية اليوم، ولكن بمقتضى تواضع الأفق المعرفي للخطاب الإسلاموي الراهن، في شقيه السلفي والإخواني، كانت النتيجة، إضافة إلى تغلغل هذا الخطاب في المؤسسات الدينية الرسمية، هيمنة خطاب فقهي تقليدي، موازاة مع تفريغ مجموعة من المشاريع الإسلامية المتشددة والمتطرفة، فالأحرى المشاريع “الجهادية”.

إن ما سبق ذكره، يمثل مفتاح واحد فقط، لا مفر من توظيفه عند المخلصين في مشروع “السعودية: رؤية 2030″، ضمن مفاتيح أخرى، سوف نتطرق إليها لاحقاً. بقيت نقطة أخيرة، وتهم مفتاحاً سياسياً ودينياً، قد يكون فاصلاً في هذا المشروع الإصلاحي، انطلاقاً من استلهام بعض ما جاء في التجربة المغربية، وهذا موضوع آخر، سوف يتطرق له “مركز رع” بتحليلاته في في حينه.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى