لمن تقترب السعودية.. إيران أم تركيا؟

في شهر إبريل الفائت أعلنت وزارة التعليم السعودية إغلاق 8 مدارس تركية بالبلاد مع نهاية العام الدراسي الحالي، وذكرت مصادر دبلوماسية، أن الوزارة أبلغت المدارس التركية في تبوك، والرياض، والطائف وجدة، كتابيا بقرار الإغلاق. كما تم إجراء زيارات إلى المدارس التركية في الدمام وأبها، وتم إبلاغهم شفهيا بقرار الإغلاق، نهاية العام الدراسي الحالي”. وشمل قرار الإغلاق أيضا، المدارس التركية في مكة المكرمة والمدينة المنورة. كما قامت الرياض كذلك باستكمال الإجراءات لإغلاق المدارس السعودي في أنقرة وإسطنبول.

الجدير بالذكر أن هذا القرار السعودي يأتي في ظل ما تشهده العلاقات بين البلدين من تراجع كبير على إثر عدد من الأزمات اللاحقة التي لحقت بينهما، وهو ما يؤكد أن هذا القرار “ذا طابع سياسي” ويكشف عن رغبة سعودية في إبقاء العلاقات على ماهي عليه، وتجميد الموقف بين البلدين على الأقل في المدي القريب. في الوقت ذاته تلوح في الأفق بوادر انفراجه في العلاقات السعودية الإيرانية، فهل يكون هناك تقارب سعودي – إيراني مقابل تراجع سعودي – تركي؟.

السياق الحاكم للعلاقات السعودية – التركية:

في بداية أحداث الربيع العربي شهدت العلاقات التركية السعودية نوعًا من التقارب والتفاهم في بعض الملفات الإقليمية وخاصة الملف السوري، حيث كان هناك توافق بين البلدين على ضرورة رحيل بشار الأسد عن السلطة، كما كان هناك تأييد تركي للتحالف العربي التي قادته السعودية ضد جماعة الحوثيين في اليمن فيما عرف باسم “عاصفة الحزم” في مارس 2015 قبل أن تغير أنقرة موقفها بإعلانها عن دعم الوساطة التي تقودها الأمم المتحدة. وعلى الرغم من ذلك بدأت العلاقات بين أنقرة والرياض تأخذ منحي مغاير عما كانت عليه في السابق إثر عدد من الأزمات منها:

  1. إسراع تركيا بإعلان دعمها لقطر بعد قرار دول الرباعية (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) بمقاطعة قطر في يونيو من عام 2017، تمثل هذا الدعم في إرسال طائرات محملة بالإمدادات، بالإضافة إلى قوات عسكرية تركية لحماية المنشآت القطرية،
  2. قضية مقتل الصحفي السعودي “جمال خاشقجي” داخل القنصلية السعودية في إسطنبول في أكتوبر 2018، مع توجيه اتهامات من قبل أنقرة لمسئولين سعوديين بارزين بالضلوع في اغتيال خاشجقي، فضلا عن سعيها لتشكيل حشد دولي لمعقابة الرياض. إلا أن المملكة أعلنت بكل تأكيد رفضها لكل هذه الاتهامات، كما أعلنت عن تقديم الجناة الحقيقيين إلى المحاكمة. وقد خلفت هذه القضية تداعيات خطيرة على العلاقات بين البلدين إلى درجة ربما وصلت للانهيار.
  3. التصريحات المتبادلة بين البلدين عمقت الخلافات الموجودة؛ حيث أنه في أكتوبر 2019 انتقد الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” الدور الذي تلعبه الرياض في اليمن، وكان ذلك ردًا على إدانة الرياض لما سمته بـ “العدوان” الذي يشنه الجيش التركي علي مناطق شمال شرقي سوريا في إشارة إلى عملية “نبع السلام”، التي أطلقتها تركيا في منطقة شرق الفرات في العام ذاته.
  4. حملة المقاطعة التي قادتها السعودية ضد المنتجات التركية كأحد تداعيات قضية مقتل خاشقجي، والتي امتدت بعد ذلك لتشمل دول أخري مثل اليونان وقبرص وأرمينيا، وكذلك دول عربية مثل الإمارات ومصر، وقد أثرت الحملة بشكل سلبي على الاقتصاد التركي؛ إذ أدت إلى انخفاض حاد لسعر صرف العملة الوطنية “الليرة”، وانهياراتها المتتالية أمام الدولار الأمريكي.
  5. التنافس الجيوسياسي بين البلدين، ومحاولة كل طرف احتواء النفوذ السياسي للطرف الأخر، حيث سعت الرياض لإقامة علاقات دبلوماسية مع قبرص اليونانية، وفي عام 2019 قام وزير الخارجية السعودي “إبراهيم العساف” بزيارة إلي نيقوسيا، أعرب خلالها عن دعم المملكة الكامللـشرعية وسيادة الحليف الجديد، فضلًا عن إقامة شراكة مع اليونان، كما أعلنت السعودية عن تأسيس “مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن” في يناير 2020، وذلك لمجابهة النفوذ التركي المتزايد في منطقة القرن الإفريقي، وعلي النقيض من ذلك سعت أنقرة لضرب التحالفات السعودية وأعلنت عن عقد قمة إسلامية في “كوالالمبور” عام 2019 بمشاركة باكستان وماليزيا وإيران وقطر كمحاولة لخلق بديل لمنظمة التعاون الإسلامي.

تقارب سعودي – إيراني:

اتسمت العلاقات بين كل الرياض وطهران بالتوجس وانعدام الثقة على مر عقود طويلة منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979 والإطاحة بنظام الشاه، ومنذ ذلك الحين وإيران تسعي لتصدير نموذج الثورة في محيطها الإقليمي، مع رغبتها الملحة في لعب دور الزعامة في المنطقة، كما أن العلاقة بين البلدين لم تخلو من اتهامات متبادلة بمسئولية كل طرف في زعزعة استقرار الشرق الأوسط. إلا أن حالة التوتر بين البلدين وصلت إلى حالة غير مسبوقة وذلك في عام 2016 إثر قيام السعودية بإعدام رجل الدين الشيعي السعودي نمر باقر النمر، تبعه مظاهرات عارمة في إيران نددت بإعدام النمر، وقام المتظاهرون الإيرانيون بإحراق المقار الدبلوماسية السعودية في طهران ومشهد. بالإضافة إلى أن كل من الرياض وطهران يخوضان حروبا بالوكالة في جبهات متعددة خاصة اليمن وسوريا ولبنان، فضلا عن البرنامج النووي الإيراني الذي يمثل هاجسا لدول الخليج. ومع استمرار حالة الاستقطاب بين البلدين بات كل طرف على قناعة أن فرص التعاون أفضل بكثير وأقل تكلفة من استمرار الصراع، ولن يستطيع أي طرف حسم الصراع بشكل كامل لصالحه.

وعلى رغم ما سبق ذكره، فقد شهدت العلاقات بين البلدين في الآونة الأخيرة نوعا من الإنفراجة، مع تبادل الرسائل الإيجابية بين المسئولين، وهو ما قد يؤشر لبدء مرحلة جديدة من العلاقات، هذه المؤشرات كالآتي:

  • في مطلع إبريل من هذا العام تواترت أنباء عن لقاء عُقد في بغداد برعاية رئيس الوزراء مصطفي الكاظمي بين وفد سعودي برئاسة رئيس المخابرات “خالد بن علي الحميدان”، ووفدا إيرانيا برئاسة مسؤولين مفوضين من قبل الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي “على شمخاني” وبمباركة من المرشد الأعلى “علي خامنئي”، وكانت المباحثات جيدة، واتفق الطرفان على عقد لقاء أخر في بغداد في شهر مايو.
  • الرسائل الإيجابية في تصريحات المسئولين، حيث ذكر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان – خلال حوار تلفزيوني – أن “إيران دولة جارة، ونطمح في أن تكون لدينا علاقات مميزة معها.. نريد إيران دولة مزدهرة”. ورداً على هذه التصريحات قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده” إن إيران ترحب بتغيير السعودية لنبرتها. وتابع قائلا “من خلال الآراء البناءة والنهج المبني على الحوار، يمكن لإيران والسعودية كدولتين مهمتين في المنطقة والعالم الإسلامي، الدخول في فصل جديد من التفاعل والتعاون لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية الإقليمية من خلال تجاوز الخلافات”. وبدوره، صرح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أن هناك “مؤشرات إيجابية تلوح في الأفق” فيما يتعلق بالمحادثات لإحياء الاتفاق النووي والعلاقات مع دول الخليج العربية.

محددات استئناف العلاقات بين الرياض وطهران:

كشفت اللقاء الأخير الذي تم بين وفدي البلدين بالإضافة إلى التصريحات التي تنم عن وجود رغبة مشتركة بالشروع في بدء مفاوضات يتم على إثرها الوصول إلى صياغة من التفاهمات ووضع أسس للتعاون، وتجاوز خلافات الماضي بينهما، حيث يدرك كل طرف قوة الطرف الأخر وما يمتلكه من أدوات ونفوذ، فضلًا عن المكاسب المحتملة من وراء استعادة العلاقات، وبناءً على ذلك توجد عدد من المحددات يمكن من خلالها تفسير استئناف المفاوضات هي كالتالي:

  1. رغبة السعودية بل وسعيها لإنهاء حربها في اليمن ضد الحوثيين، بسبب الاستهداف المستمر للمنشآت السعودية من قبل صواريخ الحوثيين، وتدرك الرياض جيدًا أن قرار إنهاء الحرب بالنسبة للحوثيين مرهون بالأساس بموافقة طهران، ومن ثم فإن استعادة العلاقات قد تصب في هذا الاتجاه، وهو ما تضمنته المباحثات الأخيرة بين وفدي البلدين في بغداد.
  2. في ظل المفاوضات الجارية في فيينا بين إيران ومجموعة (5+1) للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني ووضع حد للصراعات الدائرة في المنطقة – والتي تنخرط فيها إيران بشكل مباشر- مقابل رفع العقوبات المفروضة علي إيران- تدرك الرياض جيدًا أنه في حالة نجاح هذه المفاوضات والوصول إلى اتفاق، وتجميد العقوبات؛ ستصبح إيران بذلك قوة إقليمية لن تقدر أي قوة أخري على مجابهتها، وهو ما يدفع بالسعودية إلى أن تكون جزء من هذا الاتفاق حتى تضمن سلامتها الإقليمية، مقابل إشراك إيران في مشاريع أخري مثل مشروع “نيوم” السعودي.
  3. في ظل نظام تعدد الأقطاب، وقعت الصين مع إيران في 27 مارس من العام الجاري اتفاقية تعاون مدتها 25 عاما لتعزيز علاقتهما الاقتصادية والسياسية طويلة الأمد وتبلغ قيمتها 400 مليار دولار، أطُلق عليها اسم “الشراكة الاستراتيجية الشاملة”، ويدخل هذا الاتفاق في إطار مبادرة “الحزام والطريق” الصينية. وتعد هذه هي المرة الأولى التي توقع فيها إيران مثل هذا الاتفاق المطول مع قوة عالمية كبرى، وتصبح بذلك أكبر شريك للصين في المنطقة، وهو ما سوف يعزز بالطبع من حضور إيران المستقبلي، كما أن هذه الاتفاقية سوف تساهم في تعميق نفوذ الصين في الشرق الأوسط وتقوض الجهود الأمريكية الرامية إلى إبقاء إيران معزولة، وربما تسعي السعودية إلى أن تكون جزء من هذه الاتفاقية لاحقًا في حال استعادة العلاقات بين طهران والرياض.
  4. تعي إيران المكانة والتأثير اللذان تتمتع بهما السعودية في محيطها العربي والإسلامي، وأن استعادة العلاقات مع الرياض من شأنه أن يساعد طهران علي تحسين علاقاتها مع دول الإقليم؛ خاصة القوي المؤثرة فيه وعلى رأسهم مصر، كما أن القوي الدولية وحتى الإقليمية يدركان أن التنافس بين البلدين يؤثر بشكل كبير على الصراعات الموجودة في المنطقة، وأن وضع حد لهذه الصراعات مرهون بشكل رئيسي بتحسن العلاقة بينهما، وهو ربما ما يدفع بهذه القوي لمساندة جهود المفاوضات بين البلدين.

مستقبل العلاقات السعودية مع كل من إيران وتركيا:

ثمة شواهد يمكن أن تحدد شكل العلاقات السعودية مع كل من إيران وتركيا في التطورات الأخيرة، يمكن رصد أهمها على النحو التالي:

  1. استمرار جمود العلاقة بين الرياض وأنقرة في المدي القريب في ظل القرار الأخير التي أصدرته السعودية، والذي سبب خيبة أمل لأنقرة، كونه يمثل عرقلة لجهود استئناف العلاقات بين البلدين، في مقابل ذلك تسير المفاوضات السعودية الإيرانية بشكل إيجابي وربما أسرع من المفاوضات السعودية التركية، ولكنها أجواء تتسم بالحذر الشديد، في انتظار كل طرف أن يبدأ بتقديم تنازلاتلتأكيد صدق النوايا.
  2. استئناف المفاوضات بين كل من المملكة وتركيا بالتزامن مع المفاوضات التي تُجري بين الأولي وإيران، وأن القرار الأخير الصادر من المملكة صحيح أن له تأثير سلبي، إلا انه في النهاية قد لايعدو إلا أن يكون مجرد وسيلة ضغط من جانب الرياض تجاه أنقرة لتحقيق مزيد من المكاسب، ويعزز من هذا الطرح وجود بعض المؤشرات الإيجابية أهمها:
  • انتهاج الدبلوماسية السعودية “نهج المصالحات” في علاقاتها الخارجية، خاصة بعد نجاح المصالحة الخليجية التي جرت في مدينة العلا بالسعودية في مطلع شهر يناير من العام الجاري خلال القمة الخليجيةالـ 41، بالإضافة إلى المفاوضات التي تجري بين الرياض وطهران لتجاوز الخلافات بينهما.
  • في نوفمبر الماضي قدم العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز التعزية بضحايا زلزال ولاية إزمير التركية، وتقديم مساعدات للمنكوبين بتوجيهات مباشرة منه.
  • مشاركة تركيا في قمة العشرين التي عُقدت في الرياض في نوفمبر من عام 2020، سبق ذلك اتصال بين الملك السعودي والرئيس التركي، في تطور جاءت أهميته من كونه الوحيد الذي يجريه الملك سلمان مع رئيس دولة مشاركة في القمة، واتفقا على الإبقاء على فتح قنوات الحوار بين البلدين من أجل تحسين العلاقات الثنائية وتسوية القضايا الخلافية.
  • التعاون العسكري بين البلدين؛ حيث أعلن الرئيس التركي أن السعودية طلبت طائرات مسيرة من تركيا، حيث تمتلك تركيا مسيّرات مسلحة من طراز “بيرقدار TB2” التي تتمتع بكفاءة قتالية عالية، ولم تعلق الرياض على هذا التصريح.
  • التصريحات الصادرة بشكل مستمر والتي تعكس رغبة المسئولين الأتراك في استئناف العلاقات بين البلدين؛ حيث أنه في مارس من العام الجاري أكد وزير الخارجية التركي “مولود أوغلو” أن بلاده مستعدة لتحسين العلاقات مع السعودية والإمارات، وشدد على أن بلاده لم تتهم القيادة السعودية بالوقوف خلف جريمة اغتيال خاشقجي من قبل. وفي إبريل من نفس العام أكد المتحدث باسم الرئاسة التركية “إبراهيم قالن” أن بلاده تبحث عن سبل لإصلاح العلاقات بأجندة أكثر إيجابية مع السعودية، مضيفا أنه “يأمل في إنهاء المقاطعة بين البلدين”.

هيثم عمران

باحث بوحدة دراسات الأمن الاقليمي - مدرس مساعد قسم العلوم السياسية كلية السياسة والاقتصاد جامعة السويس. وباحث مشارك مع عدد من المراكز العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى