مؤشرات للتخلي عن المنهج الوهابي: ما هي دلالات تصريحات “بن سلمان” حول الإصلاح الديني؟

أثارت تصريحات الأمير محمد بن سلمان ولى العهد السعودي منذ أيام، حول الشريعة والحديث والفقه ومدى إلزاميتهم في الشأن الاجتماعي وتشريع العقوبات داخل المملكة العربية السعودية- جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والدينية وعلى مستوى المجتمع ككل، حيث فهم من كلام (ولى العهد)  أن المملكة تعلن عن تخليها عن المنهج الوهابي السلفى، الذي انطلق من أرض المملكة منذ عقود، وانتشر تأثيره إلى بعض الدول العربية والإسلامية.

وبالتالي، تطرح تصريحات محمد بن سلمان في هذا التوقيت، العديد من التساؤلات، لعل أهمها: ما هي انعكاسات هذه التصريحات على الواقع داخل المجتمع السعودي؟، وما هي الآثار الممتدة لهذا التغير الثورى داخل المملكة، على الإصلاح الدينى في العالم الإسلامي؟، وما الخلل في منهج جمع الأحاديث الذي أفرز هذه التصنيفات من الأحاديث (متواتر- آحاد- خبر)؟، وما انعكاسات هذه التصريحات على واقع مكافحة الإرهاب؟.

تصريحات ثورية على طريق الإصلاح:

صرح الأمير محمد بن سلمان في حوار تلفزيوني بأنه “لا عقوبة في شأن ديني اجتماعي إلا بنص قرآني أو حديث متواتر، وأن أحاديث الآحاد غير ملزمة بإلزامية المتواتر، إلا إذا اقترن بنصوص شرعية واضحة وبمصلحة دنيوية، والأحاديث الآحاد لا تمثل إلا جزء قليل، أما الخبر فهو غير ثابت وغير ملزم وهى النسبة العظمى من الأحاديث، والأخذ بها فيه طعن أن القرآن صالح لكل زمان ومكان.

بناءاَ على تصريحات بن سلمان، فمن المتوقع أن تصدر عن المملكة تشريعات، من شأنها إحداث تغيرات جوهرية على الواقع التشريعى الإجتماعى والتعليمى والثقافى ووضع المرأة داخل المملكة، يمكن التطرق إلى ما هو محتمل منها، وذلك على النحو التالي:

(*) الواقع التشريعي الاجتماعي: هذه التصريحات تشير إلى احتمال إلغاء العمل بأغلب الحدود، فمن الجدير بالذكر أن المملكة قد ألغت عقوبة الجلد في وقت سابق، واستبدلتها بالسجن والغرامة. بالتالي فمن المتوقع أن يلغى حد الرجم والردة، وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه الحدود عمليا لم تطبق داخل المملكة منذ سنوات، ولكن التصريح بذلك له دلالات وأنعكاسات على الواقع العربى والإسلامى، وربما تدخل تعديلات على اختصاصات هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر داخل المملكة، بما يضمن عدم التضييق على الحريات العامة، وتتجه الهيئة أكثر إلى العمل على مراقبة الأسواق، فتكون اقرب لأجهزة حماية المستهلك في الدول العربية المجاورة.

(*) الواقع التعليمي والثقافي: ربما يمتد أثر هذه التصريحات على الواقع التعليمى والثقافي داخل المملكة، فمن شواهد ذلك حرص المملكة في الفترة الأخيرة على تنقيح المناهج التعليمية من أي نصوص تدعو للعنف وتحض على الكراهية وازدراء الآخر. فكل الأحاديث التي يعتمد عليها الإصوليون لتكفير المختلف معهم، تعتمد في التأصيل على أحاديث آحاد، والتخلي عن الأخذ بهذه النصوص يعد ثورة على طريق الإصلاح ومجابهة الإرهاب فكريا، بالإضافة إلى أن هذه التصريحات تعكس إرادة جادة من قبل الأمير بحجب المحتوى المتطرف في وسائل الإعلام والكتب والرقابة الحسيسة لكل ما يقدم على المنابر، ومحاسبة كل من يدعوا إلى خطاب يحض على العنف.

(*) طفرة في واقع المرأة السعودية: في الواقع حدثت طفرة في وضع المرأة داخل المملكة في الفترة الأخيرة، والتصريحات القريبة للأمير محمد بن سلمان، تعنى أن المرأة السعودية في طريقها لكسب المزيد من الحقوق والامتيازات الاجتماعية والسياسية والوظيفية، فكل النصوص التي كانت تؤسس لوضع متدنى للمرأة، والتي سادت داخل المملكة لعقود، كانت تعتمد على أحاديث آحاد، التي أسُس بناء عليها المذهب السلفى الوهابى، والتي تعكس هذه التصريحات التخلي عنها.

تغيرات محتملة:

فربما يدفع هذا التوجه الإصلاحي الذي تنتهجه المملكة منذ إعلان رؤية السعودية 2030 إلى تشجيع  الدول العربية والإسلامية في المنطقة إلى اتخاذ نهج مشابه، ويفتح الطريق أمام الأنظمة العربية إلى العمل على اتخاذ إجراءات وتشريعات على طريق الإصلاح، والتخلي عن الإنصات للتيار الذي يعارض هذا التوجه، فكل التشريعات الإصلاحية عبر التاريخ حدثت بفعل التشريعات والقوانين، وليس بالخضوع للآراء الراديكالية الأصولية.

فإلغاء العبودية حدث بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، حيث صدقت الدول على اتفاقيات دولية تنفيذا لهذا الإلتزام وعلى رأسها مصر، ولم ينظر إلى آراء الإصوليين حينها، وتجريم ختان الإناث في مصر وبعض الدول الإسلامية، جرم بموجب قوانين، رغم وجود آراء سلفية تعارض هذه التشريعات حتى تاريخه. كما أن تجريم زواج القاصرات ألغى بموجب تشريعات، جاءت تنفيذا لإلتزامات دولية تجرم الإتجار بالبشر، رغم وجود آراء سلفية تدعو إلى زواج الأطفال دون التاسعة عام، وهى حالة مرضية في الطب النفسي معروفة (بالبيدوفيليا).

 إذن وبناءاً على ما سبق، يكون الطريق ممهد أمام الأنظمة العربية لفرض الإصلاح الديني، الذي يعد أولى خطوات المجابهة الفكرية للإرهاب بقوانين ملزمة، خاصة وأن إعلان التخلي عن الأخذ بأحاديث الآحاد بالتحديد في مسائل العقيدة- يجرم التأصيل لارتكاب العنف من قبل فقهاء التكفيريين، والدعوة إلى الجهاد لإقامة دولة الخلافة تأسيسا على ذلك.

منهج مضطرب:

جُمعت الأحاديث النبوية بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وسلم) بـ 200 عام، على أساس منهج بشرى في الجمع غير مقدس، حيث يعتمد هذا المنهج على السند كأساس لقبول الحديث من عدمه، دون النظر في مدى عقلنة المتن وتوافقه مع الهدى القرآنى والفطرة السليمة، فكان من الضروري أن يكون النص القرآنى حاكم على السند وليس العكس، حيث أغُفل الاعتبار الجوهري (النص القرآني)، في اعتماد الحديث والأخذ به في كتب الصحاح.

وهو ما أدى إلى الإكثار على الرسول، حيث اعتمدت كتب الصحاح ما يقرب من 15 ألف حديث، منهم ما أخذ عن الوضاعين والكذابين والمدلسين، وذلك وفقا لآراء وتصنيفات علماء الحديث فيما يعرف بعلم الرجال، هذا بالإضافة إلى أن الإكثار على الرسول تسبب في هدر السياق، وأخرجت بناء عليه أحكام على غير مراد الله ورسوله، وظهر ما يعرف بالنسخ فتجد في كتب الصحاح الحديث وعكسه، كما لم يعرف الترتيب التاريخي لقول الأحاديث، هو ما فتح الباب على مصرعيه للكذب على رسول الله، ودس أحاديث (اسرائيليات) لخدمة أوضاع سياسية.

نتائج قيد التشكيل:

عليه؛ فإن تنقيح كتب الصحاح والإعتماد على النص القرآني لقبول الأحاديث، وهو من شأنه العمل على طريق الإصلاح، ويؤدى إلى النتائج التالية:

(&) مجابهة الأفكار التكفيرية التي تدعو للعنف: فقد يؤدى التخلي عن أحاديث الآحاد في مسائل العقيدة، وعدم اعتماد الأحاديث التي تدعو إلى قتل غير المسلم وتارك الصلاة وغيره- إلى هدم أفكار الجماعات التكفيرية.إن تبرير ما سبق جاء من منطلق التناقض بين بعض ما في أحاديث الآحاد وقوله تعالى ” فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”. كما أن التخلي عن الأحاديث التي تزدرى أهل الكتاب يأتي إعمالا لقوله تعالى ” لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين”، وفضلا عن عدم الأخذ بحديث الآحاد” من بدل دينه فاقتلوه”، حيث لا توجد عقوبة في القرآن على تغير الدين.

(&) وضع أفضل للمرأة: تمتع المرأة في المجتمعات الإسلامية بوضع أفضل، يعتمد على عدم الأخذ بما ورد بأحاديث الآحاد، التي تخالف النص القرآنى، كما هو معروف في العقل الجمعي لدى المسلمين بأن “النساء ناقصات عقل ودين”، “وأكثر أهل النار من النساء”، “يقطع الصلاة المرأة والحمار” وغيرها الكثير من أقوال ذكرت وتشبع بها العقل المسلم، مصدرها أحاديث الآحاد التي حضت من شأن المرأة في العقل الجمعي، وهذا ما زاد من معدلات العنف ضدها، بداية من العنف اللفظي والجسدي، مرورا بتبرير التحرش واستخدامها كسلعة في بعض الأوساط، وصولا منعها من تولى المناصب القيادية.

(&) رد الإساءة عن الرسول الكريم: فبعض أحاديث الآحاد تتحدث عن أن النبي (ص)  قد سُحر، وأنه كاد أن ينتحر عندما تأخر عليه الوحى، وأنه مات ودرعه مرهون، وكاد أن يسم. وأخرى تصف النبي بالضحوك القتال، وقول في حديث جئتكم بالذبح، وأخرى وغيره من أحاديث الآحاد تسئ للنبي الكريم، وتُناقض قوله تعالى ” ووجدك عائلا فأغنى” وقوله تعالى ” وما ينطق عن الهوى”، ” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”. فرفض الأخذ بهذه الأحاديث من شأنه رفع الإساءة عن الرسول الكريم، التي أدت ببعض الشباب إلى الإلحاد، وأدت بالغرب إلى رسم رسوم مسيئة للرسول الكريم، وذلك انعكاساً للصورة الذهنية التي وصلتهم من خلال هذه الأحاديث المسيئة.

في النهاية يمكن القول، إن هذا الاتجاه الإصلاحي الذي يدعو له الأمير محمد بن سلمان وغيره من الكتاب والمفكرين ليس وليد اللحظة، وإنما دعا له وناضل من أجله رجال معممين، وأئمة تفخر بهم الأجيال منذ عقود، أمثال الشيخ العلامة “محمد أبو زهرة” وهو عالم أزهرى جليل، حيث قال أن الحديث الآحاد لا يقام عليه عقيدة، وعليه فإن كل أحاديث التكفير غير صحيحة ومعظم الحدود مردودة. كما قال الشيخ “محمود شلتوت”  في بحث له بمجلة الرسالة، بتاريخ 7 يونيه 1943، إن السنة المتواترة هي قطعية الثبوت، وأن أحاديث الآحاد ظنيه الثبوت. كما قال الشيخ “أبو حامد الغزالى” من قبلهم، حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن، يستدل به في المسائل العملية ولا يؤخذ به في مسائل العقيدة والغيبيات”.

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في الشريعة الاسلامية . - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - كاتبة في العديد في الصحف والمواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى