احتمالات مفتوحة: إلى أين يصل التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة؟

على الرغم من أن المدن الفلسطينية تشهد من حين لآخر اعتداءات إسرائيلية متكررة، ولطالما سعت إسرائيل خلالها إلى انتهاز أي فرصة لممارسة المزيد من الانتهكات بحق الفلسطينيين، إلا أن ما شهدته مدينة القدس منذ بداية شهر رمضان، كان محركا لتصاعد التوتر بين الجانبين إلى حد كبير، على خلفية محاولة طرد عدد من الأسر الفلسطينية من منازلهم في حي الشيخ جراح شرقي القدس، واقتحام قوات الإحتلال الإسرائيلي والمستوطنون اليهود للمسجد الأقصى، والاعتداء على المصلين.

وأدى ذلك إلى حدوث مواجهات عنيفة بين الجانبين، أوقعت مئات الجرحى والمصابين الفلسطينيين، مما أشعل فتيل حرب جديدة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، من خلال عمليتي “سيف القدس” و”حارس الأسوار”، والتي أثارت الكثير من التساؤلات حول حدود التصعيد المتبادل، وإمكانية عودة الأوضاع لطبيعتها قبل التصعيد الأخير؟.

محفزات التصعيد:

لعلها لم تكن المرة الأولى التي يتصاعد فيها التوتر بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، إلى هذه الدرجة من العنف، فقد سبق ووقعت حروب مدمرة على قطاع غزة في أعوام 2008 و2012 و2014، وإن كان هذا العام 2021، يشهد حربا رابعة تشهد عنفا زائدا عن جولاتها السابقة، وتطورا نوعيا في التصعيد والتصعيد المضاد- وإن كان لا يمكن مقارنة التوزانات العسكرية والتسلحية الإسرائيلية بالفصائل الفلسطينية بأي حال من الأحوال- لكن ثمة عوامل وأسباب أدت في معظمها إلى تصاعد التوتر الذي نشهده في العدوان الأخير، ومن أهمها ما يلي:

(*) حساسية وضع القدس والمسجد الأقصى، إذ أن إقدام إسرائيل على طرد جماعي للعرب وإخلاء المنازل الفلسطينية في حي الشيخ جراح لصالح المستوطنين اليهود، ضمن سياسة التطهير العرقي التي تمارسها إسرائيل بحق الفلسطينيين، لم تكن لتمر دون توقع رد من الفصائل الفلسطينية، التي كثيرا  ما عبرت عن استيائها من الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينين، ومساعي تهويد مدينة القدس.

(*) أيضا لا يمكن مقارنة ما تشهدة مدينة القدس والمسجد الأقصى، بعملية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس عام 2018، فردود الأفعال هذه المرة، تتجاوز الفلسطينيين أنفسهم، باعتبارها قضية عربية وإسلامية ودولية، لها أهميتها ووضعيتها الخاصة، وقد يؤدي أي تغيير في وضعها الحالي، إلى حدوث مواجهات مفتوحة، يصعب توقع مآلاتها.

(*) محاولة رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” تجاوز وضعه المأزوم داخل إسرائيل، على خلفية فشله في تشكيل الحكومة الجديدة، وسعي منافسيه “يائير لابيد” و”نفتالي بينيت” إلى تشكيل ائتلاف حكومي، بدعم من الأحزاب العربية، والذي قد يصعب بلوغه في مثل هذه الظروف، إذ كان بإمكان “نتنياهو” تفادى تدهور الأوضاع في القدس لو أراد، ولكنه اتجه إلى التصعيد، في محاولة لإحداث تغيير المشهد الداخلي لصالحه، وإعادة اصطفاف الشارع الإسرائيلي إلى جانبه، خاصة وأنه يدرك أنه يخوض معاركه الأخيرة، وعليه أن ينتصر، وإلا واجه عواقب وخيمة.

(*) يسعى “نتنياهو” كذلك إلى عرقلة محاولات إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” إطلاق عملية سلام بين إسرائيل والفلسطينيين على أساس حل الدولتين الذي يرفضه، وكذلك معظم أحزاب اليمين الإسرائيلي، إضافة إلى رغبة “نتنياهو” في ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة فيما يخص الاتفاق النووي مع إيران مقابل التهدئة في غزةـ كإحدى ورقات الضغط في هذا الاتجاه.

تحركات للتهدئة:

مع تصاعد القصف الإسرائيلي لغزة، وسقوط مئات المدنين الفلسطينيين بين شهيد وجريح، خرجت ردود فعل عربية ودولية منددة بالعدوان الإسرائيلي على غزة، ومطالبة بوقف التصعيد، تفاديا لتدهور الأوضاع، ووقوع المزيد من الضحايا.

وقد كانت مصر من أولى الدول التي تحركت بشكل مكثف بين الجانبين للتوصل إلى التهدئة ووقف متبادل لإطلاق النار، وهو دور سبق وقامت به مصر غير مرة، ونجحت في احتواء الأمور، وحالت دون تفاقمها في تلك الأثناء، والتوصل إلى اتفاقات للتهدئة، وهو ذات المسعي الذي تحاول مصر بلوغه الآن، من خلال إجراء اتصالات مكثفة مع أطراف الصراع، ومختلف الأطراف الدولية، لإحتواء الموقف.

 وطالبت مصر على لسان وزيرة خارجيتها “سامح شكري” بوقف الاعتداءات على الأراضى الفلسطينية، والعمل على تجنيب شعوب المنطقة المزيد من التصعيد باللجوء إلى الوسائل العسكرية، كما نقل رسائل متعددة إلى إسرائيل وكافة الدول الفاعلة والمعنية لحثها على بذل ما يمكن من جهود لمنع تدهور الأوضاع في القدس وقطاع غزة، كما وصل وفدا أمنيا مصريا إلى قطاع غزة وتل أبيب لإجراء مشاورات مع قادة الفصائل الفسطينية والإسرائيليين للوصول على اتفاق تهدئة بين الجانبين، ولا زالت الجهود المصرية مستمرة.

في الوقت الذي أوفدت فيه واشنطن مبعوثاً إلى الشرق الأوسط لحضّ الإسرائيليين والفلسطينيين على “التهدئة”، غير أن المساعي الأمريكية تلك، ليس من المتوقع أن تحقق النتائج المرجوه، خاصة وأن مواقف الإدارة الأميركية السابقة والحالية، لا تختلف كثيرا في تحيزها لإسرائيل، فقد سبق وأحبطت واشنطن في العاشر من مايو 2021، مشروع قرار في مجلس الأمن يدين السياسات الاستيطانية وعمليات الهدم والإخلاء بحق المنازل الفلسطينية في القدس، كما فشل اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي عُقد في الثاني عشر من مايو2021، لمناقشة التصعيد في غزة، وتبني إعلان مشترك، وسط استمرار معارضة الولايات المتحدة، مما يلقي بالمزيد من الضغط على المساعي المصرية للوصل إلى اتفاق للتهدئة.

مآلات المشهد الحالي:

في الوقت الذي تتصاعد فيه المواجهات بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة، وسط دمار واسع في القطاع وارتفاع مستمر في حصيلة القتلى والجرحى الفلسطينيين، وتزايد إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، يبدو المشهد قابلا للتحول باتجاه إحدى الاحتمالين التاليين:

(&) الأول، سيناريو التهدئة: والذي تضطر إسرائيل للقبول به، نتيجة ممارسة ضغوط ميدانية أو دولية عليها، باعتبار أنها من بدأت بالتصعيد، مما يفرض عوامل عدة تكبح جماح رغبة “نتنياهو” في تصعيد هجومه على غزة، وتعرقل إطالة أمد العملية العسكرية الحالية، من أهمها:

  • اقتناع إسرائيل بما حققته من أهداف في قطاع غزة، ضمن استراتيجيتها في تقليص قدرات الفصائل الفلسطينية القتالية والمادية في أية مواجهة واسعة مستقبلية.
  • تمكن الوساطة المصرية من الوصول إلى إتفاق للتهدئه يقبله الجانبين، لإعادة الأمور إلى ما قبل أحداث المسجد الأقصى وحي “الشيخ جراح”.
  • الحصول على ضمانات دولية بوقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة من ناحية، وضمان عدم تهجير الفلسطينيين من الشيخ جراح وحماية المسجد الأقصى والفلسطينيين من ناحية أخرى.
  • تصاعد ردود الفعل العربية والدولية الغاضبة من سقوط المزيد من الضحايا الفلسطينين، والتي قد تجبر الأمم المتحدة على إصدار قرار لوقف الحرب في غزة، حتى لا تخرج الأوضاع عن السيطرة هناك.
  • وجود رغبة متبادلة (إسرائيلية – فلسطينية)، من ناحية، (وعربية ودولية)، من ناحية أخرى في الوصول إلى حالة انتفاضة فلسطينية شاملة على غرار انتفاضة عام 2000، تمثل مخاطرة غير محسوبة وفقاً للمعطيات الوضع الراهن.
  • خطورة الدخول في مواجهات برية مع الفصائل الفلسطينية، على غرار الاجتياح البري الإسرائيلي في عملية “الجرف الصامد” عام 2014، والتي قد ينتج عنها خسائر خسائر كبيرة في صفوف الجنود الإسرائيلين، كما أن عددا من قادة الجيش الإسرائيلي لا يدعمون استمرار هذه العملية بالأساس.
  • يمكن أن تؤدي إطالة أمد العملية في غزة إلى نقل الأحداث إلى الضفة الغربية والقدس والبلدات العربية في إسرائيل، خاصة وهناك مواجهات بالفعل شهدتها تلك المدن والبلدات، فضلا عن توقف الكثير من مظاهر الحياة في إسرائيل.
  • عدم قدرة إسرائيل ذاتها على تحمل المزيد من التصعيد لوقت أطول، في ظل الأوضاع الداخلية غير المستقرة، والأزمة السياسية التي يعاني منها “نتنياهو” بالأساس، وكذلك ما يمكن أن تتسببه الحرب على غزة من أزمات اقتصادية لإسرائيل.
  • التأثيرات السلبية على ملف عودة علاقات بعض الدول العربية مع إسرائيل، إذا ما استمرت إسرائيل في تصعيدها ضد قطاع غزة، وسقوط المزيد من الضحايا الفلسطينيين، مما قد يحرج الدول العربية التي اتجهت العلاقات الكاملة معها.

(&) الثاني سيناريو التصعيد: على الرغم من الدعوات من كل أنحاء العالم لوقف التصعيد، إلا أنه مع استمرار تعرض قطاع غزة لحملة مكثفة من القصف الجوي الإسرائيلي، يقابله رد فلسطيني بإطلاق المزيد من الصواريخ باتجاه إسرائيل، مما يطرح سيناريو التصعيد، وذلك لعدد من المؤشرات تشمل:

  • مطالبة رئيس الوراء الإسرائيلي “نتنياهو” باستعداد الإسرائيليين لاستمرار الصراع الحالي لفترة أطول، وكذلك استعداد الجيش الإسرائيلي لمجموعة واسعة من الاحتمالات، بما في ذلك صراع أوسع مع عملية برية، واستعداد المزيد من قوات الاحتياط.
  • تواصل الهجوم الإسرائيلي العنيف على أهداف مختلفة في قطاع غزة، مما أدى على المزيد من تدمير الأبراج والشقق السكنية، ووقوع المزيد من المدنيين الفلسطينيين بين قتيل وجريح.
  • اقدام قوات الإحتلال الإسرائيلي على اغتيال عدد من قادة الفصائل الفلسطينية، مما يدفع الأخيرة إلى الإصرار على الرد ومواصلة قصف المدن الإسرائيلية، باعتبار أنهم يخوضون معركة صفرية.
  • إندلاع مواجهات بين فلسطينين وإسرائيليين في المدن الفلسطينية المحتلة، وكذلك في البلدات العربية داخل إسرائيل.

قد يبدو من تلك المؤشرات أن الأوضاع في طريقها للتصعيد، مما يفتح المجال للمزيد من التكهنات، حول مآلات الأحداث في غزة خلال الأيام القادمة، وما يمكن أن تسفر عنه تلك الحرب؟، لكن ليس بالضرورة أن تصل التطورات إلى مواجهات مفتوحةـ يمكن أن تؤدي إلى اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة، وغابة ما تقوم به إسرائيل في الوقت الراهن هو خوض عمليات محسوبة لتحقيق أهداف محددة.

بالنهاية، هناك معادلة جديدة يمكن أن تتشكل بعد احتواء التصعيد الإسرائيلي على غزة، داخل إسرائيل ذاتها، تتعلق بالتوازنات السياسية في إسرائيل، وتغير العلاقات بين العرب واليهود في إسرائيل، من ناحية، وفرض الفصائل الفلسطينية لوضع جديد في المواجهات مع إسرائيل، يتعلق بربط القدس بغزة وبقية المناطق الفلسطينية، وكذلك مواجهة التصعيد الإسرائيلي بتصعيد فلسطيني، مما يوسع من مساحة الصراع والتهديد في المستقبل.

لكن تظل أهم الرسائل التي وصلت للجميع الآن أن القضية الفسطينية لا تزال هي قضية العرب المحورية، وأن القدس ستظل عاصمة فلسطين الأبدية، وأن الحقوق الفلسطينية تأبى النسيان، ويوما ما سوف تعود، وأن الدور المصري تجاه القضية الفلسطينية يظل هو الدور الرئيسي، والمؤثر الذي لا يمكن تجاهله، غير أنه من الأهمية في الوقت ذاته استثمار الأطراف الفلسطينية لمآلات الحرب على غزة- أيا كانت نتائجها- لإنهاء الانقسام الفلسطيني، والسعي الحثيث إلى إتمام المصالحة، والاتجاه نحو الوحدة الوطنية الفلسطينية، حتى يمكن الوصول إلى موقف فلسطيني قوي أمام العالم.

 

 

 

 

 

 

د. عبد الناصر سعيد

رئيس وحدة دراسات الأمن الإقليمي حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية , حاصل على في ماجستير الإعلام ,حاصل على ماجستير في العلوم السياسة , باحث مشارك في عدد من المراكز البحثية السياسية.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى