دلالات هامة: لماذا قرر الرئيس الإريتري أن يزور السودان في هذا التوقيت؟

تشهد منطقة القرن الإفريقي زخماً واسعاً بفعل التطورات المتلاحقة التي باتت تؤطر لمرحلة حاسمة في هذه المنطقة، وفي ظل المتغيرات التي تفرضها أزمات المنطقة المتافقمة، قام الرئيس الإريتري “أسياس أفورقي” بزيارة مفاجئة إلى العاصمة السودانية الخرطوم في الرابع من مايو الجاري، وقد تضمن الوفد المرافق للرئيس الإريتري كل من وزير الخارجية “عثمان صالح” ومستشار الرئيس “يماني قبراب”، وتضمنت هذه الزيارة لقاءات جمعت “أفورقي” برئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول “عبدالفتاح البرهان” ورئيس الوزراء “عبد الله حمدوك”.

وفي ظل اعتبار تلك الزيارة بمثابة الثالثة للرئيس الإريتري إلى السودان منذ سقوط نظام البشير- يبقى السؤال، وهو:  ما هي دلالات توقيت هذه الزيارة، خاصة وأنها تأتي في إطار العديد من التطورات التي يشهدها السياق الإقليمي؟.

سياق إقليمي ملتهب:

تأتي هذه الزيارة في ظل العديد من التطورات المتلاحقة التي يشهدها السياق الإقليمي الذي يزخر بالعديد من الملفات التفاقمة، لعل أبرزها ملف سد النهضة والذي بات في مفترق الطرق بسبب استمرار التعنت الإثيوبي، فضلاً عن مواصلة أديس أبابا سياساتها العدائية فيما يتعلق بالحدود السودانية، في ظل إصرار حكومة “آبي أحمد” على احتلال بعض الأراضي السودانية، في الوقت الذي لا تزال الصراعات العرقية في الداخل الإثيوبي (والتي لم تعد تقتصر فقط على إقليم التيجراي) تنذر بإحتمالات حدوث تصدعات خطيرة تهدد وحدة الدولة الإثيوبية.

كذلك، تأتي زيارة الرئيس الإريتري في وقت باتت الولايات المتحدة تعمل على تعزيز دورها وحضورها في ملفات القرن الإفريقي، وهو ما تجسد في تعيين واشنطن لمبعوث خاص لها لمنطقة الرقن الإفريقي، هو الدبلوماسي المخضرم “جيفري فيلتما”، وقد بدأ الأخير جولة خارجية مبكرة لبحث ملفات المنطقة التفاقمة، وسوف تتضمن هذه الجولة زيارات إلى 4 دول بالمنطقة، تشمل مصر وإريتريا وإثيوبيا والسودان، ومن ثم تأتي زيارة الرئيس الإريتري للسودان في الوقت الذي يقوم فيه المبعوث الأمريكي بزيارة إلى القاهرة.

أيضاً، ثمة تطور رئيسي يتعلق بالسياق الإقليمي الذي سبق زيارة الرئيس الإريتري، يتمثل هذا التطور في تصاعد حدة التوتر بين السودان وإريتريا خلال الفترة الأخيرة، بعدما وجهت الخرطوم اتهامات إلى أسمرة بدعم أديس أبابا عسكرياً في عملية نشر قواتها المسلحة داخل الأراضي السودانية، وهو ما دفع إريتريا إلى إرسال وزير خارجيتها إلى السودان (قبل زيارة الرئيس أفورقي) للتأكيد على أن أسمرة ليست جزءاً من النزاع بين السودان وإثيوبيا.

لماذا السودان؟:

من خلال قراءة في توقيت والسياق الذي يسبق هذه الزيارة، يمكن الإشارة إلى عدة دوافع رئيسية محتملة من زيارة الرئيس “أفورقي” إلى السودان، يتمثل أبرزها فيما يلي:

(*) يسعى الرئيس الإريتري من هذه الزيارة إلى بحث أزمات الحدود المتشابكة، والتي يرتبط أحد أبعادها بالمثلث الحدودي بين السودان وإثيوبيا وإريتريا، والذي يمثل معضلة أمنية بالنسبة لأسمرة نظراً لمخاوف نظام الرئيس “أفورقي” من أنشطة محتملة لجماعات مناوئة له في هذه المنطقة، ومن ثم فيبدو أن الرئيس الإريتري يسعى إلى تجميد التوتر على هذه الجبهة، في ظل تأجيج الصراع في الصومال والذي يتوقع أن يفاقم حدة الأوضاع الأمنية المتدهورة في منطقة القرن الإفريقي، بما في ذلك إريتريا. كذلك يرتبط أحد أبعاد أزمة الحدود -التي يرجح أنها مثلت أحد ملفات الحوار خلال زيارة “أفورقي”- بالتوتر الأخير في علاقة أسمرة والخرطوم، بعدما أتهمت وزارة الخارجية السودانية طرفاً ثالث بدعم الإنتهاكات الإثيوبية ضد الأراضي السودانية المتاخمة للحدود بينهما، في إشارة إلى النظام الإريتري، ومن ثم فيبدو أن إريتريا تسعى إلى تهدئة الغضب السوداني، والحيلولة دون تأجيج الغضب الدولي ضدها، في ظل التقارير الدولية التي تندد بدور أسمرة في الصراع القائم في إقليم التيجراي، وتتهم نظام “أفورقي” بارتكاب جرائم حرب.

(*) مساعى إريتريا تعزيز علاقاتها بالسودان كمدخل للتقارب مع الإدارة الأمريكية الجديدة، حيث تدرك أسمرة أن الخرطوم باتت تمثل أهمية خاصة بالنسبة لإدارة الرئيس “جو بايدن” بإعتبارها نموذجاً ربما يصبح ملهماً للتحول الديمقراطي في القارة الإفريقية مع استثناء شمالها، ومن ثم يسعى الرئيس الإريتري إلى ضمان حد أدنى من العلاقات الطبيعية مع السودان.

(*) لعب دور الوكيل الإثيوبي في ملف سد النهضة، فعلى الرغم من وجود الكثير من التقارير التي تفيد بأن زيارة الرئيس الإريتري ربما تستهدف طرح رؤية جديدة للوساطة في ملف سد النهضة، بين مصر والسودان وإثيوبيا، بيد أن هذا الطرح ينطوي على جزء كبير من القصور، إذ أن المصالح المتشابكة بين نظام “أفورقي” ونظام “آبي أحمد” تدحضر فكرة إعتبار إريتريا كوسيط محايد، ويضاف لذلك أن قيام الرئيس الإريتري بزيارة السودان وإستثناء مصر تحمل دلالات خطيرة، مفادها الإستمرار في نفس النهج الإثيوبي الرامي إلى محاولة فك الإرتباط بين مصر والسودان، من خلال محاولة التوصل إلى اتفاق منفرد مع الخرطوم يؤدي إلى تفكيك الموقف الموحد بين القاهرة والخرطوم، والذي بات يمثل تهديداً للأطماع الإثيوبية ونزاعاتها للهيمنة، ومن ثم يرجح أن يسعى “أفورقي” من خلال هذه الزيارة إلى محاولة تقريب وجهات النظر بين السودان وإثيوبيا، سواء فيما يتعلق بملف الخلافات الحدودية أو ملف سد النهضة، خاصةً بعدما أعلنت وزارة الخارجية السودانية استنكارها لتصريحات الحكومة الإثيوبية بأن الخرطوم تسعى إلى إلزام أديس أبابا بإتفاقيات استعمارية (في إشارة إلى إتفاقية الحدود لعام 1902، وإتفاقية مياه النيل لعام 1959)، كما لوحت السودان إلى إعادة النظر في سيادة إثيوبيا على إقليم بني شنقول (يقام عليه سد النهضة) حال استمرت أديس أبابا في التنصل من الإتفاقيات الدولية الخاصة بالحدود ومياه النيل.

مرحلة حاسمة:

تعكس التطورات الراهنة في القرن الإفريقي اتجاه المنطقة إلى مرحلة حاسمة للكثير من الملفات القائمة، فمن ناحية يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” باتت تنظر إلى المنطقة كأحد ساحات التنافس الدولي، ومن ثم تستهدف بث رسائل ضمنية مفادها استعادة الدور الأمريكي الفاعل في الملفات الحيوية، وتعزيز الحضور الأمريكي في هذه المنطقة الاستراتيجية، وربما يدعم هذا الطرح ما أعلنته السودان خلال الأيام الأخيرة من تعليق إتفاق إنشاء القاعدة البحرية الروسية.

كذلك، يرتبط أحد ملامح المرحلة الجديدة في منطقة القرن الإفريقي في الصراعات العرقية التي بدأت تتفاقم في الداخل الإثيوبي، والتي لم تعد تقتصر على إقليم التيجراي، بل باتت تتضمن أيضاً قومية الأورومو وعناصر من إقليم بني شنقول وأجزاء من الأمهرا، ومن ثم تتصاعد حدة التداعيات المحتملة لهذا التوتر في الداخل الإثيوبي، ليس فقط على مستقبل حكومة “آبي أحمد” – والذي بات في موقف حرج قبل الانتخابات المزمع إنعقادها في يونيو القادم-، بل أيضاً على مستقبل نظام الرئيس الإريتري “أسياس أفورقي”، في ظل تصاعد نشاط المعارضة الإريترية في الداخل والخارج، والتي تستهدف إسقاط نظام “أفورقي”، وفي هذا الإطار يسعى “آبي أحمد” وحليفه “أفوريقي” في تعزيز التنسيق لمواجهة التحديات المتفاقمة التي باتت تهدد استمراريتهما.

من ناحية أخرى، فعلى الرغم من توجه أديس أبابا وأسمرة إلى الحيلولة دون فتح جهة أخرى للصراع مع السودان، للتفرغ لمواجهة الأزمات الداخلية المتفاقمة، بيد أن “آبي أحمد” ربما يسعى إلى الاستمرار في تبني خطاب التصعيد ضد الدولة المصرية لمحاولة تصدير الأزمات الداخلية للخارج، وتوجيه أنظار الداخل الإثيوبي المحتقن نحو صراعات خارجية، لتبرير أي إنتهاكات محتملة ضد المعارضة الداخلية قبيل انتخابات يونيو، وربما يدعم ذلك إعلان الإتحاد الأوروبي إلغاء مشاركته في المراقبة على الانتخابات البرلمانية المقبلة في إثيوبيا.

أخيراً، تستهدف زيارة الرئيس الإيريتري إلى السودان تحقيق العديد من الأهداف التي تخدم مصالح إثيوبيا بالأساس (وحليفتها إريتريا)، من خلال محاولة التهدئة مع  الخرطوم والعمل على تحييدها في ملف سد النهضة، غير أن الموقف السوداني الراهن يعكس علاقات استراتيجية تربط الخرطوم والقاهرة، في ظل تنسيق رفيع المستوى بين البلدين، يتمخض عنه موقف موحد ومتماسك تجاه التحركات الإثيوبية المتعنتة ومحاولاتها للهيمنة.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى