كيف تأثرت عملية صنع السياسة الخارجية بتزايد الاضطرابات في العلاقات الدولية؟

د. محمد بدرت بدير-خبير في الشئون الأمنية

تتمثل السياسة الخارجية لبلد ما في مجموعة الأهداف السياسية التي تحدد كيفية تواصل هذا البلد مع البلدان الأخرى في العالم، وبشكل عام تسعى الدول عبر سياساتها الخارجية إلى حماية مصالحها الوطنية وأمنها الداخلي وأهدافها الفكرية وازدهارها الاقتصادي، وقد تحقق الدولة هذا الهدف عبر التعاون السلمي مع الأمم الأخرى أو عبر الحرب والعدوان والاستغلال للشعوب الأخرى، وقد شهد القرن العشرين ارتفاعاً ملحوظاً في درجة أهمية السياسة الخارجية وأصبحت كل دول العالم اليوم تعتمد على التواصل والتفاعل مع أية دولة أخرى بواسطة صيغة دبلوماسية ما، ويتولى تحديد السياسة الخارجية للبلد رئيس هذا البلد أو رئيس الوزراء.

ولعل من أكثر التعريفات شمولاً للسياسة الخارجية، هو الذي يأخذ في اعتباره الخصائص الأساسية لعملية السياسة الخارجية والأبعاد المحتملة لتلك السياسة، وعلى هذا الأساس يمكن تعريفها بأنها: برنامج العمل العلني الذي يـختاره الممثلون الرسـميون للوحدة الدولية من بين مجـموعة من البرامج البديلة المتاحة من أجل تحقيق أهداف مـحددة في المحيط الخارجي.

التمييز بين مفهومي “السياسة الخارجية، والعلاقات الدولية:”

تنصرف العلاقات الدولية إلى مجموعة التفاعلات التي تحدث بين وحدتين دوليتين أو أكثر، بعبارة أخرى العلاقات الدولية تفترض التفاعل- أي عملية الفعل ورد الفعل في حالة مستمرة من التتابع والتشابك، أي أنها لا تتم إلا من منطلق التفاعل بين وحدتين أو أكثر.

أما السياسة الخارجية، فإنها تنطلق من وحدة دولية واحدة، لذلك تختلف موضوعات كل من علمي العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، فموضوعات علم العلاقات الدولية تشمل كل القضـايا التفاعلية، كالصراع الدولي؛ والتكامل الدولي؛ وسباق التسـلح وغيرها. أما موضوعات علم السياسة الخارجية، فإنها تنصرف إلى المؤثرات الداخلية والخارجية في تلك السياسة والقضايا السياسية والاقتصادية والثقافية التي تهتم بها الوحدة الدولية في المحيط الخارجي.

بيد أن هذا الاختلاف المفهومي لا ينفي الترابط بين السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، فالعلاقات الدولية هي محصلة لتفاعل مجموعة السياسات الخارجية لمختلف الوحدات الدولية.

عملية صنع السياسة الخارجية:

استكمالاً لما سبق، يمكن أن نميز بين مجموعتان تساهمان في صنع السياسة الخارجية، وهما المؤسسات الحكومية، والمؤسسات غير الحكومية، وذلك على النحو التالي:

  • المؤسسات الحكومية وتتضمن: رئيس الحكومة وزير الخارجية وزارة الدفاع أجهزة الاستخبارات مجلس الأمن القومي السلطة التشريعية
  • المؤسسات غير الحكومية وتتضمن: الأحزاب السياسية، وجماعات المصالح، ووسائل الإعلام، والرأي العام. وعلى ما سبق يمكن تحديد أهداف السياسة الخارجية، فيما يلي:

وهنا تجدر الإشارة أولاً إلى أنه من الصعوبة تحديد أهـداف الدولة في السياسة الخارجية، وتعود هذه الصعوبة إلى عاملين:

  • إن الأهداف ليست واحدة بل متعددة مختلفة متنوعة، واختلافها وتنوعها يرتبط بطبيعة الدولة نفسها وطبيعة المنطقة الكائنة فيها وطبيعة قوة الدولة.
  • إن الأهداف بالنسبة للدول ليست متساوية في أهميتها، بل هي متدرجة من حيث الأهمية. إلا أنه يمكن بشكل عام أن نحدد خمسة أهداف رئيسية للسياسة الخارجية لكل دولة كالآتي:

الهدف الأول: المحافظة على استقلال الدولة وسيادتها وحماية أمنها القومي.

الهدف الثاني: تنمية إمكانات الدولة من القوة القومية الكافية لردع المعتدي أو المنشق وهزيمته في حالة إقدامه على الاعتداء أو الانفصال.

الهدف الثالث: تطوير المستوى الاقتصادي للدولة، وتوفير الحد الأدنى من الثروة الوطنية.

الهدف الرابع: التوسع بأنواعه “العسكري السياسي العقائدي”.

الهدف الخامس: الدفاع عن معتقدات الدولة أمام التحديات التي تواجهها من المعتقدات الأخرى.

أدوات السياسة الخارجية:

يتطلب تحقيق أهداف السياسة الخارجية استعمال مجموعة من الأدوات وتعبئة مجموعة من الموارد والمهارات المناسبة لتحقيق تلك الأهداف وهي كالآتي:

  1. الأدوات الدبلوماسية: ويقصد بالدبلوماسية عملية التمثيل والتفاوض التي تجري بين الدول في غمار إدارتها لعلاقاتها الدولية، وتعتمد الأدوات الدبلوماسية على توظيف مجموعة من الموارد، وهي شبكة السفارات والقنصليات والمفوضيات؛ وغيرها من أدوات الاتصال الدولي.

وتمثل الدبلوماسية غالباً أولى الوسائل التي تلجأ إليها الدول في سبيل تحقيق أهداف سياساتها الخارجية، حيث تعد الأداة الأقل تكلفة بين أدوات السياسة الخارجية.

  1. الأدوات الاقتصادية: احتلت الأدوات الاقتصادية كوسيلة للسياسة الخارجية مكانة هامة في العلاقات الدولية المعاصرة، ويقصد بها استخدام الدولة لمقدراتها الاقتصادية في التأثير على الدول الأخرى وتوجيه سلوكها السياسي في الاتجاه الذي يخدم المصلحة القومية للدولة. وللأدوات الاقتصادية وجهان وهما كالآتي:

الوجه الأول: يتمثل في منح المساعدات الاقتصادية للدول الموالية، ومن البديهي أنه من يقدم المنح والمساعدات والقروض الخارجية هي الدول الغنية والقوية في المجتمع الدولي وبالأخص الدول الغربية، حيث وجدت هذه الدول أن المساعدات الخارجية وسيلة لبسط نفوذها الغربي في الدول النامية.

الوجه الثاني: ويتمثل في منع المساعدات وفرض العقوبات على الدول المناوئة، وعلى سبيل المثال لا الحصر:

  • الحظر الاقتصادي:ويعني عدم تصدير سلعة معينة إلى دولة أو دول محددة لأسباب سياسية أو اقتصادية، مثل فرض الولايات المتحدة للحظر الاقتصادي على كوبا منذ تحولها إلى الشيوعية على إثر انقلاب فيدل كاسترو عام 1959م.
  • فرض التعريفة الجمركية: حيث أن فرض التعريفة الجمركية على المواد المستوردة من دولة معينة سيؤدي بطريقة غير مباشرة إلى الحد من الاستيراد منها ووضع العوائق أمام منتجاتها.
  • تجميد الأرصدة أو تأميمها: إن التجميد يعني عدم السماح لدولة أجنبية باستخدام أرصدتها وموجوداتها داخل إقليم الدولة التي اتخذت إجراء التجميد حتى تستجيب الدولة الأجنبية للمطالب السياسية أو الاقتصادية المطلوب منها.
  1. الأدوات الرمزية: يندرج تحت الأدوات الرمزية مجموعة من أدوات السياسة الخارجية التي تتضمن محاولة التأثير في أفكار الآخرين، وتشمل تلك الأدوات مجموعة من الأدوات الدعائية والأيديولوجية والثقافية، وذلك على النحو التالي:
  • الأدوات الدعائية: وهي تلك الأنشطة الموجهة إلى التأثير في مفاهيم الأفراد العاديين والنخب غير الرسمية في الوحدات الدولية الأخرى، فالأداة الدعائية تهدف إلى حث من توجه إليهم الدعاية على تأييد أو رفض رأي أو سلوك معين.
  • الأدوات الأيديولوجية: وتهدف إلى نشر تصور مثالي لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع في المستقبل، ومن ذلك الترويج لظاهرة “الأمركة” وهي النمط الأمريكي للحياة.

ج. الأدوات الثقافية: وتختلف عن الأدوات الدعائية والأيديولوجية في أنها تركز على توظيف الإنتاج الثقافي والتراث الشعبي في التأثير على الوحدات الدولية الأخرى، ومن أمثلتها إقامة العروض الثقافية في الخارج، ونشر تعليم القومية في الخارج وغيرها.

  1. الأدوات العلمية والتكنولوجية: وتشمل الأدوات العلمية والتكنولوجية للسياسة الخارجية الموارد والمهارات التي تنطوي على استعمال المعرفة العلمية النظرية؛ وتطبيقاتها لحل مشكلات معينة، وتتراوح تلك الأدوات ما بين مجرد التبادل العلمي، وبرامج المساعدة الفنية إلى توظيف الأقمار الصناعية لأغراض الاتصال الخارجي، واستكشاف الفضاء الخارجي والمحيطات بالاشتراك مع الأخرين.
  2. الأدوات الاستخباراتية: ويقصد بها المهارات والموارد المستعملة لجمع وتفسير المعلومات المتعلقة بقدرات وخطط ونوايا وسلوكيات الوحدات الدولية الأخرى، وتشمل تلك الأدوات المهارات الخاصة بكيفية جمع المعلومات وتفسيرها وتحليلها، كما تشمل مجموعة من الموارد كأدوات الاستطلاع والتجسس، وأدوات الرمز وفك الرمز وغيرها.
  3. الموارد الطبيعية: ويقصد بالموارد الطبيعية جميع الموارد المتاحة للمجتمع، والتي تكون هبة خالصة من الله وليس للإنسان دخل في وجودها، ومن أمثلة تلك الموارد: الأراضي الزراعية؛ الغابات؛ ما تحويه الأرض في باطنها من معادن وما تظهره من أشجار، وقد تستعمل الموارد الطبيعية كأداة من أدوات السياسة الخارجية، ومن أمثلة ذلك حظر تصدير النفط العربي إلى بعض الدول الغربية سنة 1973م، لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في حرب 1967م.
  4. الأداة الاستراتيجية (العسكرية): وهي الملاذ الأخير أمام الدولة لتحقيق ما فشلت في تحقيقه الوسائل الأخرى، وتُعرِّف الاستراتيجية العسكرية بأنها فن توزيع واستخدام الإمكانات والوسائل العسكرية المختلفة لتحقيق هدف الاستراتيجية العليا معتمدة في ذلك على التقدير السليم والموائمة الناجحة بين وسائلها وإمكاناتها وبين غاياتها.

فالاستراتيجية العسكرية هي: همزة الوصل بين الوسائل العسكرية والغايات السياسية، أي أنها العملية التي تترجم من خلالها القوة المسلحة إلى نتائج سياسية مستهدفة.

وتشمل هذه الأدوات إنشاء قوات مسلحة وتسليحها وتدريبها، وتوزيعها، واستعمال أو التهديد باستعمال القوة، والمساعدة العسكرية، والغزو المسلح، وتطوير الأسلحة، المشورة العسكرية، وعقد التحالفات العسكرية، والهجوم المسلح.

مما سبق، يتضح أن السياسة الخارجية هي عملية سياسية واعية تنطوي على السعي لتحقيق أهداف معينة قوامها الحفاظ على سيادة الدولة وضمان أمنها القومي والتنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد، وهو ما يصعب على أية دولة بمفردها توفيره، مما يتطلب سياسية خارجية فَعَّالَةٌ ودبلوماسية نشطة تستطيع من خلالها الحصول على الإمكانيات المطلوبة إما عن طريق إقناع الآخرين بالموافقة على ما تطلبه الدولة من سلع وخدمات للمحافظة على أمنها أو الدخول معها في تحالف أو تعاون يضمن بقاءها وتماسك كيانها. فالسياسة الخارجية هي أحد العناصر الرئيسة المكونة للسياسة العامة للدولة، ومن ثم فهي تحتل موقعا مركزيا في السياسة العامة.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى