ما هي دلالات عملية اقتحام مقر المجلس الرئاسي الليبي من قبل المليشيات؟

على الرغم من المؤشرات الإيجابية التي هيمنت على الملف الليبي خلال الأشهر الأخيرة، وذلك بعدما تم التوصل بعد معناة إلى حكومة موحدة من المفترض أن تقود السلطة في البلاد لحين إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في ديسمبر المقبل، بيد أن الأسابيع الأخيرة شهدت عدة متغيرات جديدة في الداخل الليبي أعادت -مرة أخرى- القلق بشأن احتمالات تعثر مرحلة السلام الهش التي تعيشها البلاد، ولعل أبرز هذه التطورات تمثلت في قيام مليشيات “بركان الغضب” بمحاصرة مقر المجلس الرئاسي في العاصمة طرابلس، لمطالبة المجلس بإقالة وزيرة الخارجية “نجلاء المنقوش” والرئيس الجديد لجهاز الإستخبارات “محمد العائب”، في تطور يحمل العديد من الدلالات الهامة والخطيرة.

تحركات خطيرة:

قامت مجموعة من مليشيات غرب ليبيا ( المشاركة في عملية “بركان الغضب”) بمحاصرة فندق “كورثينا” بالعاصمة طرابلس، وذلك في الـ7 من مايو الجاري، ويعد هذا الفندق هو مقر المجلس الرئاسي الليبي برئاسة “محمد المنفي”، وقد طالبت هذه المليشيات بإقالة وزيرة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية “نجلاء المنقوش”، كما أنها أبدت اعتراضها على تعيين “محمد العائب” رئيساً لجهاز الإستخبارات.

وقد ارتبطت هذه التحركات الأخيرة من قبل مليشيات طرابلس بالقرار الصادر عن المجلس الرئاسي الليبي في الـ 6 من مايو الجاري بتكليف “حسين محمد العائب” بتولي رئاسة جهاز الإستخبارات الليبية، خلفاً لـ “عماد الطرابلسي” الذي كان قد تم تعينه من قبل رئيس المجلس الرئاسي السابق لحكومة الوفاق “فايز السراج”، وقد عمل “العائب” تحت قيادة الرئيس الأسبق لجهاز الإستخبارات الليبية “عبد الله السنوسي”، كما أن له شبكة علاقات واسعة بغالبية الفواعل في الداخل الليبي، بما في ذلك قائد الجيش الوطني الليبي “خليفة حفتر”.

وتجدر الإشارة إلى أن مليشيات “بركان الغضب” كانت قد بدأت التحضير لهذه التحركات خلال الأيام الأخيرة، حيث عقد قادة هذه المليشيات اجتماعاً (بالمقر الإداري وسط مصنع التبغ) في طرابلس، تضمن مليشيات مصراته وطرابلس والزاوية والزنتان، للتنديد بموقف وزيرة الخارجية، وقرار تعيين رئيساً جديد لجهاز الإستخبارات، كما أعلن “عماد الطرابلسي” رفضه تسليم مقر المخابرات للعايب، بإدعاء أن الأخير يمثل أحد رموز نظام القذافي.

وفي خطوة تحمل مؤشرات خطيرة بشأن احتمالات حدوث تصدعات داخلية، صدر بيان عن مجموعة تدعي أنها تعمل بجهاز الاستخبارات الليبية رفضها لقرار تعيين “العائب” رئيساً للجهاز، تحت إدعاء موالاة الأخير إلى “خليفة حفتر”، وقد هدد البيان باحتمالات اتخاذ إجراءات تصعيدية ضد هذا القرار وضد تصريحات وزيرة الخارجية، وكذلك في مواجهة القرارات التي وصفها البيان بـ “العشوائية” التي تصدر عن المجلس الرئاسي.

وفي وقت سابق، ظهر آمر الكتيبة  166 (التابعة لرئاسة الأركان) “محمد الحصان” في مقطع فيديو يدعوه خلاله إلى حشد قوة مسلحة لمحاصرة مقر المجلس الرئاسي ووزارة الداخلية لحين تنفيذ المطالب الخاصة باستبعاد وزيرة الخارجية والتراجع عن قرار تعيين رئيس جديد لجهاز الإستخبارات.

لماذا الآن؟:

يعزى الموقف الراهن لمليشيات طرابلس إزاء وزيرة الخارجية “المنقوش” (تنتمي إلى بنغازي بشرق ليبيا) إلى موقف الأخيرة المطالب بإخراج المرتزقة الأجانب من ليبيا بما في ذلك المرتزقة التابعين لتركيا، والذي عبرت عن بشكل واضح خلال زيارة الوفد التركي إلى ليبيا مطلع مايو الجاري، مما جعلها تواجه انتقادات وضغوطات كبيرة من قبل المعسكر التابع لتركيا في الداخل الليبي.

أيضاً، لا يمكن قراءة هذه التحركات التي قامت بها بعض مليشيات غرب ليبيا بمعزل عن الدعوة التي أصدرها “الصادق الغرياني” (مفتي ليبيا السابق والمعزول في2014) وهاجم فيها وزيرة الخارجية، وطالب خلالها بدعم التواجد التركي في ليبيا.

وتجدر الإشارة إلى أن ليبيا كانت قد شهدت زيارة مفاجئة لوفد تركي رفيع المستوى في الـ 3 من مايو الجاري، (ضم وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار”، ورئيس هيئة الأركان “يشار غولر”، ووزير الخارجية “مولود تشاووش أوغلو”، ومدير جهاز المخابرات الوطنية “هاكان فيدان”)، في خطوة استهدفت منها أنقرة التأكيد على تمسكها بالاتفاقيات الموقعة مع الحكومة الليبية، وتعزيز حضوراً طويل الأمد في ليبيا، فضلاً عن ارسال رسائل ضمنية مفادها أنها لاتزال تمثل فاعلاً رئيسياً في ليبيا لا يمكن تجاوزه.

لكن، في ظل مؤشرات التقارب الراهنة بين مصر وتركيا، ذهبت بعض التقارير الدولية للإشارة إلى أن زيارة الوفد التركي لطرابلس يحمل بوادر من قبل أنقرة بشأن إعادة النظر في تواجدها العسكري في ليبيا، من خلال التخلي التدريجي عن المليشيات المسلحة المنقسمة، والشروع في سحب المرتزقة السوريين التابعين لها من ليبيا، والتركيز على الحضور التركي من خلال العسكريين الأتراك خاصةً في قاعدتي الوطية ومصراتة، وربما يفسر ذلك سبب الغضب الراهن من المليشيات المنتشرة في غرب ليبيا، بيد أنه حتى الآن لا يمكن الجزم بشأن التوجهات التركية المقبلة في ليبيا، باستثناء أن أنقرة بدأت تعمل على تحويل انخراطها العسكري خلال الفترة الماضية إلى مكتسبات إقتصادية إضافة إلى حضور طويل المدى.

دعم أمريكي:

في المقابل، أعلن السفير الأمريكي إلى ليبيا “ريتشارد نورلاند” دعم واشنطن لجهود المجلس الرئاسى الرامية إلى توحيد المؤسسات الليبية وتحقيق المصالحة وإخراج المرتزقة الأجنبية تمهيداً لإجراء الانتخابات بنهاية ديسمبر المقبل، وقد جاء هذا الإعلان بعد اجتماع عقده السفير الأمريكي مع عضو المجلس الرئاسي الليبي “عبدالله اللافى” بتونس.

وقد جاء هذا الاجتماع بعد ساعات من قرار المجلس الرئاسي الليبي بتعيين رئيساً جديداً لجهاز الإستخبارات الليبية وإقالة “عماد الطرابلسى”، في خطوة حملت دلالات هامة بشأن دعم أمريكي لهذا الإجراء، مع ترجيح إحتمالات أن يصبح ملف حل المليشيات المسلحة في الداخل الليبي – فضلاً عن إخراج المرتزقة- على أولوية أجندة الرئيس الجديد لجهاز الإستخابات الليبية، من خلال تنسيق رفيع المستوى مع واشنطن.

كذلك، ثمة دعم أمريكي واضح لوزيرة الخارجية “نجلاء المنقوش”، وقد تبلور ذلك بوضوح من خلال إعلان السفير الأمريكي “ريتشارد نورلاند” عن دعم بلاده لدعوة وزيرة الخارجية الليبية بشأن خروج القوات الأجنبية من ليبيا. كما صدر بيان مشترك عن سفارات الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة وفرنسا، أعلنت خلاله هذه الدول رفضها إجراء أي تغييرات من شأنها تعطيل الانتخابات الليبية المقررة في 24 ديسمبر المقبل، وضرورة إلتزام السلطات الليبية بتسهيل إجراء الاستحقاق الإنتخابي في موعده.

تضارب التصريحات:

على الرغم من انتشار بعض الفديوهات التي وثقت قيام مجموعة من المليشيات بمحاصرة مقر اجتماع المجلس الرئاسي، بيد أن مدير مكتب رئيس المجلس الرئاسي “محمد المبروك” خرج في فيديو مسجل لينفي فيه تعرض مقر المجلس لأي إقتحام من قبل جماعات مسلحة، مستنكراً ما نشرته وسائل الإعلام المحلية والدولية بشأن تعرضه للخطف أو حدوث اعتداء على الفندق.

في المقابل، أعلنت المتحدثة باسم المجلس الرئاسي “نجوى وهيبة” أن جماعات مسلحة كانت قد اقتحمت فندق “كورنثيا”، لكنها أكدت على سلامة جميع أعضاء المجلس، مشيرة إلى أنه لم يمكن أحد منهم متواجدا في توقيت الإقتحام، وتعكس هذه التصريحات المتضاربة من قبل مسئولي المجلس الرئاسي عن دلالات خطيرة بشأن درجة تأثير هذه المليشيات المسلحة على الداخل الليبي.

معضلة معقدة:

لا يزال ملف المليشيات المسلحة الداخل الليبي يمثل أحد الإشكاليات الأكثر تعقيداً، والتي ربما تهدد حالة الاستقرار “الهش” الراهنة، حيث تعمل هذه المليشات على ضمان استمراريتها ومصالحها خلال المرحلة المقبلة، من خلال إثارة الإضطرابات الداخلية؛ للحيلولة دون التوصل إلى درجة من الاستقرار سوف يتخمض عنها إنهاء دور هذه المليشيات ومصالحها التي ترتبط استمراريتها بديمومة الأوضاع المضطربة في الداخل الليبي.

وقد تجسدت التداعيات الخطيرة لمعضلة المليشيات المسلحة –والمرتزقة الأجانب- في عرقلة دخول رئيس الحكومة الليبي “عبد الحميد الدبيبية” إلى سيرت عبر المطار، كما أنها أثارت مؤخراً أزمة جديدة بشأن ملف الكهرباء، بعدما قامت عناصر من هذه المليشيات بمهاجمة محطة الكهرباء في “الخمس”، ما تسبب في أزمة كبيرة بعدما كانت شركة الكهرباء قد نجحت في صيانة المحطات بتكلفة بلغت نحو 900 مليون دينار ليبي، ما أدى إلى إنفراجة ملحوظة في إشكالية الكهرباء في ليبيا.

قلق مستمر:

على الرغم من الإنفراجة الكبيرة التي شهدها الملف الليبي خلال الأشهر الأخيرة، إلا أن المعطيات الراهنة على الأرض تعكس استمرارية التحديات والعراقيل التي ربما تهدد عملية التسوية السياسية للأزمة الليبية، حيث يبقى ملف المليشيات المسلحة المنتشرة في غرب ليبيا إضافة إلى المترتزقة الأجانب أحد أكثر الملفات تعقيداً، ولا تزال تحتاج إلى جهود دولية وإقليمية مكثفة لحلحلتها، خاصةً في ظل وجود أطراف خارجية تستهدف استغلال هذه المعضلة لخدمة مصالحها في ليبيا.

من ناحية أخرى، في ظل محدودية الوقت المتبقي أمام الموعد المقرر لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 24 ديسمبر المقبل، لا تزال هناك إشكاليات قائمة بشأن عملية التحضير لهذه الإستحقاقات، في ظل استمرار الخلافات بشأن القاعدة الدستورية والقانونية الحاكمة للانتخابات، فضلاً عن تفاقم ملف شغل الوظائف السيادية الذي بات يشهد انقسامات داخلية حادة. لكن على الرغم من هذه التحديات، فثمة أطراف محلية مختلفة بدأت في الاستعداد لخوض سباق الانتخابات، لعل أبرز هذه الأطراف التي ظهرت على السطح خلال الفترة الأخيرة هي جماعة إخوان ليبيا، والتي أعلنت تحولها لجمعية “الإحياء والتجديد” في محاولة للمناورة والتخفي لتجاوز انتكاساتها الداخلية بعدما تراجع مستوى حضورها وتأييدها في ليبيا بشكل كبير.

في النهاية، في إطار التحديات المستمرة التي تواجه ليبيا، هناك استمرار للدعم الكامل الذي تقدمه الدولة المصرية لتحقيق الاستقرار في ليبيا، وقد تجلت ملامح هذا الدعم خلال الأيام الأخيرة في الاتصالات المستمرة بين الجانبين لتعزيز التعاون في كافة المجالات، في الوقت الذي تستعد فيه مصر لإعادة فتح سفارتها في طرابلس، ولعل هذا ما يفسر وصول السفير “محمد ثروت سليم” إلى العاصمة الليبية.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى